ظلت عبارة «الفشل ليس خيارًا» بمثابة الشعار الثابت لعائلتي؛ وهي المقولة الشهيرة لجين كرانز، مدير عمليات الطيران في فيلم «أبولو 13». وعادةً ما يمازحني الناس حين أصارحهم بأنها مأثورة عائلتنا قائلين: «يا لها من بيئة صحية للغاية!»؛ غير أن الأمر لا يتعلق برغبة الاستعلاء أو أن تكون الأفضل على الإطلاق، بل بامتلاك الإرادة الصلبة والرفض التام للتوقف في منتصف الطريق.
لقد شغفتُ بفيلم «أبولو 13» منذ نعومة أظافري. ووفق رؤيتي، فإن هذا العمل الذي أخرجه «رون هوارد» عام 1995 تجسيدًا لإحدى أعظم عمليات الإنقاذ في تاريخ البشرية، يمثل الفيلم الأكمل والأمثل للمشاهدة حين تشعر بأنك على وشك الانهيار من الداخل؛ ببساطة لأنهم تمكنوا في النهاية من العودة إلى الديار. إنه فيلم يتناول مفهوم «الفشل الناجح»؛ فعندما يحذر مدير «ناسا» قائلًا: «قد تكون هذه أسوأ كارثة تشهدها وكالة ناسا طوال تاريخها»، يجيبه «كرانز» بثبات: «بل أعتقد أن هذه اللحظة ستكون أزهى وأمجد ساعاتنا». وفي كل مرة أشاهد فيها هذا المشهد، أغرق في دموعي.
ومنذ صغري، كلما استعصى عليّ فهم عاطفة معينة، كنت ألجأ إلى الأمثلة العلمية والأحداث التاريخية كاستعارات ومجازات تشريحية لتفسير حالتي النفسية. ولهذا السبب تحديدًا، لم يكن رواد الفضاء المحتجزون في الفراغ بزعامة «جيم لوفيل» (الذي جسده توم هانكس) هم من يستحوذون على شغفي، بل كان المهندسون والعلماء بقمصانهم البيضاء ونظاراتهم الطبية وسجائرهم المتلاحقة في غرفة التحكم بالعمليات، وفق صحيفة الجارديان البريطانية.
كيف تحول الفيلم المفضل لـ «أبولو 13» إلى درع نفسي ضد الانكسار؟
كان النجم «إد هاريس» بخصيلات شعره القصيرة وجاذبيته الصارمة يصرخ قائلًا: «دعونا نعمل على حل المشكلة يا رفاق لا تجعلوا الأمور تزداد سوءًا بالتخمين!». وكان «غاري سينيز» بشخصية «كين ماتينغلي» يرفض أخذ أي قسط من الراحة صائحًا: «إن لم يحصلوا هم على استراحة، فلن أحصل عليها أنا أيضًا!»، في محاولة مستميتة لإعادة أصدقائه إلى الديار.
كانت غرفة التحكم بالعمليات تجسد كل ما أعشقه في الإنسانية والتعلم: العمل الجماعي، الإبداع، العقلانية، الهدوء الصارم، والاحترام التام للبيانات والحقائق. ولهذا السبب تحديدًا، عندما انفجرت وحدة الصيانة النفسية الخاصة بي، تحول فيلم «أبولو 13» إلى فيلم الانفصال العاطفي المفضل لدي؛ ففي ليلة منعشة بأستراليا خلال شهر إبريل، انتهت علاقتي بفيانسي (خطيبي) داخل غرفة فندقية خرسانية تقع أسفل ممر للطيران في سيدني، قبل 15 دقيقة فقط من صعودي للوقوف على المسرح أمام ألفي شخص.
وعلى الفور، توقفت عقليتي عن العمل ودخلت في «وضع البقاء»؛ حيث انتقلتُ إلى مركبتي القمرية الخاصة والشبيهة بالأحلام (تلك السفينة التبادلية التي أنقذت رواد الفضاء). عملتُ بأقصى طاقتي ؛ وكان ذلك يعني القيام بجولة فنية بين أستراليا والمملكة المتحدة لتقديم عرض تقمصتُ فيه دور حصان، إلى جانب إعادة حفظ وتدريب ثلاثة العروض المخصصة لمهرجان «إدنبرة فرينج
لا وقت للدموع، لدي عرض مسرحي: فلسفة التداوي بالشغف ودعم المقربين بعد الصدمة
اقترح عليّ البعض مشاهدة أفلام درامية باكية ومأساوية مثل «Call Me By Your Name» و«Twilight» و«Blue Valentine»، وقالوا لي: «عليكِ أن تطلقي العنان لمشاعركِ كي تفرغي الطاقة الكامنة». وكان ردي: «لا، شكرًا لكم! يتعين عليّ تقمص دور حصان على المسرح بعد قليل!». أعطوني فيلمًا ينعدم فيه كليًا وبشكل قاطع أي احتمال لوجود ممارسات عاطفية؛ فأنا لا أحتاج لأفلام رومانسية طافحة بالدموع. الكلمات لا تعني شيئًا لممثل مكسور ومكتئب! الحياة ليست تصريحات عاطفية براقة، بل الأفعال هي الميزان والفيصل؛ أن تستيقظ من نومك، وتغسل أسنانك، وترتدي ملابسك. البقاء يتجلى في صرخة «إد هاريس» الحازمة: «لن نفقد الطاقم!».
مرّت الانفجارات الأولية السريعة، لكن «وضع البقاء» امتد لفترة أطول بكثير؛ كنت أعمل وأستمر في الحركة، ولكن بالحد الأدنى الممكن. نجا رواد الفضاء لأنهم وثقوا بغرفة التحكم بمركز السيطرة، وخلال النصف الثاني من العام الماضي، تحولت «غرفة التحكم» بالنسبة لي إلى كل مجموعة على تطبيق «واتساب» في هاتفي؛ إذ حرص أصدقائي وعائلتي على تأمين وجبات طعامي، وتولوا قيادة السيارة لإيصالي إلى كل عرض مسرحي. أعارتني أختي معظم ملابسها وسمحت لي بفقدانها لاحقًا، وأخبرني أخي بأنه يحبني أكثر من أي وقت مضى في حياته، بينما كذب الجميع بأسلوب لطيف بشأن قصّة شعري الجديدة! لقد أبقوني جميعًا على المسار الصحيح والمستقيم.













0 تعليق