خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، قدّم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صيغتين مختلفتين لمستقبل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. قال أولًا إن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من "المنطقة الأمنية"، قبل أن يربط الانسحاب، في اليوم التالي، بنزع سلاح حزب الله وإزالة تهديده في كل لبنان، ويأمر الجيش بالاستعداد لـ"وجود ممتد" حتى تحقيق هذا الهدف، وفق تعبيره.
لا يقتصر الفارق بين الصيغتين على إضافة شرط إلى تصريح سابق. فالموقف الأول جعل البقاء سياسة مفتوحة لا ترتبط بمرحلة لاحقة، فيما أعاد الموقف الثاني إدخال احتمال الانسحاب، لكنه وضعه خلف هدف يتجاوز المنطقة التي تحتلها إسرائيل إلى "كل لبنان". هكذا انتقل الجدل من ديمومة معلنة رفضتها الولايات المتحدة إلى بقاء مشروط في الصياغة، من دون موعد أو مرحلة محددة تنتهي عندها إقامة القوات الإسرائيلية.
في مطلق الأحوال، لا ينصّ اتفاق الإطار على انسحاب إسرائيلي فوري أو غير مشروط، كما أن اعتراض واشنطن لا يسقط التزام لبنان بحصر السلاح. غير أنّ الخلاف يبدأ بعد ذلك: هل تغادر إسرائيل منطقة تلو أخرى كلما أُنجزت الخطوات المطلوبة فيها، أم تبقي قواتها في كل ما تسيطر عليه حتى تعتبر أن الخطر زال من لبنان كله؟ في الصيغة الثانية، يصبح "الوجود الممتد" تسمية أكثر مرونة لبقاء مفتوح، تظل نهايته رهنًا بالتقدير الإسرائيلي.
تصريحان وبينهما اعتراض أميركي
صدر موقف كاتس الأول خلال زيارته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وجاء بلغة خالية من أي إشارة إلى مرحلة لاحقة أو انسحاب منتظر. فقد أكد أن إسرائيل لن تغادر المنطقة التي تسميها "أمنية"، ووضع وجودها فيها ضمن سياسة أوسع تتعلق بالاحتفاظ بمناطق أمامية في لبنان وسوريا وقطاع غزة. بهذا المعنى، بدا الجنوب في تصريح كاتس كأنّه جزء من تصور أمني تريد إسرائيل تطبيقه بعد الحروب التي خاضتها على أكثر من جبهة.
جاء الرد الأميركي ليركّز على احتمال تحويل المنطقة المحتلة إلى موقع عسكري دائم. فقد شددت واشنطن على أن الوجود العسكري الدائم لا يتوافق مع الإطار الذي قبلته إسرائيل، ولا مع تأكيدها أنها لا تملك أطماعًا إقليمية في لبنان. وبذلك رسم الموقف الأميركي حدًا بين إعادة انتشار تدريجية يمكن أن تستغرق وقتًا، وبين تحويل المنطقة التي تحتلها إسرائيل إلى موقع عسكري ثابت تحت عنوان الضرورات الأمنية.
بعد هذا الاعتراض، جاء تصريح كاتس الثاني، وكأنه محاولة لتصويب الموقف، فأعاد فتح باب الانسحاب نظريًا من خلال ربطه بنزع سلاح حزب الله وإزالة تهديده. لكنه جمع ذلك مع أمر واضح للجيش بالاستعداد للبقاء مدة ممتدة، ما خفف التعارض المباشر مع واشنطن من دون أن يحسم مدة الوجود الإسرائيلي. وهكذا، تراجع الإعلان الصريح عن البقاء، لكن البديل لم يكن جدولًا أو مرحلة قابلة للقياس، وإنما نهاية أمنية قد يطول انتظارها.
من مساحة تُسلَّم إلى تهديد يُقدَّر
عندما انتقل اتفاق الجنوب إلى التطبيق قبل أسابيع، قُدّمت "المناطق التجريبية" بوصفها وحدة قياس للتنفيذ. ففي زوطر الغربية، استكملت القوات الإسرائيلية انسحابها ودخل الجيش اللبناني إلى البلدة، بينما عزز انتشاره في فرون وصريفا، اللتين لم تكونا خاضعتين لاحتلال بري مباشر. هكذا أصبحت لكل مرحلة حدود وإجراءات يمكن رصدها، ولم يكن معيار نجاحها إنهاء ملف السلاح في لبنان كله، وإنما إنجاز ما هو مطلوب داخل نطاق محدد تمهيدًا لتوسيع النموذج.
تنقل عبارة "التهديد في كل لبنان" التنفيذ إلى وحدة قياس مختلفة. فكلام كاتس لا يكتفي بنزع سلاح حزب الله، وإنما يضع إلى جانبه شرطًا ثانيًا هو إزالة تهديده، من دون تعريف الحد الفاصل بين الأمرين. ولا يوضح التصريح ما إذا كان تسليم السلاح ينهي التهديد تلقائيًا، أو أن إسرائيل قد تواصل الحديث عن بنى وقدرات وإمكان إعادة تشكيل القوة بعد انتهاء عمليات الجمع والتفكيك، خصوصًا أن تصريح كاتس لا يحيل إلى معيار متفق عليه لزوال التهديد، وإنما يترك نهايته مفتوحة على التقدير الإسرائيلي.
ينعكس هذا التحول مباشرة على وظيفة المناطق التجريبية. فقد تنجح تجربة محددة، وينتشر الجيش ويباشر مهماته داخلها، من دون أن يقود ذلك إلى انسحاب جديد، لأن المعيار لم يعد نجاح المرحلة الجغرافية السابقة، وإنما زوال التهديد على المستوى الوطني. بهذا المعنى، تفقد المناطق التجريبية وظيفتها كحلقات متتابعة في مسار واحد، وتتحول إلى حالات منفصلة لا تقود بالضرورة إلى توسيع النموذج. ويصبح ما حدث في زوطر الغربية استثناءً تم إنجازه، لا بدايةً تحدد طريقة الانتقال إلى المنطقة التالية.
أبعد تصريح كاتس الثاني الموقف الإسرائيلي، في الظاهر، عن إعلان إقامة دائمة بلا شروط، لكنه لم يحوّل "الوجود الممتد" إلى مرحلة ذات نهاية واضحة. فقد أبقى كاتس الانسحاب ممكنًا في النص، ووضعه عمليًا بعد شرطين يمتدان إلى لبنان كله ويحتاج أحدهما، وهو زوال التهديد، إلى تعريف لم يقدمه. لذلك يتوقف معنى التدرج اليوم على الرابط بين كل إنجاز ميداني والانسحاب الذي يفترض أن يعقبه. انقطاع هذا الرابط لا يلغي اتفاق الإطار رسميًا، لكنه يفرغه من تسلسله: تتحول المناطق التجريبية إلى تجربة معزولة، ويصبح "الوجود الممتد" هو القاعدة التي تحكم الحاضر، من دون تجاهل ان التصعيد العسكري الخطير الذي بدأه الجيس الاسرائيلي السبت يدخل الوضع في منعطف خطير جديد لا يعرف احد اين وكيف سينتهي.
Advertisement
لا يقتصر الفارق بين الصيغتين على إضافة شرط إلى تصريح سابق. فالموقف الأول جعل البقاء سياسة مفتوحة لا ترتبط بمرحلة لاحقة، فيما أعاد الموقف الثاني إدخال احتمال الانسحاب، لكنه وضعه خلف هدف يتجاوز المنطقة التي تحتلها إسرائيل إلى "كل لبنان". هكذا انتقل الجدل من ديمومة معلنة رفضتها الولايات المتحدة إلى بقاء مشروط في الصياغة، من دون موعد أو مرحلة محددة تنتهي عندها إقامة القوات الإسرائيلية.
في مطلق الأحوال، لا ينصّ اتفاق الإطار على انسحاب إسرائيلي فوري أو غير مشروط، كما أن اعتراض واشنطن لا يسقط التزام لبنان بحصر السلاح. غير أنّ الخلاف يبدأ بعد ذلك: هل تغادر إسرائيل منطقة تلو أخرى كلما أُنجزت الخطوات المطلوبة فيها، أم تبقي قواتها في كل ما تسيطر عليه حتى تعتبر أن الخطر زال من لبنان كله؟ في الصيغة الثانية، يصبح "الوجود الممتد" تسمية أكثر مرونة لبقاء مفتوح، تظل نهايته رهنًا بالتقدير الإسرائيلي.
تصريحان وبينهما اعتراض أميركي
صدر موقف كاتس الأول خلال زيارته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وجاء بلغة خالية من أي إشارة إلى مرحلة لاحقة أو انسحاب منتظر. فقد أكد أن إسرائيل لن تغادر المنطقة التي تسميها "أمنية"، ووضع وجودها فيها ضمن سياسة أوسع تتعلق بالاحتفاظ بمناطق أمامية في لبنان وسوريا وقطاع غزة. بهذا المعنى، بدا الجنوب في تصريح كاتس كأنّه جزء من تصور أمني تريد إسرائيل تطبيقه بعد الحروب التي خاضتها على أكثر من جبهة.
