Advertisement
البداية طبعًا من الجامعة، حيث تختلف كلفة الدراسة بين جامعة وأخرى، ولا سيما بين الجامعات اللبنانية الخاصة وغيرها. لكن المصاريف لا تتوقف عند الأقساط، إذ يشكل النقل جزءًا أساسيًا من ميزانية الطالب، وتختلف كلفته بحسب المسافة ووسيلة التنقل، سواء كانت باصًا أو سرفيسًا أو تاكسي. وقد تتراوح الكلفة اليومية بين 5 و15 دولارًا، ما يعني أن الطالب قد يدفع نحو 100 دولار شهريًا أو أكثر لمجرد الوصول إلى جامعته والعودة منها.
أما الكلفة الأكبر، فتبدأ عند السكن في بيروت. فأصغر ستوديو قد يبدأ بنحو 350 دولارًا شهريًا، فيما يمكن أن يتجاوز الإيجار ألف دولار، تبعًا للمنطقة والمساحة والتجهيزات. ومقابل هذا المبلغ، قد يحصل الطالب على غرفة نوم وحمام ومطبخ صغير وربما مكتب.
لكن بدل الإيجار ليس نهاية الحساب، إذ تضاف إليه كلفة الكهرباء والمياه والاشتراك والإنترنت وخدمات المبنى والبلدية، وهي مصاريف قد تتجاوز وحدها 100 دولار شهريًا.
ثم تأتي السمسرة، التي أصبحت جزءًا شبه أساسي من رحلة البحث عن منزل. فالعثور على شقة من دون وسيط لم يعد سهلًا بالنسبة إلى كثيرين، وغالبًا ما يطلب السوق شهرًا سلفًا وشهر تأمين، إضافة إلى شهر عمولة للسمسار، سواء استفاد المستأجر من خدماته بشكل مباشر أم لا.
وبحساب بسيط، يمكن لطالب ينتقل للعيش في بيروت أن يبدأ بنحو 350 دولارًا للسكن، و100 دولار للنقل، و100 دولار أو أكثر للخدمات، وذلك قبل احتساب الطعام وأي مصاريف شخصية أو جامعية إضافية.
بمعنى آخر، فإن ميزانية شهرية بحدود 500 دولار وأكثر قد لا تكون رفاهية لطالب يعيش في بيروت، بل حدًا أدنى لتغطية مجموعة من أساسيات الحياة. وحتى محاولة توفير كلفة النقل عبر السكن بالقرب من الجامعة قد لا تكون حلًا سهلًا، لأن القرب من الجامعات والمناطق الحيوية يعني غالبًا دفع إيجار أعلى مقابل الموقع.
وهنا تبرز المشكلة الأوسع، التي لا تتعلق فقط بكلفة التعليم، بل بقدرة العائلات اللبنانية على تحمل كلفة الحياة الجامعية بأكملها. فكيف يمكن لعائلة أن تتحمل أقساط الجامعة، إلى جانب السكن والنقل والطعام والخدمات، في ظل دخل لم يعد يكفي لتغطية أساسيات الحياة؟
الحل لا يرتبط بالتعليم وحده، بل يحتاج أيضًا إلى معالجة كلفة التنقل والسكن. ومن هنا تبرز أهمية تطوير قطاع النقل المشترك وتنظيمه وتحريره، بحيث يصبح هناك عدد كافٍ من وسائل النقل القادرة على خدمة الطلاب والموظفين وسائر المواطنين، بدل أن يبقى الاعتماد على عدد محدود من الباصات والمبادرات المتفرقة.
وجود نقل مشترك فعلي ومرن لا يعني فقط تسهيل وصول الطلاب إلى جامعاتهم، بل يمكن أن يخفف كلفة التنقل عن الأهالي والموظفين، ويساعد الناس على الوصول إلى أماكن عملهم، ويحد من الاعتماد على السيارات الخاصة، بما ينعكس أيضًا على البيئة.
وفي المقابل، يمكن أن يسير تطوير النقل بالتوازي مع تطوير قطاع السكن، إذ إن توفير وسائل نقل مرنة وفعالة يفتح المجال أمام نشوء مناطق سكنية جديدة خارج محيط الجامعات والمراكز المكتظة، ما يوسع الخيارات أمام الطلاب ويخفف الضغط على أسعار الإيجارات في المناطق القريبة.
في النهاية، لم تعد كلفة التعليم الجامعي تُقاس بقسط الجامعة وحده. فهناك منظومة كاملة من المصاريف تبدأ من الأقساط، وتمر بالنقل والسكن والخدمات والطعام، وتنتهي بمصاريف الحياة اليومية.
ومع ارتفاع هذه الكلفة، يصبح السؤال أكبر من قدرة الطالب على دفع فاتورة الجامعة، كيف يمكن لعائلة لبنانية أن تؤمّن كل هذه المتطلبات لشاب يريد أن يتعلم ويبدأ مستقبله؟ فهل أصبح التعليم نفسه عبئًا يصعب على العائلات تحمله؟





0 تعليق