- اختلاف الرؤى بين المالية والمجلس الأعلى للجامعات ينتظر الحسم
تفجرت مؤخرًا أزمة توحيد المعاملة المالية لرؤساء الجامعات ومكافآت الطلاب الوافدين، وبدأت هذه الأزمة تفتح ملفًا قانونيًا عمره سنوات، حيث عاد ملف المعاملة المالية لرؤساء الجامعات المصرية إلى الواجهة مجددًا، بعد ظهور ملاحظات مالية في البداية بشأن طريقة احتساب بعض عناصر الأجر والحوافز والمكافآت والبدلات الخاصة بالدكتور شريف خاطر، رئيس جامعة المنصورة، كمثال على ذلك، وذلك بالتزامن مع إثارة تساؤلات حول المكافآت التي تُصرف مقابل الخدمات التعليمية والإدارية المقدمة للطلاب الوافدين، ومدى أحقية رئيس الجامعة في هذه المكافآت من عدمه، بعد أن تضاربت وتفاوتت قواعد الصرف في هذا الشأن في الجامعات المصرية.
تفاوت في المعاملة المالية
إلا أنه بقراءة كل المستندات المرتبطة بالموضوع، يتكشف لنا أن المسألة أوسع من مجرد مراجعة مالية لحالة فردية أو حالة رئيس جامعة المنصورة وحده، حيث إن جوهر الخلاف ينصرف إلى قاعدتين أساسيتين؛ تمس الأولى المعاملة المالية لرؤساء الجامعات، بينما تتعلق الثانية بمدى مشروعية المكافآت المرتبطة بخدمات الطلاب الوافدين ومصدر تمويلها.
والأهم من ذلك أن المستندات تشير إلى وجود تفاوت فعلي في طريقة المعاملة المالية بين بعض رؤساء الجامعات، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا:
إذا كان جميع رؤساء الجامعات يشغلون المركز القانوني ذاته ويخضعون للقانون ذاته، فلماذا تختلف طريقة احتساب أساس رواتبهم وبعض مستحقاتهم المالية من جامعة إلى أخرى؟ وهل رئيس الجامعة هو أستاذ مستمر ماليًا أم شاغل لوظيفة جديدة؟
هذه هي النقطة الأهم في الخلاف. وقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 وضع تنظيمًا خاصًا لمن يتولى رئاسة الجامعة. وتنص المادة 25 منه على أن عضو هيئة التدريس الذي يتولى منصب رئيس الجامعة يعتبر خلال مدة تعيينه شاغلًا لوظيفة أستاذ على سبيل التذكار.
وفي المقابل، فإن رئاسة الجامعة هي وظيفة مستقلة لها اختصاصاتها ومسؤولياتها، ويصدر التعيين فيها بقرار من رئيس الجمهورية ولمدة محددة، كما أفرد لها جدول المرتبات والبدلات الملحق بقانون تنظيم الجامعات ربطًا ماليًا خاصًا.
ومن هنا ظهر اتجاه قانوني يرى أن شغل وظيفة رئيس الجامعة ينشئ مركزًا قانونيًا وماليًا جديدًا، ولا يجوز أن تظل جميع الآثار المالية محسوبة على أساس الوظيفة السابقة كأستاذ، حيث سبق أن حسم المجلس الأعلى للجامعات جزءًا من المسألة.
رأي المجلس الأعلى للجامعات
ومن أهم المستندات في هذا الملف قرار المجلس الأعلى للجامعات الصادر بجلسته المنعقدة في 8 يونيو 2013، بشأن توحيد المعاملة المالية لرؤساء الجامعات ونوابهم عند احتساب العلاوات الخاصة.
وبحسب القرار، اعتبر المجلس أن تعيين رؤساء الجامعات ونوابهم في مناصبهم تعيينًا جديدًا، على أن يكون أساس الحساب مربوط الدرجة مضافًا إليه جملة العلاوات الخاصة المضمومة إلى المرتبات حتى تاريخ التعيين، مع وضع قواعد أخرى لحساب العلاوات الخاصة.
وتكمن أهمية هذا المستند في أنه لا يتناول رئيس جامعة بعينه، وإنما يتحدث عن رؤساء الجامعات ونوابهم بصفة عامة. وبالتالي فإن دلالته تتجاوز الواقعة الفردية إلى مسألة توحيد المعاملة المالية لجميع شاغلي هذه الوظائف.
المالية تعترض
وكانت الإدارة المركزية للتشريع المالي بوزارة المالية قد أصدرت منشورًا رسميًا تؤكد فيه عدم قانونية صرف مكافآت لرئيس جامعة المنصورة من حساب صندوق الخدمات التعليمية مقابل الخدمات المؤداة للطلاب الوافدين، استنادًا إلى الأحكام التي أشارت إليها في اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، وما انتهت إليه فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة.
ولم تكتفِ الإدارة بإبداء الرأي في الواقعة محل الفحص، وإنما أشارت إلى ضرورة توجيه قطاع الحسابات والمديريات المالية لإصدار كتاب دوري يتضمن ما انتهت إليه الفتاوى بشأن عدم جواز صرف مكافآت من حساب صندوق الخدمات التعليمية مقابل الخدمات المؤداة للطلاب الوافدين.
كما تضمن الخطاب تكليف الإدارة المركزية للتفتيش المالي بإعمال شؤونها في هذا الشأن.
خطاب جديد مخالف
وعندما تواصلت من جانبي مع الدكتور شريف خاطر، رئيس جامعة المنصورة، أكد لي أنه لم يعلم بهذا الخطاب الصادر من الإدارة المركزية للتشريع المالي بوزارة المالية سوى هذا الأسبوع، وأن هذا الخطاب لم يرد للجامعة من قبل، وواضح من الراسل والمرسل إليه أنه ليس فيه ما يوضح أنه أرسل للجامعة، مما يبرئ ساحة الجامعة من عدم الرد عليه في حينه.
وأضاف: «ومع ذلك، فهناك رد قانوني وحاسم من جانبنا لهذا الخلاف، وجارٍ إرساله للمالية، وأنت تعلم أنني لا أتقاضى مليمًا واحدًا على خلاف القانون».
وتساءل: «كيف للمالية الاعتراض وهي من تجيز الصرف وتوافق عليه قبل حدوثه في أي جامعة، وليس في جامعة المنصورة وحدها؟».
كما يوجد قرار للمجلس الأعلى على عكس ما نشرته وزارة المالية، صدر في عام 2013، يفيد صراحة بأن يُعامل رئيس الجامعة على أنه تعيين جديد، وتحسب جميع المكافآت والبدلات والحوافز المقررة على هذا الأساس، وليس كأستاذ جامعي، وطبق ذلك على كل الجامعات المصرية.
وأضاف: «جميع رؤساء الجامعات يُعاملون كرئيس جامعة وتعيين مبتدأ، وليس امتدادًا لوظيفة أستاذ. هل يعقل أن نتقاضى راتب ومكافآت وبدلات أستاذ ونحن عُيّنا رؤساء للجامعات؟ إذن ما الفرق بين الوظيفتين؟ ويمكن الرجوع لوزارة المالية للتأكد من أن جميع الجامعات تتعامل مع رئيس الجامعة على هذا الأساس، عدا المنصورة، ولماذا؟ لا أعلم، وأنا سوف أرسل للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لاستطلاع رأيها».
وأكد الدكتور شريف خاطر أنه لا يوجد ما يفيد إرسال هذا المستند للجامعة أو مخاطبته به من قبل، حتى يستطلع رأي الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع منذ ستة أشهر لبيان حقيقة الأمر، حيث يجب استطلاع رأيها حال وجود خلاف بين جهتين إداريتين، ويكون رأيها ملزمًا للطرفين طبقًا لقانون مجلس الدولة.
وقد استند الرأي لدينا إلى قرار المجلس الأعلى للجامعات، ورأي المستشار القانوني لرئيس الجامعة، وله حجته أيضًا بأن تعيين رئيس الجامعة هو تعيين مبتدأ وليس امتدادًا لوظيفته السابقة، ورأي الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عام 2022، عكس الفتوى التي استندت إليها وزارة المالية في عام 2017 والمشار إليها في المستند.
أما عن مكافآت الوافدين، فيوجد قرار وزاري رقم 4868 بتاريخ 28 أكتوبر 2019، وبناءً على موافقة المجلس الأعلى للجامعات، بوضع ضوابط وإجراءات توزيع مكافآت الوافدين، وفي حدود نسب محددة للغاية، وفي حدود المقرر قانونًا، وبما لا يجاوز إجمالي الدخل الحد الأقصى للأجور المقرر قانونًا خلال كل فترة محاسبية.
وتم اعتماد ذلك من مجلس الجامعة منذ عام 2019، أي قبل وصوله للجامعة بأربعة أعوام، ولم يعترض أحد على ذلك، كما أن جميع منسوبي الجامعة يستفيدون من هذا القرار وليس رئيس الجامعة وحده.
لم نخالف المالية من قبل
ويضيف الدكتور شريف خاطر: «أؤكد أن تنظيم هذا الأمر يشيد بالحيادية والموضوعية وتكافؤ الفرص بين كل منسوبي الجامعة من نواب وعمداء وأعضاء هيئة تدريس وعاملين، والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه للوافدين والتدريس لهم، فالجميع يخضع للضوابط التي قررها القرار الوزاري، ووزارة المالية أجازته وطبق ذلك على الكل، والجهاز المركزي للمحاسبات يراجعه سنويًا».
وهنا يتساءل رئيس الجامعة: «أين الخطأ إذن؟ وأين الغلط الذي وقعنا فيه ونحن ملتزمون بما يقضي به القانون؟».
وأكد الدكتور شريف خاطر أنه عند ورود رأي الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع سوف يعلنه للكافة، مضيفًا: «فإذا قضى برد أي مبلغ، فلن أمتنع عن ذلك مطلقًا، وإذا لم يلزمنا بشيء فهذا حق نظير عمل، والكل يشهد بذلك، القاصي والداني، بأنني رئيس جامعة وأستاذ قانون أراعي ربنا فيما أحصل عليه طبقًا للقانون واللوائح المنظمة لذلك».
وأضاف: «أنا لم أفرض لنفسي أي بند أو أي إضافات منذ تولي رئاسة الجامعة، والأمور كما هي في ظل رؤساء الجامعة السابقين منذ عشر سنوات».
مطلوب الحسم
ونحن من جانبنا نطالب بضرورة حسم هذا الخلاف بين قرارات وزارة المالية الأخيرة وبين قرارات المجلس الأعلى للجامعات في هذا الشأن، والتي كانت مستمدة من قرارات وزارة المالية سابقًا، وأن يتم توحيد عملية الصرف بين رؤساء الجامعات، حتى لا نتيح للبعض أن يشكك في مدى قانونية أي مبالغ مالية مستحقة لرئيس الجامعة، أي جامعة، ويظهر وكأن هذه المبالغ يتم صرفها بشكل غير قانوني، سواء لرئيس الجامعة أو أي قيادة بها، لأن هذا ما لا نرضاه لرموز جامعاتنا.














0 تعليق