الخميس 27/أغسطس/2026 - 09:53 م 8/27/2026 9:53:15 PM
تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية، حيث عاد الصراع بين التيارين الإصلاحي والمحافظ إلى الواجهة بقوة، ليس فقط باعتباره خلافًا داخليًا حول إدارة الدولة، وإنما باعتباره مواجهة بين رؤيتين متباينتين لمستقبل إيران وعلاقتها بالعالم، خاصة الولايات المتحدة.
ويكتسب هذا الانقسام الداخلي أهمية أكبر في ظل تصاعد العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني وتقليص مصادر الدخل، خاصة عائدات النفط والقطاع المالي والتجاري. فبينما يرى التيار الإصلاحي أن استمرار المواجهة مع واشنطن يزيد من الأعباء الاقتصادية ويهدد الاستقرار الاجتماعي، وأن التفاوض قد يكون الوسيلة الأكثر واقعية لتخفيف الضغوط، يعتبر المحافظون أن العقوبات جزء من حرب سياسية تستهدف إضعاف إيران، وأن تقديم تنازلات تحت الضغط سيشجع الولايات المتحدة على فرض شروط أكثر قسوة.
ويؤثر هذا التباين في قدرة طهران على صياغة استراتيجية موحدة لمواجهة العقوبات؛ فالحكومة التي يقودها بزشكيان تسعى إلى فتح نوافذ دبلوماسية لتحسين الوضع الاقتصادي، بينما يدفع الحرس الثوري والقوى المحافظة نحو سياسة الصمود والاعتماد على الاقتصاد المقاوم وتعزيز العلاقات مع الحلفاء الإقليميين والدوليين.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن العقوبات لا تؤدي دائمًا إلى تغيير سلوك النظام، بل قد تزيد أحيانًا من تماسك التيار المتشدد الذي يستخدمها لتعزيز خطاب المواجهة واعتبارها دليلًا على استهداف إيران خارجيًا.
لكن في المقابل، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية يفرض تحديات حقيقية على الداخل الإيراني، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية وزيادة حالة الاستياء الشعبي، وهو ما يجعل الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين ليس مجرد صراع على أسلوب إدارة السياسة الخارجية، وإنما معركة حول كيفية حماية النظام والدولة في مواجهة أزمة اقتصادية غير مسبوقة.
ففي الوقت الذي يرى فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان وأنصارههما أن فتح قنوات الحوار مع واشنطن قد يكون طريقًا لتخفيف الضغوط الاقتصادية وإنهاء حالة الاستنزاف، يتمسك التيار المحافظ، المدعوم من الحرس الثوري، بخيار المواجهة وتعزيز ما يصفه بـ«العمق الاستراتيجي» لإيران في المنطقة.
هذا الانقسام لا يظهر في التصريحات السياسية فقط، بل يمتد إلى طريقة قراءة طبيعة التهديدات التي تواجهها إيران. فالإصلاحيون والوسطيون يرون أن العقوبات المتراكمة والضغوط الاقتصادية والتوترات العسكرية المستمرة تفرض البحث عن تسوية سياسية تحافظ على مصالح إيران وتفتح الباب أمام تحسن الأوضاع الداخلية. ويؤكد هذا التيار أن القوة لا تعني فقط امتلاك القدرات العسكرية، وإنما القدرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وبناء علاقات دولية تقلل من عزلة البلاد.
ومن هذا المنطلق، جاءت تصريحات بزشكيان خلال لقائه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لتؤكد استمرار الرهان الإيراني على المسار الدبلوماسي في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية. فقد شدد الرئيس الإيراني على تقديره للجهود التي تبذلها قطر إلى جانب دول أخرى للمساعدة في إرساء السلام والأمن، مؤكدًا أهمية التحركات السياسية في خفض التوتر وتهيئة الظروف للحوار. كما حثّ الرئيس الإيراني على استئناف العمل بمذكرة التفاهم المشتركة مع الولايات المتحدة، كاشفًا عن وجود تحركات من قِبل تيارات داخل أمريكا وإسرائيل، بالإضافة إلى إيران، تعمل على عرقلة التوصل إلى أي اتفاق. وجدد بزشكيان تأكيد موقف بلاده الرافض للتصعيد العسكري، مشددًا على أن الحوار والمفاوضات هما السبيل الوحيد لتسوية الأزمات العالقة.
ويعكس اللقاء رغبة طهران في الاستفادة من الدور القطري كقناة اتصال مع الأطراف الغربية، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية واستمرار حالة الجمود في المفاوضات. كما حملت تصريحات بزشكيان رسالة داخلية إلى التيار المحافظ بأن الدبلوماسية لا تعني التراجع أو تقديم تنازلات، وإنما يمكن أن تكون أداة لتحقيق المصالح الإيرانية وحماية موقع البلاد.
في المقابل، يرى المحافظون أن أي انفتاح على الولايات المتحدة يجب أن يتم بحذر شديد، وأن التجارب السابقة، خاصة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، أثبتت من وجهة نظرهم أن واشنطن لا يمكن الوثوق بها. ولذلك يرفض هذا التيار تقديم تنازلات استراتيجية، ويعتبر أن الحفاظ على أوراق القوة الإقليمية، سواء في منطقة الخليج أو عبر الحلفاء في المنطقة، يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن القومي الإيراني.
ويأتي الحرس الثوري في مقدمة القوى التي تتبنى هذا الخط، إذ ينظر إلى ما يسمى «محور المقاومة» والوجود الإيراني الإقليمي باعتبارهما جزءًا من منظومة الردع التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. فبالنسبة للمؤسسة العسكرية، فإن التخلي عن هذا النفوذ يعني فقدان أدوات الضغط التي تمنح إيران قدرة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.)
ويجسد صعود محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، إلى موقع الأمين العام لمجلس الأمن القومى الأعلى اتجاهًا نحو تعزيز حضور التيار المحافظ في دوائر صناعة القرار. فالرجل الذي يمتلك تاريخًا طويلًا داخل المؤسسة العسكرية، لطالما دافع عن رؤية تقوم على الصمود وعدم تقديم تنازلات تحت الضغط. وقد حملت تصريحاته الأخيرة رسائل أكثر تشددًا بشأن التعامل مع واشنطن، محذرًا من أن أي ضغوط اقتصادية أو أمنية على إيران ستقابل بردود قوية. وتكشف مواقف رضائي عن اختلاف جوهري في مفهوم القوة بين التيارين داخل إيران. فبينما يرى الإصلاحيون أن القوة تكمن في القدرة على التفاوض وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية عبر الدبلوماسية، يرى المحافظون أن القوة تبدأ من امتلاك وسائل الردع وإظهار القدرة على تحمل الضغوط مهما طال أمدها.
هذا الصراع الداخلي لا يعني بالضرورة وجود انقسام كامل داخل النظام الإيراني، فكل الأطراف تتفق على حماية مصالح الدولة والحفاظ على مكانة إيران الإقليمية، لكنها تختلف حول الوسيلة والطريق. فالإصلاحيون يريدون تقليل التوترات والانفتاح على العالم، بينما يعتقد المحافظون أن التجارب الماضية أثبتت ضرورة الاعتماد على الذات وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية.
وفي النهاية، فإن مستقبل السياسة الإيرانية سيعتمد إلى حد كبير على قدرة هذه التيارات على التوصل إلى توازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات الاقتصاد. فإيران التي تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة تحتاج إلى تحديد ما إذا كانت ستواصل سياسة المواجهة المفتوحة، أم ستمنح الدبلوماسية مساحة أكبر لإعادة ترتيب علاقاتها الدولية. وبين خطاب الإصلاحيين الداعي إلى الحوار، وخطاب المحافظين المتمسك بالمقاومة، يبقى الصراع على مستقبل إيران السياسي والاستراتيجي مفتوحًا داخل طهران نفسها.















0 تعليق