لبنان بين مطرقة "اتفاق الإطار" وسندان الفتنة

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
يواجه لبنان اليوم مرحلة بالغة الخطورة، حيث لم يعد التهديد الإسرائيلي مقتصراً على الآلة العسكرية وتدمير البنى التحتية، بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي من الداخل.

Advertisement


إن ما يُسمى بـ "اتفاق الإطار"، رغم ما يحمله في طياته من انتقاص للسيادة وشرعنة لوجود الاحتلال، تحول إلى أداة بيد تل أبيب ليس فقط لفرض إملاءات أمنية، بل لتعميق الانقسامات الطائفية ووضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم البعض.

تتذرع إسرائيل، عبر تصريحات قادتها العسكريين والسياسيين، بنصوص "اتفاق الإطار" لتحويل الجيش إلى أداة تنفيذية لمطالبها الأمنية.

اذ إن مطالبة "أيال زامير" للجيش اللبناني بـ "تطهير" الجنوب من عناصر "حزب الله"، تضع المؤسسة العسكرية في زاوية حرجة؛ فإما الامتثال الذي يعني انزلاق البلاد نحو صدام داخلي حتمي، أو الرفض الذي تتخذه تل أبيب ذريعةً لتبرير بقائها واستمرار عملياتها العسكرية.

هنا تبرز اللعبة الإسرائيلية الخبيثة: تحويل الاتفاق إلى "مفتاح حرب" جاهز للاستخدام في أي لحظة، مع تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي احتكاك، مما يجعل "الفتنة الداخلية" نتيجة طبيعية ومنطقية إذا ما نجحت إسرائيل في دفع الأطراف اللبنانية للاقتتال بالوكالة عنها.


لم تكتفِ إسرائيل بالضغط العسكري، بل بدأت بفتح مسارات "سياسية واجتماعية" تهدف إلى ضرب الوحدة الوطنية في صميمها.
إن تسريب أنباء عن مطالب من بعض القادة المسيحيين في الجنوب بالانضمام إلى "إسرائيل" – بغض النظر عن دقة هذه الأنباء أو أهداف ترويجها – يمثل محاولة مكشوفة لاستثارة الحساسيات الطائفية.

إن الهدف الإسرائيلي من وراء هذه الأنباء يتجاوز البحث عن "حماية للمسيحيين" إلى: تشريع الوجود الاحتلالي: عبر تصوير إسرائيل كحامية "للأقليات" عند الحدود، في محاولة لغسل صورتها وتبرير استمرار بقائها في الأراضي اللبنانية، وتغذية خطاب الفتنة من خلال إظهار التباين في المواقف بين المكونات اللبنانية (الشيعة من جهة، والآخرين من جهة أخرى) تجاه الوجود الإسرائيلي، لتعميق الشروخ الاجتماعية التي حذر منها الرئيس نبيه بري مراراً.

تحسين الصورة دولياً: استخدام هذه "الطلبات" المزعومة لدحض الانتقادات الدولية الموجهة ضد ممارساتها، وتصوير الصراع على أنه صراع "ديني" وليس صراع احتلال ضد شعب يقاوم.

نتنياهو وحكومته يدركون جيداً أن "اتفاق الإطار" هو انتصار سياسي لهم، حيث يمنحهم ذريعة قانونية للبقاء والتدخل في الشأن السيادي اللبناني. ومن خلال اللعب على وتر الفتنة، تسعى إسرائيل إلى إضعاف الجبهة الداخلية اللبنانية بحيث تصبح الدولة عاجزة عن اتخاذ موقف موحد.

إن خطورة المرحلة تكمن في أن إسرائيل لم تعد تحتاج إلى "إشعال" الفتنة بقدر ما تحتاج إلى "إدارتها" لخدمة أهدافها الاستراتيجية. فبينما يهدد "زامير" بالهجوم، وبينما تروج "القناة 14" لمشاريع التقسيم والضم، يقف لبنان أمام خيار وجودي: إما التمسك بالوحدة الوطنية كحصن أخير ضد مخططات التفكيك، أو السقوط في فخ الصراعات الداخلية التي ستجعل من "اتفاق الإطار" بداية لنهاية السلم الأهلي، وهو الهدف الذي تسعى تل أبيب لتحقيقه منذ عقود.

ان وعي القوى السياسية والاجتماعية في لبنان بحجم هذا المخطط هو خط الدفاع الأول.فإسرائيل لا تراهن فقط على تفوقها العسكري، بل على "تآكل اللحمة الوطنية"، ومن هنا تأتي ضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا على كافة الحسابات الفئوية والضيقة، لقطع الطريق على كل من يتربص بوحدة هذا البلد ومستقبله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق