لم تكن التفجيرات الضخمة التي دوّت في مرتفعات علي الطاهر ليل الخميس مجرد حلقة في العمليات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب. فبعد تفجير شبكة من المنشآت والأنفاق تحت الأرض يزيد طولها، بحسب الجيش الإسرائيلي، على كيلومترين، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس بإعلان يتجاوز البعد العسكري للعملية: إسرائيل تعتبر أنها استكملت تثبيت "المنطقة الأمنية" التي أقامتها داخل الأراضي اللبنانية.
بذلك، لم تعد الرسالة مقتصرة على تدمير موقع تابع لـ"حزب الله"، وإنما امتدت إلى تثبيت واقع تريد تل أبيب التعامل معه باعتباره جزءًا من ترتيبات الأمن في الجنوب. وجاء الإعلان الإسرائيلي بعد ساعات فقط على موقف معاكس من لبنان الرسمي. ففي مستهل جلسة مجلس الوزراء، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون إن "الوقت قد حان لكي تعود الدولة إلى الجنوب"، بعدما أشار إلى النداءات الآتية من النبطية وصور وعربصاليم، ودعا الوزارات إلى تأمين مقومات صمود الأهالي.
وصباح اليوم قام الرئيس بزبارة النبطية معلنا لاهاليها "أنّنا إلى جانبكم ونبحث في تأمين الخدمات الكافة لكم لبقائكم هنا وتوفير الأمان ولن نترككم أبداً"، كاشفا" ان لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي"، ومشددا على ان الانسحاب وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنية نتعهد بتنفيذها".
الرسالة هنا مختلفة. ففي مقابل الحديث الإسرائيلي عن تثبيت "منطقة أمنية"، تحاول الدولة اللبنانية تثبيت حضورها في المنطقة نفسها، ليس بالجيش وحده، وإنما عبر المؤسسات والخدمات وإعادة الحياة إلى البلدات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب. ويتقاطع المساران عند السؤال الذي بات أكثر إلحاحًا بعد عملية علي الطاهر: هل دخل الجنوب مرحلة سباق على تثبيت الوقائع؟ وهل يؤدي تقدم الدولة اللبنانية فعلًا إلى تراجع إسرائيل، أم أن تل أبيب ستستمر في فرض شروطها الأمنية مهما اتسع حضور الجيش؟
من استهداف المواقع إلى تثبيت "منطقة أمنية"
تكمن أهمية عملية علي الطاهر في أنها قدّمت أوضح توصيف إسرائيلي حتى الآن للهدف من السيطرة على هذه المرتفعات. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي فرض "سيطرة عملياتية" فوق الأرض وتحتها، فيما ربط نتنياهو وكاتس تدمير المنشآت الموجودة هناك باستكمال تثبيت "المنطقة الأمنية"، أي أن إسرائيل باتت تتحدث صراحة عن مساحة تريد أن تحتفظ بحرية الحركة والسيطرة داخلها، تحت عنوان منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ"حزب الله".
بهذا المعنى، تبدأ المشكلة اللبنانية من أن حدود هذا المفهوم ليست ثابتة أو متفقًا عليها. فعندما تكون إسرائيل هي الطرف الذي يحدد الموقع الذي يمثل تهديدًا، والبنية التي يجب تدميرها، والمنطقة التي تحتاج إلى سيطرة عسكرية، يصبح احتمال توسيع هذا الواقع قائمًا كلما اعتبرت تل أبيب أن ترتيباتها الأمنية تقتضي ذلك. وعلي الطاهر نفسها تقع في عمق أكبر من النقاط الحدودية التي دار حولها السجال خلال الأشهر الماضية، وهو ما يمنح العملية دلالة تتجاوز موقعًا عسكريًا واحدًا إلى طبيعة العمق الذي تريد إسرائيل أن تتحرك فيه جنوبًا.
الأخطر أن الوقائع العسكرية تصبح أكثر رسوخًا كلما طال عمرها. فما يبدأ باعتباره وجودًا مرتبطًا بظرف أمني قد يتحول تدريجيًا إلى ورقة تفاوض وشروط للانسحاب، خصوصًا في ظل تعثر تنفيذ الإطار الذي يفترض أن يقود، في نهاية المطاف، إلى انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة. لهذا لا يتعلق ما حدث في علي الطاهر بنفق أو مرتفع فقط، وإنما بالسؤال عما إذا كانت إسرائيل تحاول تكريس نقطة انطلاق جديدة لأي تفاوض مقبل.
الدولة تعود إلى الجنوب
في الجهة اللبنانية، يبدو أن الخطاب الرسمي بدأ يتجاوز فكرة أن مهمة الدولة تنتهي عند إرسال مزيد من وحدات الجيش. فدعوة عون إلى تحرك الوزارات تعكس إدراكًا بأن تثبيت الدولة يحتاج إلى أكثر من نقطة عسكرية: يحتاج إلى سكان قادرين على البقاء، وطرقات ومؤسسات ومدارس وخدمات، وإلى إعادة الحياة إلى مناطق تعرضت للدمار والنزوح. ويكتسب هذا البعد أهميته لأن المعركة على حضور الدولة تتطلب جعل عودة الأهالي إلى بلداتهم ممكنة ومستدامة.
من هنا تأتي أهمية خطة التعافي في "المناطق التجريبية" التي بدأت الحكومة العمل عليها خلال الأشهر الماضية، بالتوازي مع البحث في تنفيذ الإطار الثلاثي والانسحاب الإسرائيلي منها تمهيدًا لانتشار الجيش. وتقوم الفكرة اللبنانية على إنتاج نموذج يمكن البناء عليه: تتراجع إسرائيل من منطقة، يدخل الجيش إليها، تبدأ إعادة الخدمات والتعافي ويعود السكان، ثم تنتقل العملية إلى منطقة أخرى.
نجاح هذا النموذج لا يقدّم فقط آلية عملية للعودة، وإنما يمنح الدولة حجة أمام الوسطاء بأن توسيع حضورها يجب أن يقابله انسحاب إسرائيلي وليس توسيعًا للسيطرة الإسرائيلية. وهذا تحديدًا ما يجعل اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في 17 أيلول يتجاوز مسألة المساعدات التقليدية للمؤسسة العسكرية، ولا سيما أن الدعوة الفرنسية الرسمية تتحدث عن تزويد الجيش بالقدرات والموارد والمعدات والتدريب اللازمة للاضطلاع بمسؤولياته، فيما يناقش لبنان حاجاته في لحظة يُطلب منه فيها توسيع حضوره في الجنوب وتحمل أعباء أكبر.
ما يجري في الجنوب إذًا يتجاوز سباق الانتشار العسكري إلى سباق أكثر عمقًا على تثبيت الواقع الذي سيحكم المرحلة المقبلة. إسرائيل تحاول أن تجعل احتياجاتها الأمنية أساسًا لبقائها وحركتها داخل الأراضي اللبنانية، فيما تسعى بيروت إلى جعل عودة الدولة والجيش والسكان أساسًا لأي ترتيب جديد. وبين المسارين، تصبح الخطوة الحاسمة هي ربط استعادة الدولة لمسؤولياتها باستعادة الأرض نفسها. فالدولة التي يُطلب منها أن تتقدم جنوبًا تحتاج في المقابل إلى مسار يزيح الاحتلال من أمامها. أما الفصل بين المسارين، فيهدد بتحويل الحضور الإسرائيلي من وضع يفترض إنهاؤه إلى واقع يجري التكيف معه.
Advertisement
بذلك، لم تعد الرسالة مقتصرة على تدمير موقع تابع لـ"حزب الله"، وإنما امتدت إلى تثبيت واقع تريد تل أبيب التعامل معه باعتباره جزءًا من ترتيبات الأمن في الجنوب. وجاء الإعلان الإسرائيلي بعد ساعات فقط على موقف معاكس من لبنان الرسمي. ففي مستهل جلسة مجلس الوزراء، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون إن "الوقت قد حان لكي تعود الدولة إلى الجنوب"، بعدما أشار إلى النداءات الآتية من النبطية وصور وعربصاليم، ودعا الوزارات إلى تأمين مقومات صمود الأهالي.
وصباح اليوم قام الرئيس بزبارة النبطية معلنا لاهاليها "أنّنا إلى جانبكم ونبحث في تأمين الخدمات الكافة لكم لبقائكم هنا وتوفير الأمان ولن نترككم أبداً"، كاشفا" ان لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي"، ومشددا على ان الانسحاب وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنية نتعهد بتنفيذها".
الرسالة هنا مختلفة. ففي مقابل الحديث الإسرائيلي عن تثبيت "منطقة أمنية"، تحاول الدولة اللبنانية تثبيت حضورها في المنطقة نفسها، ليس بالجيش وحده، وإنما عبر المؤسسات والخدمات وإعادة الحياة إلى البلدات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب. ويتقاطع المساران عند السؤال الذي بات أكثر إلحاحًا بعد عملية علي الطاهر: هل دخل الجنوب مرحلة سباق على تثبيت الوقائع؟ وهل يؤدي تقدم الدولة اللبنانية فعلًا إلى تراجع إسرائيل، أم أن تل أبيب ستستمر في فرض شروطها الأمنية مهما اتسع حضور الجيش؟
من استهداف المواقع إلى تثبيت "منطقة أمنية"
تكمن أهمية عملية علي الطاهر في أنها قدّمت أوضح توصيف إسرائيلي حتى الآن للهدف من السيطرة على هذه المرتفعات. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي فرض "سيطرة عملياتية" فوق الأرض وتحتها، فيما ربط نتنياهو وكاتس تدمير المنشآت الموجودة هناك باستكمال تثبيت "المنطقة الأمنية"، أي أن إسرائيل باتت تتحدث صراحة عن مساحة تريد أن تحتفظ بحرية الحركة والسيطرة داخلها، تحت عنوان منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ"حزب الله".
بهذا المعنى، تبدأ المشكلة اللبنانية من أن حدود هذا المفهوم ليست ثابتة أو متفقًا عليها. فعندما تكون إسرائيل هي الطرف الذي يحدد الموقع الذي يمثل تهديدًا، والبنية التي يجب تدميرها، والمنطقة التي تحتاج إلى سيطرة عسكرية، يصبح احتمال توسيع هذا الواقع قائمًا كلما اعتبرت تل أبيب أن ترتيباتها الأمنية تقتضي ذلك. وعلي الطاهر نفسها تقع في عمق أكبر من النقاط الحدودية التي دار حولها السجال خلال الأشهر الماضية، وهو ما يمنح العملية دلالة تتجاوز موقعًا عسكريًا واحدًا إلى طبيعة العمق الذي تريد إسرائيل أن تتحرك فيه جنوبًا.
الأخطر أن الوقائع العسكرية تصبح أكثر رسوخًا كلما طال عمرها. فما يبدأ باعتباره وجودًا مرتبطًا بظرف أمني قد يتحول تدريجيًا إلى ورقة تفاوض وشروط للانسحاب، خصوصًا في ظل تعثر تنفيذ الإطار الذي يفترض أن يقود، في نهاية المطاف، إلى انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة. لهذا لا يتعلق ما حدث في علي الطاهر بنفق أو مرتفع فقط، وإنما بالسؤال عما إذا كانت إسرائيل تحاول تكريس نقطة انطلاق جديدة لأي تفاوض مقبل.
الدولة تعود إلى الجنوب
في الجهة اللبنانية، يبدو أن الخطاب الرسمي بدأ يتجاوز فكرة أن مهمة الدولة تنتهي عند إرسال مزيد من وحدات الجيش. فدعوة عون إلى تحرك الوزارات تعكس إدراكًا بأن تثبيت الدولة يحتاج إلى أكثر من نقطة عسكرية: يحتاج إلى سكان قادرين على البقاء، وطرقات ومؤسسات ومدارس وخدمات، وإلى إعادة الحياة إلى مناطق تعرضت للدمار والنزوح. ويكتسب هذا البعد أهميته لأن المعركة على حضور الدولة تتطلب جعل عودة الأهالي إلى بلداتهم ممكنة ومستدامة.
من هنا تأتي أهمية خطة التعافي في "المناطق التجريبية" التي بدأت الحكومة العمل عليها خلال الأشهر الماضية، بالتوازي مع البحث في تنفيذ الإطار الثلاثي والانسحاب الإسرائيلي منها تمهيدًا لانتشار الجيش. وتقوم الفكرة اللبنانية على إنتاج نموذج يمكن البناء عليه: تتراجع إسرائيل من منطقة، يدخل الجيش إليها، تبدأ إعادة الخدمات والتعافي ويعود السكان، ثم تنتقل العملية إلى منطقة أخرى.
نجاح هذا النموذج لا يقدّم فقط آلية عملية للعودة، وإنما يمنح الدولة حجة أمام الوسطاء بأن توسيع حضورها يجب أن يقابله انسحاب إسرائيلي وليس توسيعًا للسيطرة الإسرائيلية. وهذا تحديدًا ما يجعل اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في 17 أيلول يتجاوز مسألة المساعدات التقليدية للمؤسسة العسكرية، ولا سيما أن الدعوة الفرنسية الرسمية تتحدث عن تزويد الجيش بالقدرات والموارد والمعدات والتدريب اللازمة للاضطلاع بمسؤولياته، فيما يناقش لبنان حاجاته في لحظة يُطلب منه فيها توسيع حضوره في الجنوب وتحمل أعباء أكبر.
ما يجري في الجنوب إذًا يتجاوز سباق الانتشار العسكري إلى سباق أكثر عمقًا على تثبيت الواقع الذي سيحكم المرحلة المقبلة. إسرائيل تحاول أن تجعل احتياجاتها الأمنية أساسًا لبقائها وحركتها داخل الأراضي اللبنانية، فيما تسعى بيروت إلى جعل عودة الدولة والجيش والسكان أساسًا لأي ترتيب جديد. وبين المسارين، تصبح الخطوة الحاسمة هي ربط استعادة الدولة لمسؤولياتها باستعادة الأرض نفسها. فالدولة التي يُطلب منها أن تتقدم جنوبًا تحتاج في المقابل إلى مسار يزيح الاحتلال من أمامها. أما الفصل بين المسارين، فيهدد بتحويل الحضور الإسرائيلي من وضع يفترض إنهاؤه إلى واقع يجري التكيف معه.









0 تعليق