عيسى في زوطر... ماذا تريد واشنطن أن ترى في الجنوب؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
قد يكون من السهل التعامل مع زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى زوطر الغربية على أنها محطة في جولة جنوبية، أو زيارة ذات طابع رمزي لبلدة لبنانية تقع في منطقة شديدة الحساسية. لكن وضع الزيارة في سياقها السياسي والميداني يجعلها أكثر دلالة من ذلك بكثير.
فالسفير الأميركي لم يختر منطقة جنوبية بعيدة عن خطوط التماس، بل ذهب إلى نقطة يستطيع منها أن يعاين مباشرة الواقع المقابل، حيث الانتشار الإسرائيلي وحيث تتحول الخرائط التي تُناقش في غرف التفاوض إلى واقع جغرافي وعسكري على الأرض. وهنا تبدأ أهمية الزيارة.

Advertisement

فمنذ بدء المسار الأميركي الجديد في لبنان، لم تعد واشنطن تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد جبهة أمنية بين لبنان وإسرائيل. فقد أصبح الملف جزءاً من معادلة أوسع تتصل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، أي بمعنى من يملك قرار الحرب والسلم، من ينتشر جنوباً، ماذا سيكون مصير السلاح خارج مؤسسات الدولة، وكيف يمكن الوصول إلى ترتيبات تمنع عودة الحرب من دون أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وقائع دائمة؟
وفي هذا السياق، تأتي زوطر كواحدة من النقاط التي يمكن من خلالها اختبار الفارق بين ما يُتفق عليه سياسياً وما يُفرض ميدانياً.
فإذا كانت واشنطن تدفع في اتجاه تعزيز دور الجيش وحصر السلاح بيد الدولة، فإنها في المقابل معنية بأن ترى ماذا تفعل إسرائيل على الأرض. لأن مطالبة لبنان ببسط سلطة الدولة لا يمكن فصلها عمّا سيبقى من هذه السلطة إذا استمر الاحتلال أو تحولت مواقع الانتشار الإسرائيلي إلى خطوط ثابتة؟ وهذا تحديداً ما يجعل زيارة عيسى قابلة لقراءة مزدوجة.
هي رسالة إلى الجانب اللبناني بأن الولايات المتحدة تتابع عملية تثبيت سلطة الدولة ميدانياً، لكنها في الوقت نفسه رسالة إلى إسرائيل بأن الواقع الذي تصنعه على الأرض ليس خارج الرصد الأميركي.
فواشنطن، إذا كانت تريد إنجاح المسار السياسي، لا تستطيع أن تسمح بأن تصبح الوقائع العسكرية بديلاً من التفاوض. وفي المقابل، لا تستطيع أن تطلب من الدولة اللبنانية أن تتحمل كامل مسؤولية الجنوب بينما تبقى إسرائيل قادرة على فرض وقائع جديدة كلما أرادت.
من هنا يمكن فهم اختيار زوطر الغربية. فالمنطقة ليست مجرد اسم على الخريطة، بل نقطة تختصر جزءاً من المشكلة الجنوبية، من حيث محاولة بعض البلدات الجنوبية استعادة بعض من جوانب حياتها، وحيث أن الجيش يعمل على تثبيت حضوره، وحيث أن الجود الإسرائيلي في الجهة المقابلة لا يزال واقعًا مفروضًا بقوة النار، وحيث لم يصل ملف التفاوض بعد إلى مرحلة تسمح باعتبار الوضع الميداني مستقراً ونهائياً.
والأكثر دلالة أن زيارة عيسى تأتي في توقيت يتقدم فيه ملف دعم الجيش دولياً، مع اقتراب اجتماع باريس. وبالتالي، فإن الصورة التي حملها السفير معه من الجنوب إلى بيروت ليست منفصلة عن النقاش حول مستقبل المؤسسة العسكرية وقدرتها على القيام بالدور المطلوب منها. لكن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية لفحوى هذه الزيارة، وهي أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد فقط معرفة حجم الانتشار الإسرائيلي، بل تريد أيضاً معرفة ما إذا كان الواقع الجنوبي يسمح فعلاً بانتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تثبيت الحل. وهذا يتطلب معرفة دقيقة بما يجري على الأرض، لا الاكتفاء بالمواقف السياسية التي تقدمها الأطراف.
بمعنى آخر، فإن زيارة عيسى قد تكون أقرب إلى معاينة اختبارية للميدان قبل المرحلة التالية من السياسة. فهل تريد واشنطن تثبيت الوضع القائم، أم تغييره؟
بصراحة، لا توجد معطيات كافية للقول إن الزيارة تعني أن الانسحاب الإسرائيلي أصبح وشيكاً، ولا يصح تحميلها ما لا تحتمل. لكن يمكن القول إن نزول السفير شخصياً إلى هذه المنطقة، في هذا التوقيت، يؤكد أن الجنوب لم يعد ملفاً يُدار فقط عبر الوسطاء والتقارير، بل أصبح ملفاً يحتاج إلى قراءة ميدانية مباشرة.
والأهم أن واشنطن تبدو أمام معادلة دقيقة، إذ عليها أن تساعد الدولة اللبنانية والجيش على الإمساك بالجنوب، وأن تضغط في الوقت نفسه لمنع "حزب الله" من إعادة إنتاج وضع ما قبل الحرب، وأن تتعامل مع إسرائيل لمنع تحويل أمنها الميداني إلى ذريعة لإقامة واقع دائم داخل الأراضي اللبنانية. وهذه ليست، في رأي كثيرين، مهمة سهلة.
لأن نجاح المسار الأميركي لا يقاس فقط بقدرة لبنان على ضبط السلاح أو بقدرة الجيش على الانتشار، بل أيضاً بقدرته على الوصول إلى صيغة تجعل الحدود قابلة للحياة من دون أن يبقى لبنان تحت رحمة قرار عسكري إسرائيلي أو قرار عسكري لبناني خارج الدولة.
لذلك، ربما تكون الصورة الأهم في زيارة عيسى إلى زوطر الغربية ليست في ما قاله، بل في ما اختار أن يراه.
فمن مكانه في زوطر الغربية، كانت أمامه ثلاث حقائق في مشهد واحد: دولة لبنانية تحاول استعادة حضورها، جيش يحاول أن يثبت دوره، وإسرائيل تحاول أن تحافظ على هامش أمني وميداني في الجهة المقابلة.
وهذه هي بالضبط المعادلة التي تريد واشنطن، على ما يبدو، أن تحسمها قبل أن يصبح أي ترتيب جديد أمراً واقعاً.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق