منجي بدر: سد جوليوس نيريري هندسة مصرية تحرج السردية الإثيوبية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 أكد الوزير المفوض الدكتور منجي بدر عضو جمعية الأمم المتحدة أن افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا يتجاوز حدود الإنجاز الهندسي، ليصبح رسالة سياسية واستراتيجية تعيد رسم خريطة النفوذ الجيوسياسي وموازين القوى في حوض النيل والقارة الأفريقية.

بسواعد مصرية 2.9  مليار دولار حجم استثمارات مشروع سد نيريري 

وقال د. منجي  بدر، في تصريحات لـ«الدستور»، إن المشهد يحمل مفارقة تاريخية لافتة، ففي الوقت الذي تخوض فيه مصر معركة وجودية للحفاظ على أمنها المائي في مواجهة التعنت الإثيوبي، كانت السواعد المصرية نفسها حاضرة بقوة في تشييد أحد أضخم المشروعات التنموية في شرق أفريقيا، من خلال تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، وبتمويل تنزاني بلغ 2.9 مليار دولار.

وأضاف الوزير المفوض أن مشروع سد نيريري يمثل قفزة تكنولوجية استثنائية في شرق أفريقيا، بعدما وصلت قدرته الإجمالية إلى 2115 ميجاوات، بما يعني مضاعفة القدرة الكهربائية الحالية لتنزانيا، التي تبلغ نحو 1600 ميجاوات، وإنهاء أزمة الانقطاعات المتكررة للتيار، مع توفير الكهرباء لأكثر من 60 مليون مواطن تنزاني.

وعلى المستوى الهندسي، يرتفع السد الخرساني إلى 131 مترا، ويمتد بطول 1025 مترا عند القمة، بينما تحجز منشآته خلفها بحيرة صناعية تصل سعتها التخزينية إلى 34 مليار متر مكعب، ولا تقتصر أهمية هذه البحيرة على توليد الطاقة، وإنما تمتد إلى تنظيم تدفقات نهر «روفيجي»، بما يسهم في حماية القرى المحيطة من مخاطر الفيضانات، إلى جانب توفير مصدر مستدام للثروة السمكية والزراعة المروية.

من تنزانيا إلى أديس أبابا.. رسالة تتجاوز حدود السد

وأوضح الوزير المفوض أن المشاركة المصرية في المشروع حركت مياه السياسة الراكدة وأثارت ردود فعل متباينة داخل عدد من العواصم الأفريقية، إذ يمثل سد نيريري بالنسبة إلى تنزانيا تجسيدا لحلم قومي مؤجل منذ عهد الأب المؤسس جوليوس نيريري.

وأشار إلى أن الرئيسة التنزانية سامية صولحو حسن اعتبرت الموثوقية المصرية برهانا عمليا على قدرة أفريقيا على بناء نفسها بنفسها دون الارتهان لشروط الجهات المانحة الغربية.

وفي المقابل، جاء الموقف الإثيوبي محاطا بالتوجس، بالتزامن مع تنامي التقارب المصري التنزاني، حيث أطلق وزير المياه والطاقة الإثيوبي تصريحات حادة بشأن عزم بلاده بناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق بهدف فرض ما وصفه بـ«واقع مائي جديد».

وأكد بدر أن نجاح مصر في تنزانيا وجه ضربة قوية إلى الدعاية الإثيوبية التي حاولت تسويق صورة دولية مفادها أن القاهرة تعارض التنمية في القارة السمراء أو تسعى إلى احتكار مياه النيل.

وتابع: «سد نيريري نسف هذه السردية على أرض الواقع، وقدم نموذجا حيا وملموسا يؤكد أن مصر تدعم التنمية الأفريقية بقوة، طالما تمت وفقا لأعراف القانون الدولي ودون الإضرار بمصالح دول المصب».

إنجاز هندسي في مواجهة تحديات البيئة

وعلى الصعيد الدولي، واجه المشروع منعطفات حادة وانتقادات من منظمات بيئية عالمية والاتحاد الأوروبي، نظرا إلى وقوعه داخل محمية «سيلوس» المدرجة على قوائم اليونسكو.

إلا أن نجاح التحالف المصري في تطبيق معايير صارمة لإدارة المخاطر البيئية، والعمل على تخفيف حدة الانبعاثات الكربونية من خلال إحلال الطاقة النظيفة محل الوقود الأحفوري، أسهم في تحويل حالة التحفظ إلى إشادات بقدرة الشركات المصرية على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين التنمية والحفاظ على الطبيعة.

الشركات المصرية تقتحم سوق البنية التحتية الأفريقية

ويرى بدر أن أهمية المشروع لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، وإنما تمتد إلى كونه اختراقا مصريا لسوق البنية التحتية الأفريقية  التي طالما تمتعت الشركات الصينية بنفوذ واسع داخلها عبر مبادرة «الحزام والطريق».

وبالنسبة إلى واشنطن وبروكسل، فإن صعود الدور الاقتصادي المصري داخل أفريقيا يمكن أن يمثل فرصة لخلق حالة من التوازن وتعددية الخيارات أمام الدول النامية، بعيدا عن الاعتماد على مسار واحد أو مظلة اقتصادية واحدة.

22 أغسطس 2026.. ما بعد نيريري ليس كما قبله

وشدد الوزير المفوض الدكتور منجي بدر على أن الإنجاز المصري في سد جوليوس نيريري يثبت أقدام الدبلوماسية المصرية داخل القارة عبر عدة مسارات استراتيجية مستدامة، أبرزها

أولا: العقيدة التنموية البديلة

رسخت مصر  من خلال المشروع مبدأ «التنمية المشتركة المستدامة بدلا من الهيمنة الأحادية»، وهو ما يمنح مصر مرونة وقوة إضافية داخل أروقة الاتحاد الأفريقي والمحافل الدولية عند مناقشة النزاعات المائية المستقبلية.

ثانيا: الربط الكهربائي الشامل

يمهد الفائض في إنتاج الطاقة بشرق أفريقيا الطريق أمام ربط شبكات الكهرباء الإقليمية بين تنزانيا وكينيا وأوغندا، وصولا إلى شبكة كهرباء موحدة، بما يعزز موقع مصر كشريك فني واستشاري في إدارة شبكات الطاقة الإقليمية.

ثالثا: تصدير الخبرة المصرية

تحول مهندسو وعمال الشركات المصرية، الذين بلغ عددهم نحو 1700 خبير في موقع المشروع، إلى سفراء للقوة الناعمة المصرية، وهو ما يمكن أن يفتح الطريق أمام قطاع المقاولات المصري للمنافسة على عقود بمليارات الدولارات في مشروعات الطرق والسدود ومحطات المعالجة وغيرها من مشروعات البنية التحتية في مختلف أنحاء القارة.

النيل يتحول من ساحة صراع إلى جسر للتعاون

واكد  بدر أن النيل لم يعد مجرد مجرى مائي يثير القلق في المنطقة، بل يمكن أن يتحول من خلال تجربة سد جوليوس نيريري إلى جسر دبلوماسي وهندسي عابر للحدود.

وأكد أن هذه الملحمة الهندسية أثبتت أن أفريقيا قادرة على صياغة مستقبلها التنموي بأيد أفريقية، وأن لغة المصالح المشتركة والتعاون الفني المتبادل تظل الضمانة الأكثر قوة لتحقيق الاستقرار وفتح الطريق أمام ازدهار شعوب القارة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق