مثل ملايين المتابعين قرأت حكاية المدرسة التى استغل مشرفوها أو أصحابها بيانات وبطاقات أولياء الأمور دون علمهم وسحبوا ملايين الجنيهات من شركات التمويل الخاصة.. البعض يسميها شركات التمويل الاستهلاكى.. وكنت قد قرأت مثل الملايين من الناس تصريحًا لأحد أهم العاملين فى مجال البنوك حذّر فيه من هذه الشركات وخطورتها على القطاع المصرفى منذ أشهر.
ولأننى مثل الملايين أيضًا لست متخصصًا فى شأن البنوك والمعاملات المالية والنقدية لم أنشغل بالأمر كثيرًا.. لكن ما كان يشغلنى ولا يزال.. هو الناس الكثيرون الذين يتعاملون مع هذه الشركات.. كنت وعلى مدار عام كامل أتابع من خلال أهلنا فى الصعيد ومَن أعرفهم فى المنطقة الشعبية التى أعيش فيها منذ سنوات بالقاهرة الكبرى قد لاحظت تورط أعداد مهولة من المواطنين فى التعامل مع هذه الشركات التى توفر بشكل سريع ما قد تحتاجه من مال فى لحظة عوز، وتحصل فى مقابل تلك السرعة على فوائد ضخمة.. لا تشعر بها فى البداية لكن أغلب الحالات التى سمعت عنها لم تنجُ من فخ التعثر والمطالبات والملاحقات بطرق مهينة وصلت إلى مطاردة الدائنين فى بيوتهم من خلال شركات تحصيل متخصصة.
أغلب هذه الحالات لسيدات مطلقات وأرامل.. وعاملات فى مهن بسيطة.. وموظفات أيضًا.. وأغلب الأموال التى حصلن عليها تبدو بسيطة.. فى خانة الآلاف، والعشرة، لكنها وبقدرة هذه الشركات تحولت إلى عشرة أضعاف.. عجزت النساء التى استخدمت هذه القروض فى شراء حلل وأوانى طبيخ لتجهيز مطابخ البنات أو ملابسهن ومفروشات الزواج عن عدم السداد.. معظم تلك الحالات فُضحت لأن معظمها تم دون علم أزواجهن فى الغالب.. وقد لجأت معظمهن سرًا الى المؤسسات الأهلية التى تساند الغارمات بعد أن تحولت المطالبات إلى قضايا وتهديد بالسجن.. ولزيادة عدد الحالات وقلة تبرعات الأهالى فى السنوات الأخيرة عجزت تلك الجمعيات فى غالب الحالات عن مد يد المساعدة.
البطالة التى تلاحق الملايين فى ريف وصعيد مصر، خاصة مع أصحاب المهن الموسمية.. والتى لا وجود لها فى أرقام الحكومة الرسمية دفعت الكثيرين إلى التعامل مع هذه الشركات لسحب قروض لإقامة مشروعات صغيرة أغلبها فى مجال بيع الملابس وتدويرها.. وانتشرت ظاهرة النساء اللاتى يبعن تلك المنتجات بالتقسيط فى بيوتهن لا محلات ولا غيره فهن لا يتحملن إيجارات وكهرباء وضرائب وما شابه.. معظم هذه الحالات بارت بضاعتها مع انتشار البيع لذات المنتجات بأسعار أرخص عبر الإنترنت.. ولعدم قدرة للكثيرين على الشراء من الأصل.. وسقطت أغلب تلك الحالات فى فخ قروض متتالية.. عبر شركات مختلفة.. فأى قرية فى ريف وصعيد مصر بها عشر شركات مختلفة من هذه التى تعمل فى إقراض المواطنين دون وجود ضمانات كافية وقد تحول الجميع إلى مواطنين رهن الحبس أو فى الانتظار.
دخلت على الخط شريحة أخرى.. وهذه الشريحة من الفلاحين الذين زرعوا مساحات كبيرة فى الصحراء الموسم الماضى، تعرض هؤلاء المزارعون لخسائر كبيرة، سواء بسبب غش التقاوى فى محصول البصل تحديدًا أو غش المبيدات وانتشار الحشرات الجديدة التى لم تفلح معها مبيدات الآفات المعتادة، وبخاصة فى محصول الذرة.. المهم لجأ هؤلاء إلى البنوك فلم يفلحوا فى الحصول على تمويل لأنهم مؤجرون وليسوا ملاكًا.. فلم يكن أمامهم سوى تلك الشركات التى سلسلتهم فى قضايا بالملايين، فقد تعرضوا لخسائر جديدة فى محاصيل الشتاء لأسباب مناخية هذه المرة.. بعض هؤلاء باع بيته لينجوا من مطاردات تلك الشركات والفضايح.
مجمل القول.. هذا ملف خطير ومُؤذٍ وقد ينفجر فى أى لحظة.. ملف هذه الشركات يحتاج لمعالجة عاجلة.. وحال الناس الواقف يحتاج إلى تدخل مختلف.. وانتظار نتائج الإصلاح الاقتصادى طال وأصابنا بالملل.. فرط ملل.. وما أدراكم ماذا يفعل الملل فى الأرواح؟

















0 تعليق