من طهران إلى بيروت.. واشنطن تطارد شرايين تمويل "حزب الله"

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تتجاوز تداعيات التصعيد الاقتصادي الأميركي حدود الاقتصاد الإيراني، لتطال امتداداته الإقليميّة، في مسعى أميركي إلى تجفيف شرايين تمويل حلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدّمهم "حزب الله". ولا تقتصر تداعيات عملية "عملية المنبوذ الاقتصادي" على جعل التمويل أكثر صعوبة، بل تضع طهران أمام معادلة دقيقة، بين احتياجات اقتصادها الداخلي من جهة، وكلفة الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليميّة، من جهة ثانية. من هنا، تتجه الأنظار إلى مدى انعكاس "أعظم عزل اقتصادي منسّق في تاريخ العالم" على الحزب، وما إذا كان تضييق الموارد سيترك أثرًا بالغًا على قدراته الماليّة، أم أنّ مصادره البديلة ستحدّ من هذا التأثير.

Advertisement

واشنطن تلاحق أموال الحلفاء خارج الحدود
تكشف الإجراءات الأميركيّة الأخيرة عن تحوّل في طبيعة الضغط على إيران، إذ لم يعد التركيز يقتصر على استهداف مصادر إيراداتها، بل امتد إلى ملاحقة البنية الماليّة التي تتيح تحريك الأموال خارج الحدود، وصولاً إلى الجهات المستفيدة. وتزداد أهمية هذا العامل مع تصنيف الإدارة الأميركية "حزب الله" ضمن شبكة النفوذ الإيراني المرتبطة بــ "الحرس الثوري" و"فيلق القدس". إذ تلفت مصادر ماليّة إلى انعكاسات اقتصاديّة لهذا التوصيف مباشرة على الحزب، انطلاقًا من توسيع دائرة المخاطر لتشمل المؤسسات والوسطاء الذين يمكن أن يشكّلوا حلقات في تمويله، ويدفع المتعاملين معه إلى مزيد من التحفّظ،خشية العقوبات أو عدم القدرة على الوصول إلى النظام المالي الدولي.
في السياق، تشير قراءات اقتصادية إلى أنّ واشنطن تعمل على الضغط على مختلف حلقات هذه المنظومة، من الوسطاء وشركات الصرافة إلى المؤسسات والكيانات التي يمكن استخدامها لتسهيل التحويلات أو الالتفاف على العقوبات، ما يرفع من كلفة نقل الأموال ويزيد المخاطر على الأطراف المشاركة فيها. وينعكس ذلك على "حزب الله" من زاويتين وفق المصادر المالية "الأولى مرتبطة بحجم التمويل الذي تستطيع إيران توفيره في ظل الضغوط المتزايدة على اقتصادها، والثانية بقدرة الحزب نفسه على تأمين موارد مستقلّة أو بديلة، تقلّص من اعتماده على التمويل الإيراني".

من تركيا إلى الإمارات: واشنطن بدأت بتضييق الخناق
لم تتأخر وزارة الخزانة الأميركية في ترجمة هذا التوجه بإجراءات عمليّة، كان آخرها فرض عقوبات على عشرة أفراد قالت إنّهم جزء من شبكة لنقل الأموال نقدًا إلى الحزب. تديرها شبكة مرتبطة برجل الأعمال التركي يونس ألبر يلماز، الذي استخدم مكاتب صرافة في تركيا كواجهات لعملياته، ووفّر شركات وهمية وحسابات مصرفيّة، لتحويل أموال مرتبطة بـ "فيلق القدس" وفق الرواية الأميركية. في موازاة ذلك، تحرّكت واشنطن على جبهة القطاع المصرفي الإقليمي، إذ اقترحت شبكة مكافحة الجرائم الماليّة الأميركية "فينسن" اتخاذ إجراءات بحقّ فروع "بنك مصر" في الإمارات، من شأنها تقييد وصولها إلى خدمات المراسلة المصرفيّة لدى المؤسسات الماليّة الأميركية، والحدّ من قدرتها على إجراء معاملات بالدولار، على خلفية اتهامات بمعالجة معاملات مرتبطة بشبكات ماليّة إيرانية. وبحسب تقديرات الخزانة الأميركية، يمثّل البنك نقطة مهمة لوصول النظام الإيراني إلى الدولار، إذ عالج معاملات بقيمة نحو 1.8 مليار دولار، لصالح 103 شركات، يُحتمل ارتباطها بشبكات الظلّ المصرفيّة الإيرانيّة، خلال الفترة الممتدّة بين كانون الثاني 2024 وحزيران 2026. تكشف هذه الإجراءات، وفق مصادر مصرفيّة، أنّ واشنطن لا تلاحق الأموال بعد وصولها إلى وجهتها فحسب، بل تحاول اعتراض مسارها في مراحل مختلفة، من شركات الصرافة والوسطاء إلى النظام المصرفي الإقليمي، بما يحوّل عملية نقل التمويل نفسها إلى هدف للعقوبات.
لحزب الله موارد مالية خارج التمويل الإيراني
بالمقابل، ترى المصادر المصرفيّة أنّ تراجع قدرة إيران الماليّة لا يعني تلقائيًّا تراجع تمويل "حزب الله" بالمقدار نفسه، مشيرة إلى أنّ الحزب لا يعتمد حصرًا على التحويلات الإيرانيّة "بل طوّر على مدى سنوات بنية ماليّة متعدّدة المستويات، تضم مؤسّسات وشبكات اقتصاديّة وماليّة داخل لبنان وخارجه، ما يمنحه مصادر إيرادات تتجاوز التحويلات المباشرة من طهران". ويبرز في هذا السياق "القرض الحسن" إلى جانب التبرّعات والأنشطة والمؤسّسات المرتبطة بالحزب، فضلاً عن شبكات ماليّة وتجاريّة خارجيّة، تتّهمها جهات أميركيّة باستخدام شركات واجهة وشركات صرافة وتجارة الذهب والتحويلات غير الرسمية، وغيرها من القنوات، لتوليد الأموال ونقلها. وبحسب تقرير حديث لـ"مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD)، أظهرت المنظومة الماليّة للحزب قدرة على التكيّف مع القيود والعقوبات، من خلال تطوير آليات وقنوات متعدّدة لإعادة الأموال إلى لبنان. إلا أنّ ذلك لا يلغي حجم الضغوط الماليّة التي يواجهها، في ظل استهداف مصادر تمويله، وفي مقدّمها "القرض الحسن"، وبفعل تداعيات الحرب المستمرّة التي ألحقت خسائر بترسانته وبنيته، ورفعت كلفة تمويل قاعدته الشعبيّة وإعادة بناء قدراته العسكريّة، فضلًا عن تبعات سقوط نظام الأسد، لجهة إقفال الممرّ البري، الذي كان يشكّل قناة أساسيّة لحركة الأموال والإمدادات.
في المحصّلة، قد لا يعني تشديد العقوبات بالضرورة انقطاع التمويل الإيراني عن "حزب الله"، لكنّه قد يجعل وصوله أكثر كلفة وتعقيدًا، مع تضييق القنوات التقليديّة وارتفاع المخاطر على الوسطاء. ومن هنا، فإنّ الاختبار الحقيقي للعقوبات الأميركية ليس في إغلاق كلّ قنوات التمويل، وإنما في مدى نجاحها في تقليص هامش الحركة الماليّة للحزب، وما إذا كانت موارده البديلة تكفي للحفاظ على مستوى إنفاقه. وبذلك، تبقى المعادلة مرتبطة بقدرة طهران على مواصلة تمويل حلفائها تحت الضغط، وبتمكّن الحزب من امتصاص أيّ تراجع في التمويل وفتح قنوات بديلة.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق