منذ قيام الجمهورية اللبنانية، امتلك مجلس النواب سلاحًا دستوريًا واضحًا في مواجهة الحكومات، أي حجب الثقة. ومع ذلك، لم تتحول هذه الصلاحية، في الممارسة السياسية اللبنانية، إلى وسيلة فعلية لإسقاط حكومة عبر تصويت نيابي على نزع الثقة.
اليوم، تبدو المسألة مختلفة، أو على الأقل تستحق أن تُطرح بجدية أكثر. فهل يستطيع مجلس النواب بتركيبته الهجينة الحالية إسقاط حكومة نواف سلام إذا قررت المعارضة الذهاب إلى النهاية؟
دستوريًا، الجواب نعم. فالمادة 37 تعطي كل نائب حق طلب عدم الثقة، فيما تنص المادة 69 بوضوح على أن الحكومة تعتبر مستقيلة عند نزع الثقة عنها من مجلس النواب، سواء بمبادرة من المجلس أو بناء على طرح الحكومة الثقة بنفسها. أما المادة 34 فتشترط حضور الأكثرية من أعضاء المجلس لانعقاد الجلسة، أي 65 نائبًا من أصل 128، على أن تتخذ القرارات بغالبية الأصوات. وهنا تبدأ الحسابات السياسية.
فإسقاط الحكومة لا يعني بالضرورة أن المعارضة تحتاج إلى 65 نائبًا. فإذا انعقدت جلسة حجب الثقة بحضور 65 نائبًا فقط، تصبح الأغلبية المطلوبة 33 صوتًا. أما إذا حضر 80 نائبًا، فيحتاج حجب الثقة إلى 41 صوتًا، وإذا حضر 100 نائب، يصبح الرقم 51. وفي حال حضر المجلس بكامل أعضائه، يحتاج إسقاط الحكومة إلى 65 صوتًا.
بمعنى آخر، أن المعركة لا تبدأ عند تعداد نواب المعارضة فقط، بل عند معرفة عدد النواب الذين سيحضرون جلسة حجب الثقة وكيف سيتوزعون داخل القاعة. وهنا تكمن المفارقة.
المعارضة، وفق الاصطفافات الحالية، لا تملك وحدها العدد الكافي لإسقاط الحكومة. وهذا يعني أن أي محاولة جدية لنزع الثقة تحتاج إلى توسيع دائرة المعترضين لتشمل نوابًا وكتلًا لا يصنفون بالضرورة في خانة المعارضة الصريحة. وهذا هو الاختبار الحقيقي.
ففي السياسة اللبنانية، ليس كل نائب داعم للحكومة هو بالضرورة نائبًا مضمونًا لها في كل الملفات، كما أن النائب الذي ينتقد أداء الحكومة لا يصبح تلقائيًا جزءًا من معارضة قادرة على إسقاطها، إذ أن الأرقام السابقة تؤكد أن حكومة نواف سلام دخلت المجلس وهي تملك هامشًا مريحًا من الثقة. فقد نالت عند تشكيلها في شباط 2025 ثقة 95 نائبًا، في مقابل 12 حجبوا الثقة و4 امتنعوا. لكن السياسة لا تتوقف عند لحظة نيل الثقة.
فالحكومات تُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الأكثرية التي منحتها الثقة، خصوصًا عندما تتراكم الملفات الخلافية أو تتغير الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم نائبًا يعارض حكومة سلام؟ بل: كم نائبًا يمكن أن يصوّت ضدها إذا تحولت المواجهة من انتقاد سياسي إلى اقتراع على بقائها؟ هذا الفارق جوهري.
قد تكون هناك كتلة نيابية تنتقد الحكومة بشدة، لكنها لا تريد إسقاطها. وقد يرفض نائب مشروعًا حكوميًا، لكنه لا يريد تحمل مسؤولية إسقاط حكومة في مرحلة دقيقة. وقد يشارك نائب في جلسة مساءلة، لكنه لا يذهب إلى حد التصويت على حجب الثقة. لذلك، فإن إسقاط الحكومة يحتاج إلى أكثر من غضب نيابي. يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وأرقام مضمونة، وتوقيت مناسب، وقدرة على جمع نواب من مواقع مختلفة حول هدف واحد: إنهاء ولاية الحكومة سياسيًا. والأخطر أن إسقاط الحكومة لا ينهي الأزمة بالضرورة.
