حربٌ على وظيفة النبطية… هل يُراد إفراغها؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم تعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على الجنوب مجرد حوادث متفرقة أو ردوداً عسكرية محدودة، فما يجري يرسم مساراً متدرجاً يبدأ بالاغتيالات بواسطة المسيّرات، ويمرّ بتدمير المنازل والمرافق العامة، وينتهي بمحاولة إفراغ مناطق كاملة من سكانها وتحويل العودة إليها إلى مخاطرة يومية.

Advertisement


خلال أيام قليلة، انتقلت الضربات بين النبطية التحتا والفوقا وكفررمان وعربصاليم وميفدون ودير الزهراني، فيما تواصلت عمليات التفجير والتجريف في القرى الواقعة داخل ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية".

تكشف هذه الضربات تحوّلاً في وظيفة الاغتيال، فالهدف لم يعد فرداً تجري ملاحقته حتى يصبح معزولاً عن محيطه، بل باتت الدائرة المحيطة به تُدرج عملياً ضمن مساحة الاستهداف؛ منزل، سيارة، عائلة أو مسعفون يصلون إلى المكان، جميعهم قد يصبحون جزءاً من كلفة العملية. وهكذا يتحول الاغتيال من إجراء عسكري ضد شخص محدد إلى أداة ترهيب اجتماعي، تجعل الاقتراب من أي شخص مشتبه به خطراً قائماً بذاته.

ولا تتوقف المسألة عند الخسائر البشرية، فقد طالت الغارات مستشفى في النبطية الفوقا ومبنى تابعاً لوزارة المالية، بعد استهداف منشآت رسمية وصحية أخرى خلال الأشهر الماضية. 

أما إسرائيل فتقول إنها تضرب مخازن أسلحة ومراكز قيادة لحزب الله، فيما رأى الرئيس جوزاف عون أن استهداف مرافق الدولة يكشف نمطاً يتجاوز الأهداف العسكرية المعلنة إلى تعطيل المؤسسات ومصالح السكان.

من هنا، يصبح الحديث عن "سقوط النبطية" أكبر من احتمال دخول الدبابات الإسرائيلية إليها. قد تسقط المدن حين تُقطع طرقها، وتتوقف إداراتها، وتُغلق أسواقها، ويغادر أطباؤها ومعلموها، ويصبح الوصول إلى مستشفى أو مدرسة أو دائرة رسمية مغامرة. وهذا هو السيناريو الأخطر: إسقاط المدينة بوصفها وظيفة، من دون الحاجة إلى احتلالها بالكامل.


النبطية هي مركز المحافظة والقضاء، ومحورا اقتصاديا وإداريا وصحيا وتعليميا تعتمد عليه عشرات القرى. أسواقها ومصارفها ومستشفياتها ودوائرها الرسمية جعلت منها "عاصمة الداخل الجنوبي". 

لذلك فإن شلّها لا يعني إفراغ حي أو تدمير مبانٍ فحسب، بل تعطيل الجهاز العصبي لمنطقة واسعة. عندما تتوقف النبطية، لا تتأذى المدينة وحدها؛ تصبح حياة القرى المحيطة أكثر صعوبة، ويتحول النزوح المؤقت إلى اقتلاع طويل الأمد.

يكتسب هذا الاحتمال خطورته أيضاً من التطورات المحيطة بتلة علي الطاهر. فقد أعلنت إسرائيل فرض "سيطرة عملياتية" عليها، في حين لم تتمكن جهات مستقلة من تثبيت الصورة العسكرية كاملة. والتلة تشرف على أجزاء واسعة من محيط النبطية وإقليم التفاح، ما يجعلها موقعاً مهماً للرصد والنار والتحكم ببعض محاور الحركة. لكن السيطرة على مرتفع، مهما بلغت أهميته، لا تعني تلقائياً سقوط مدينة، فاحتلال النبطية يتطلب تطويقها، وضبط طرقها، وخوض قتال داخل بيئة عمرانية واسعة، ثم تحمّل كلفة البقاء فيها. 

لهذا يبدو سيناريو الحصار بالنار أكثر ترجيحاً من الاحتلال المباشر، اذ يمكن ضرب العقد المحيطة بالمدينة، من كفررمان ودير الزهراني إلى عربصاليم والنبطية الفوقا، واستهداف الحركة داخلها، وتعطيل مرافقها، وإبقاء المسيّرات فوقها بصورة دائمة. عندها تتحول النبطية إلى جزيرة غير آمنة، ويغادرها السكان تدريجياً من دون أن تدخلها قوة برية كبيرة.

أما رمزياً، فإن النبطية تختزن معنى يتجاوز الجغرافيا. ففي عاشوراء عام 1983، تحولت المواجهة بين الأهالي وقوة إسرائيلية حاولت شق طريقها وسط المراسم إلى محطة مفصلية في تشكل الرفض الشعبي للاحتلال. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسم المدينة بذاكرة المقاومة في جبل عامل، لا بحزب أو تنظيم وحده، بل بتجربة اجتماعية كاملة صنعتها سنوات الاحتلال والحروب المتعاقبة. 

لذلك، فإن سقوط النبطية، إن وقع، سيحمل دلالات متناقضة؛ بالنسبة إلى إسرائيل، قد يشكل إنجازاً عسكرياً وصورة نصر وورقة ضغط تسمح بتوسيع مفهوم "المنطقة الأمنية" شمالاً. 
لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى فخ استنزاف، لأن احتلال مدينة تحمل هذه الذاكرة قد يعيد إنتاج الظروف التي ولّدت المقاومة ضد الاحتلال خلال ثمانينيات القرن الماضي. قد تكسب إسرائيل الأرض مؤقتاً، لكنها تعيد إحياء السبب الذي يدفع الناس إلى مقاومتها.

أما بالنسبة إلى حزب الله، فستضع المدينة معادلة شديدة القسوة أمامه. عدم الرد على محاصرتها أو اقتحامها سيصيب صورته الردعية في بيئته، بينما قد يؤدي الرد الواسع إلى إعادة فتح الحرب بكل أثمانها. وهنا تكمن إحدى غايات الضغط الإسرائيلي: دفع الحزب إلى الاختيار بين تآكل الردع والانجرار إلى مواجهة شاملة لا يملك وحده تحديد حدودها.

وسيكون سقوط المدينة امتحاناً للدولة أيضاً، فإذا تعطلت عاصمة محافظة كاملة بينما يكتفي لبنان بالإدانة وانتظار الوساطات، يصبح وقف إطلاق النار التزاماً يُطلب من الجانب اللبناني وحده، لا اتفاقاً متبادلاً.

منع هذا السقوط لا يتحقق بالشعارات وحدها. يحتاج إلى وقف قابل للقياس للغارات والتفجيرات، وضمان الطرق والمرافق المدنية، وانتشار فعلي للجيش، وخطة طوارئ تبقي الإدارات والمستشفيات عاملة، وموقف لبناني يرفض التعامل مع الجنوب بوصفه قضية تخص أبناءه وحدهم.

فالنبطية ليست مدينة على هامش لبنان، وإذا سقطت، عسكرياً أو وظيفياً، فلن يكون الذي سقط جزءاً من الجنوب فقط، بل فكرة الدولة اللبنانية نفسها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق