المعافاة ليست أن تُعفى من كل شيء نهائيًا، ولا أن تختفي مخاوفك وكأنها لم تكن.
المعافاة الحقيقية هي أن تواجه خوفك، وأن تقاوم في كل مرة شعرت فيها أنك ضعيف، بينما في داخلك يقين بأن الله زرع في قلبك من الإيمان ما يكفي لتتجاوز كل هذا.
افتكر الوقت اللي كنت فاقد فيه الأمل، وربنا نجاك.
افتكر الأشياء الجميلة اللي عشتها، وكانت يومًا مجرد دعوات تدعو بها ربنا.
افتكر الدعوات المستجابة اللي كنت فاكر إن ربنا مش هيقبلها.
وافتكر إنك في يوم فتحت باب رزق لشخص بالصدفة، وكان نصيبك منه دعوة صادقة، يمكن كانت سببًا في باب خير اتفتح لك بعدها.
افتكر كل مرة تعبت فيها وكنت لوحدك، ومع ذلك قاومت وكملت.
وافتكر إن عندك أحلامًا رسمتها في خيالك يومًا، ثم رأيتها تتحقق أمام عينيك.
أنا مؤمنة أن الله لو لم يعلم أنني أستطيع العبور، ما وضعني في كل هذه المواقف التي اختبرت إيماني وصبري وقوتي.
ومع الأيام أدركت أنني تحملت كثيرًا، للدرجة التي جعلت الاستسلام شيئًا لا يشبهني.
لقد أذاقني الله لذة النجاح، وذقت أيضًا مرارة الفقدان.
لم تكن حياتي حياة عادية؛ فقد تحملت مسؤوليات أكبر كثيرًا من سني، وعشت أشياء جعلتني أكبر قبل وقتي.
ورغم كل شيء، كان بداخلي دائمًا يقين بأن هناك عوضًا جميلًا ينتظرني، عوضًا قادرًا على أن يمحو مرارة الكثير مما عشته.
ولكنني ما زلت أبحث عن شيء ناقص بداخلي…
ربما هو العائلة.
ذلك الشعور الذي لا أعرفه جيدًا، ولا أعرف حتى كيف يكون إحساسه.
لست قريبة من عائلتي بالقدر الذي يجعلني أقول إنني أشعر بهذا الدفء. فمنذ سنوات طويلة وأنا وحيدة. وربما آخر مرة أتذكر فيها هذا الإحساس كانت وأنا في المرحلة الثانوية، حين كانت لدي عائلة جميلة ومتماسكة.
أما الآن، فلا أعرف هذا الشعور.
بطريقة ما، اخترت أن أكون وحيدة تمامًا. وربما تعودت على الوحدة لدرجة أنني لم أعد أشعر بالاشتياق بسهولة إلى أحد.
أشتاق إلى أبي وأمي، بالتأكيد، لكن مشاكلهما وأنا صغيرة ظلت تلاحقني وأنا أكبر. ذكريات كنت أعتقد أنها انتهت، لكنها عادت في صورة كوابيس ومخاوف، وجعلتني أدرك أن ما نعيشه في طفولتنا قد يظل يسكن جزءًا منا حتى بعد أن نكبر.
ولهذا صرت أبحث عن إحساس الأمان في وحدتي.
صرت لا أثق بسهولة في أي شخص، وأصبحت أحاول أن أتعافى بنفسي، وبصلاتي، وبقربي من الله.
واكتشفت أن مواجهة مشاكلي بدلًا من الهروب منها، ومحاولة حلها بنفسي، جزء كبير من المعافاة.
المعافاة بالنسبة لي لم تعد أن أنسى ما حدث، بل أن أتذكره دون أن يهزمني.
أن أعرف مخاوفي وأواجهها.
أن أسقط، ثم أعرف كيف أقف مرة أخرى.
أن أكون خائفة، ومع ذلك أستمر.
واليوم، رغم كل ما تجاوزته، ما زلت أبحث عن النجاة من كل هذا الخوف والقلق.
لكن الفرق أنني الآن أعرف شيئًا لم أكن أعرفه من قبل:
لقد نجوت مرات كثيرة كنت أظن فيها أنني لن أنجو.
وفي كل مرة ظننت أن الطريق انتهى، فتح الله لي طريقًا آخر.
لذلك سأظل أؤمن أن العوض قادم، وأن الأمان الذي أبحث عنه سأجده يومًا، وأن كل ما مررت به لم يكن نهاية حكايتي…
بل كان جزءًا من معافاتي
















0 تعليق