فإذا سقطت حكومة سلام، يبدأ فورًا سؤال أصعب: من يشكل الحكومة البديلة؟ وهل يستطيع مجلس النواب نفسه إنتاج أكثرية جديدة حول رئيس حكومة مكلف وتشكيلة وزارية قادرة على نيل الثقة؟ أم أن إسقاط الحكومة سيعيد البلاد إلى دوامة التكليف والتأليف والتعطيل؟ وهنا قد تتردد بعض الكتل قبل الذهاب إلى خيار إسقاط الحكومة، حتى لو كانت لديها ملاحظات جوهرية على أدائها، ذلك أن إسقاط الحكومة أسهل دستوريًا من تشكيل حكومة بديلة سياسيًا. وهذه ربما تكون العقدة الأساسية في الحسابات النيابية الحالية.
فمجلس النواب يملك نظريًا القدرة على إسقاط حكومة نواف سلام، لكن امتلاك القدرة الدستورية شيء، وتوفير الأكثرية السياسية اللازمة شيء آخر.
والتجربة اللبنانية نفسها تقول إن الحكومات نادرًا ما سقطت بالطريقة التي يفترضها النص الدستوري، أي من خلال تصويت نيابي واضح على حجب الثقة. ولذلك فإن استخدام هذه الآلية اليوم، إذا حصل، لن يكون مجرد إجراء برلماني عادي، بل سيكون سابقة سياسية لها دلالتها في الحياة الدستورية اللبنانية. ومن هنا يمكن فهم أهمية أي تحرك نيابي في اتجاه حجب الثقة.
فإذا كان الأمر مجرد ضغط لتحسين أداء الحكومة، فستبقى المواجهة في إطار المساءلة والاستجواب والبيانات السياسية. أما إذا بدأ جمع التواقيع وحساب الحضور والأصوات والاتصالات بين الكتل، فعندها يصبح الأمر مختلفًا تمامًا. عندها لا يعود السؤال: هل الحكومة ضعيفة، بل يصبح: هل أصبحت هناك أكثرية نيابية مستعدة فعلًا لإسقاطها؟ وهذا هو الرقم الذي سيحسم المعركة، لا عدد النواب الذين يرفعون سقف انتقاداتهم للحكومة.
Advertisement
دستوريًا، الجواب نعم. فالمادة 37 تعطي كل نائب حق طلب عدم الثقة، فيما تنص المادة 69 بوضوح على أن الحكومة تعتبر مستقيلة عند نزع الثقة عنها من مجلس النواب، سواء بمبادرة من المجلس أو بناء على طرح الحكومة الثقة بنفسها. أما المادة 34 فتشترط حضور الأكثرية من أعضاء المجلس لانعقاد الجلسة، أي 65 نائبًا من أصل 128، على أن تتخذ القرارات بغالبية الأصوات. وهنا تبدأ الحسابات السياسية.
فإسقاط الحكومة لا يعني بالضرورة أن المعارضة تحتاج إلى 65 نائبًا. فإذا انعقدت جلسة حجب الثقة بحضور 65 نائبًا فقط، تصبح الأغلبية المطلوبة 33 صوتًا. أما إذا حضر 80 نائبًا، فيحتاج حجب الثقة إلى 41 صوتًا، وإذا حضر 100 نائب، يصبح الرقم 51. وفي حال حضر المجلس بكامل أعضائه، يحتاج إسقاط الحكومة إلى 65 صوتًا.
بمعنى آخر، أن المعركة لا تبدأ عند تعداد نواب المعارضة فقط، بل عند معرفة عدد النواب الذين سيحضرون جلسة حجب الثقة وكيف سيتوزعون داخل القاعة. وهنا تكمن المفارقة.
المعارضة، وفق الاصطفافات الحالية، لا تملك وحدها العدد الكافي لإسقاط الحكومة. وهذا يعني أن أي محاولة جدية لنزع الثقة تحتاج إلى توسيع دائرة المعترضين لتشمل نوابًا وكتلًا لا يصنفون بالضرورة في خانة المعارضة الصريحة. وهذا هو الاختبار الحقيقي.
ففي السياسة اللبنانية، ليس كل نائب داعم للحكومة هو بالضرورة نائبًا مضمونًا لها في كل الملفات، كما أن النائب الذي ينتقد أداء الحكومة لا يصبح تلقائيًا جزءًا من معارضة قادرة على إسقاطها، إذ أن الأرقام السابقة تؤكد أن حكومة نواف سلام دخلت المجلس وهي تملك هامشًا مريحًا من الثقة. فقد نالت عند تشكيلها في شباط 2025 ثقة 95 نائبًا، في مقابل 12 حجبوا الثقة و4 امتنعوا. لكن السياسة لا تتوقف عند لحظة نيل الثقة.
فالحكومات تُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الأكثرية التي منحتها الثقة، خصوصًا عندما تتراكم الملفات الخلافية أو تتغير الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم نائبًا يعارض حكومة سلام؟ بل: كم نائبًا يمكن أن يصوّت ضدها إذا تحولت المواجهة من انتقاد سياسي إلى اقتراع على بقائها؟ هذا الفارق جوهري.
قد تكون هناك كتلة نيابية تنتقد الحكومة بشدة، لكنها لا تريد إسقاطها. وقد يرفض نائب مشروعًا حكوميًا، لكنه لا يريد تحمل مسؤولية إسقاط حكومة في مرحلة دقيقة. وقد يشارك نائب في جلسة مساءلة، لكنه لا يذهب إلى حد التصويت على حجب الثقة. لذلك، فإن إسقاط الحكومة يحتاج إلى أكثر من غضب نيابي. يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وأرقام مضمونة، وتوقيت مناسب، وقدرة على جمع نواب من مواقع مختلفة حول هدف واحد: إنهاء ولاية الحكومة سياسيًا. والأخطر أن إسقاط الحكومة لا ينهي الأزمة بالضرورة.
فإذا سقطت حكومة سلام، يبدأ فورًا سؤال أصعب: من يشكل الحكومة البديلة؟ وهل يستطيع مجلس النواب نفسه إنتاج أكثرية جديدة حول رئيس حكومة مكلف وتشكيلة وزارية قادرة على نيل الثقة؟ أم أن إسقاط الحكومة سيعيد البلاد إلى دوامة التكليف والتأليف والتعطيل؟ وهنا قد تتردد بعض الكتل قبل الذهاب إلى خيار إسقاط الحكومة، حتى لو كانت لديها ملاحظات جوهرية على أدائها، ذلك أن إسقاط الحكومة أسهل دستوريًا من تشكيل حكومة بديلة سياسيًا. وهذه ربما تكون العقدة الأساسية في الحسابات النيابية الحالية.
فمجلس النواب يملك نظريًا القدرة على إسقاط حكومة نواف سلام، لكن امتلاك القدرة الدستورية شيء، وتوفير الأكثرية السياسية اللازمة شيء آخر.
والتجربة اللبنانية نفسها تقول إن الحكومات نادرًا ما سقطت بالطريقة التي يفترضها النص الدستوري، أي من خلال تصويت نيابي واضح على حجب الثقة. ولذلك فإن استخدام هذه الآلية اليوم، إذا حصل، لن يكون مجرد إجراء برلماني عادي، بل سيكون سابقة سياسية لها دلالتها في الحياة الدستورية اللبنانية. ومن هنا يمكن فهم أهمية أي تحرك نيابي في اتجاه حجب الثقة.
فإذا كان الأمر مجرد ضغط لتحسين أداء الحكومة، فستبقى المواجهة في إطار المساءلة والاستجواب والبيانات السياسية. أما إذا بدأ جمع التواقيع وحساب الحضور والأصوات والاتصالات بين الكتل، فعندها يصبح الأمر مختلفًا تمامًا. عندها لا يعود السؤال: هل الحكومة ضعيفة، بل يصبح: هل أصبحت هناك أكثرية نيابية مستعدة فعلًا لإسقاطها؟ وهذا هو الرقم الذي سيحسم المعركة، لا عدد النواب الذين يرفعون سقف انتقاداتهم للحكومة.





0 تعليق