لم تعد المواجهة مع جماعة الإخوان الإرهابية والتنظيمات المتطرفة تقتصر على ملاحقة عناصرها أو تفكيك هياكلها التنظيمية، بعدما انتقلت مساحة كبيرة من محاولات التأثير إلى ساحات جديدة يأتي في مقدمتها الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الشائعات والمعلومات المضللة والمحتوى المجتزأ أدوات أساسية تستهدف وعي المواطنين وتسعى إلى التأثير على علاقتهم بمؤسسات الدولة.
ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، تطورت قدرات اللجان الإلكترونية التابعة للجماعات المتطرفة، وأصبحت قادرة على إنتاج محتوى مكثف وإعادة تدويره خلال فترات زمنية قصيرة، مستغلة الأحداث والقضايا التي تشغل الرأي العام بهدف خلق حالة من القلق والارتباك، ومحاولة تقديم صورة مغايرة للواقع عبر روايات تعتمد على الانتقائية والتضليل.
وفي ظل هذا التحول، باتت مواجهة حملات التضليل مسؤولية مشتركة لا تقتصر على المؤسسات الرسمية فقط، وإنما تمتد لتشمل المواطن باعتباره عنصرًا رئيسيًا في معركة الوعي، من خلال الاعتماد على المعلومات الموثوقة، وعدم تداول المحتوى مجهول المصدر، والقدرة على التمييز بين الأخبار الحقيقية والرسائل الموجهة.
فالمواطن الذي يمتلك وعيًا رقميًا قادرًا على فحص المعلومات ومراجعة مصادرها يمثل خط الدفاع الأول أمام محاولات تحويل الشائعة إلى حقيقة متداولة، أو استخدام الأخبار المفبركة للتأثير على الإدراك العام وزرع حالة من فقدان الثقة.
وحذر الدكتور ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ والخبير في شؤون حركات الإسلام السياسي، من استمرار جماعة الإخوان في تطوير أدواتها وأساليب تحركها، مؤكدًا أن تراجع خطر الإرهاب الميداني لا يعني انتهاء التهديد، وإنما يشير إلى انتقال المعركة إلى مستويات أخرى تستهدف الفكر والوعي.
وشبه الخرباوي جماعة الإخوان بـ"الشجرة الخبيثة"، موضحًا أن التعامل مع الفروع فقط لا يكفي، لأن استمرار وجود الجذور الفكرية والتنظيمية يسمح بإنتاج أشكال جديدة من التأثير والانحراف، مشددًا على أن المواجهة الحقيقية تبدأ من تفكيك الأفكار التي تقوم عليها الجماعة وتجفيف مصادر انتشارها.
وأكد أن المواجهة الأمنية نجحت في تحقيق نتائج مهمة في مواجهة التنظيمات الإررهابية وإضعاف قدراتها الميدانية، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب اهتمامًا أكبر بمعركة الوعي، باعتبارها العامل الأساسي في منع إعادة إنتاج الأفكار المتطرفة.
وأشار إلى أن مواجهة الفكر الإخواني لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تكاتف المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والإعلامية والشبابية، من أجل تقديم خطاب قادر على تفنيد الأفكار المتطرفة وكشف محاولات استغلال الدين أو الأزمات لتحقيق أهداف سياسية.
وأوضح الخرباوي أن بناء الوعي الوطني يمثل الحصن الأهم أمام حملات التضليل، مؤكدًا أن المجتمع الأكثر قدرة على التحقق من المعلومات يصبح أقل عرضة للتأثر بالدعاية الموجهة أو الرسائل التي تستهدف زعزعة الاستقرار.
وأضاف أن جماعة الإخوان بعد تراجع قدرتها على العمل المسلح اتجهت بصورة أكبر إلى الفضاء الإلكتروني، واعتمدت على ما وصفه بـ"الحرب السيبرانية"، من خلال استغلال أدوات التكنولوجيا الحديثة والمنصات الرقمية للتأثير على الرأي العام.
ولفت إلى أن التنظيمات المتطرفة بدأت في استخدام تقنيات متطورة لإنتاج المحتوى المضلل، سواء عبر أدوات الذكاء الاصطناعي أو عمليات المونتاج وإعادة تركيب المواد المصورة، بهدف تقديم رسائل تبدو أكثر إقناعًا وتأثيرًا على المستخدمين، خاصة فئة الشباب.
وأشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى الساحات الرئيسية التي تتحرك من خلالها هذه الحملات، حيث يتم استغلال سرعة انتشار المحتوى عبر تطبيقات مختلفة لصناعة حالة من التفاعل حول روايات غير دقيقة أو مجتزأة.
وأكد أن الشائعات تمثل أحد أهم الأسلحة التي تعتمد عليها اللجان الإلكترونية، من خلال إنشاء حسابات وهمية أو شبكات رقمية تعمل على نشر محتوى متزامن يخدم أهدافًا محددة، مع محاولة إضفاء طابع محلي على هذه الحسابات لمنحها قدرًا من المصداقية.
وأوضح أن هذه الحملات تستهدف عادة استغلال الأزمات الاقتصادية أو التحديات الإقليمية والدولية، ثم تضخيم آثارها وتقديمها بصورة تخدم أهداف الجماعة في التأثير على ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها.
وشدد الخرباوي على أن التصدي لهذه المحاولات يتطلب نشر ثقافة التحقق الرقمي، وعدم التعامل مع انتشار أي معلومة باعتباره دليلًا على صحتها، مؤكدًا أن الوعي المجتمعي يمثل السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة حروب الشائعات والتلاعب بالإدراك.
من جانبه، أكد إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، أن الفضاء الرقمي أصبح أحد أهم ميادين تحرك جماعة الإخوان والتنظيمات المتطرفة، موضحًا أن اللجان الإلكترونية باتت تعتمد على نشر رسائل تستهدف التشكيك في مؤسسات الدولة والتقليل من حجم الإنجازات.
وقال الكتاتني إن التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي منح الجماعات المتطرفة أدوات جديدة للوصول إلى الجمهور بصورة مباشرة، من خلال إنتاج محتوى يتم تداوله على نطاق واسع، لافتًا إلى أن خطورة هذه الحملات لا ترتبط فقط بالمعلومة الخاطئة، وإنما بقدرتها على التأثير التدريجي في طريقة تفكير المتلقي.
وأوضح أن التنظيمات المتطرفة لا تراهن فقط على أعضائها المعروفين، وإنما تحاول استغلال البيئة الرقمية للتأثير على قطاعات أوسع من المواطنين، عبر تقديم معلومات مبتورة أو غير دقيقة في صورة تبدو موضوعية.
وحذر من اختزال مواجهة التطرف في الإجراءات الأمنية فقط، مؤكدًا أن المعركة الحقيقية تحتاج إلى جانب أمني يواجه التنظيمات، وجانب فكري وإعلامي ومجتمعي يعمل على تحصين المواطنين من محاولات الاستقطاب والتضليل.
وأكد أن رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين أصبح ضرورة في ظل التطور المستمر لأدوات الحرب المعلوماتية، مشددًا على أن المجتمع الواعي هو القادر على إفشال محاولات صناعة الفوضى عبر الشائعات وحملات التأثير الممنهج














0 تعليق