جاء الرد الأميركي ليركّز على احتمال تحويل المنطقة المحتلة إلى موقع عسكري دائم. فقد شددت واشنطن على أن الوجود العسكري الدائم لا يتوافق مع الإطار الذي قبلته إسرائيل، ولا مع تأكيدها أنها لا تملك أطماعًا إقليمية في لبنان. وبذلك رسم الموقف الأميركي حدًا بين إعادة انتشار تدريجية يمكن أن تستغرق وقتًا، وبين تحويل المنطقة التي تحتلها إسرائيل إلى موقع عسكري ثابت تحت عنوان الضرورات الأمنية.
بعد هذا الاعتراض، جاء تصريح كاتس الثاني، وكأنه محاولة لتصويب الموقف، فأعاد فتح باب الانسحاب نظريًا من خلال ربطه بنزع سلاح حزب الله وإزالة تهديده. لكنه جمع ذلك مع أمر واضح للجيش بالاستعداد للبقاء مدة ممتدة، ما خفف التعارض المباشر مع واشنطن من دون أن يحسم مدة الوجود الإسرائيلي. وهكذا، تراجع الإعلان الصريح عن البقاء، لكن البديل لم يكن جدولًا أو مرحلة قابلة للقياس، وإنما نهاية أمنية قد يطول انتظارها.
من مساحة تُسلَّم إلى تهديد يُقدَّر
عندما انتقل اتفاق الجنوب إلى التطبيق قبل أسابيع، قُدّمت "المناطق التجريبية" بوصفها وحدة قياس للتنفيذ. ففي زوطر الغربية، استكملت القوات الإسرائيلية انسحابها ودخل الجيش اللبناني إلى البلدة، بينما عزز انتشاره في فرون وصريفا، اللتين لم تكونا خاضعتين لاحتلال بري مباشر. هكذا أصبحت لكل مرحلة حدود وإجراءات يمكن رصدها، ولم يكن معيار نجاحها إنهاء ملف السلاح في لبنان كله، وإنما إنجاز ما هو مطلوب داخل نطاق محدد تمهيدًا لتوسيع النموذج.
تنقل عبارة "التهديد في كل لبنان" التنفيذ إلى وحدة قياس مختلفة. فكلام كاتس لا يكتفي بنزع سلاح حزب الله، وإنما يضع إلى جانبه شرطًا ثانيًا هو إزالة تهديده، من دون تعريف الحد الفاصل بين الأمرين. ولا يوضح التصريح ما إذا كان تسليم السلاح ينهي التهديد تلقائيًا، أو أن إسرائيل قد تواصل الحديث عن بنى وقدرات وإمكان إعادة تشكيل القوة بعد انتهاء عمليات الجمع والتفكيك، خصوصًا أن تصريح كاتس لا يحيل إلى معيار متفق عليه لزوال التهديد، وإنما يترك نهايته مفتوحة على التقدير الإسرائيلي.
ينعكس هذا التحول مباشرة على وظيفة المناطق التجريبية. فقد تنجح تجربة محددة، وينتشر الجيش ويباشر مهماته داخلها، من دون أن يقود ذلك إلى انسحاب جديد، لأن المعيار لم يعد نجاح المرحلة الجغرافية السابقة، وإنما زوال التهديد على المستوى الوطني. بهذا المعنى، تفقد المناطق التجريبية وظيفتها كحلقات متتابعة في مسار واحد، وتتحول إلى حالات منفصلة لا تقود بالضرورة إلى توسيع النموذج. ويصبح ما حدث في زوطر الغربية استثناءً تم إنجازه، لا بدايةً تحدد طريقة الانتقال إلى المنطقة التالية.
أبعد تصريح كاتس الثاني الموقف الإسرائيلي، في الظاهر، عن إعلان إقامة دائمة بلا شروط، لكنه لم يحوّل "الوجود الممتد" إلى مرحلة ذات نهاية واضحة. فقد أبقى كاتس الانسحاب ممكنًا في النص، ووضعه عمليًا بعد شرطين يمتدان إلى لبنان كله ويحتاج أحدهما، وهو زوال التهديد، إلى تعريف لم يقدمه. لذلك يتوقف معنى التدرج اليوم على الرابط بين كل إنجاز ميداني والانسحاب الذي يفترض أن يعقبه. انقطاع هذا الرابط لا يلغي اتفاق الإطار رسميًا، لكنه يفرغه من تسلسله: تتحول المناطق التجريبية إلى تجربة معزولة، ويصبح "الوجود الممتد" هو القاعدة التي تحكم الحاضر، من دون تجاهل ان التصعيد العسكري الخطير الذي بدأه الجيس الاسرائيلي السبت يدخل الوضع في منعطف خطير جديد لا يعرف احد اين وكيف سينتهي.








0 تعليق