قدّم الكاتب الكبير محمد سلماوي مقدمة كتاب مجلة «الثقافة الجديدة» الصادر بعنوان «صنع الله إبراهيم وكسر المسلمات»، والذي يضم مجموعة دراسات وشهادات عن الروائي الراحل صنع الله إبراهيم، مؤكدًا أهمية أن يُفرد له عمل مستقل يتجاوز حدود المقال الصحفي أو الملف النقدي، نظرًا لخصوصية تجربته الإبداعية واتساع عالمه الروائي.

رؤية نقدية تتجاوز حدود المقال
يرى سلماوي أن صدور كتاب مستقل عن صنع الله خطوة ضرورية، موضحًا أن بعض الأدباء لا يمكن الإحاطة بتجاربهم عبر مقال أو ملف صحفي مهما اتسع، بل يحتاجون إلى معالجة نقدية أعمق تسمح بتلمّس أبعاد مشروعهم الأدبي وتقديمه للقارئ بصورة أكثر شمولًا.
ويشير إلى أن صنع الله ينتمي إلى هذا النوع من الكُتّاب الذين لا يُختزل حضورهم في زاوية واحدة، بل يمتد تأثيرهم عبر أعمال متراكمة تصنع عالمًا خاصًا ومتمايزًا داخل الرواية العربية الحديثة.

كسر المسلمات وإعادة تشكيل الرواية
ويؤكد سلماوي أن تجربة صنع الله تقوم في جوهرها على «كسر المسلمات» السائدة في الكتابة الروائية، حيث أعاد صياغة مفهوم الرواية ذاتها، وخرج بها من القوالب التقليدية التي تضع الحب في مركز الحكاية، لتصبح السياسة والواقع الاجتماعي هما المحرك الأساسي للسرد، بينما تأتي العلاقات الإنسانية في خلفية المشهد أو في مساحات ثانوية.
كما يشير إلى أن الكاتب لم يتردد في تناول وقائع وأحداث صادمة أو غير مألوفة في السياق الروائي التقليدي، الأمر الذي أثار جدلًا نقديًا واسعًا حول تجربته، لكنه في الوقت ذاته أسهم في ترسيخ بصمة خاصة داخل السرد العربي الحديث.

لغة خارج التوقعات الأدبية
ويتوقف سلماوي عند جانب أسلوبي في تجربة صنع الله، معتبرًا أنه كسر أيضًا فكرة «اللغة الأدبية المعلّبة»، إذ لجأ إلى لغة تبدو في ظاهرها قريبة من اللغة الصحفية أو التقريرية، لكنها تتحول داخل البناء الفني للرواية إلى أداة جمالية عالية التأثير.
ويشير إلى أن اقتطاع أي فقرة من سياق رواياته قد يجعلها تبدو كأنها نص صحفي أو تقرير واقعي، إلا أن القيمة الفنية الحقيقية تتجلى في البناء الكلي للعمل، حيث تتحول المادة الخام البسيطة إلى عمل فني متكامل يشبه النحت الدقيق الذي يحول الطين إلى شكل جمالي نابض بالحياة.
مشروع روائي خارج التصنيفات
ويرى سلماوي أن أعمال صنع الله لا يمكن وضعها بسهولة داخل التصنيفات الأدبية التقليدية، فهي لا تنتمي بالكامل إلى المدرسة الواقعية الكلاسيكية، ولا تتقاطع بشكل مباشر مع الرومانسية أو تيارات السرد التقليدي، بل تقدم مشروعًا روائيًا مستقلًا يعيد تعريف العلاقة بين الأدب والواقع.
ويؤكد أن هذا التفرّد جعل من تجربته حالة يصعب تقليدها، رغم محاولات بعض الكتاب الشباب الاقتراب من أسلوبه، إلا أن خصوصية مشروعه تظل عصيّة على الاستنساخ.
ويخلص سلماوي إلى أن كتاب «صنع الله إبراهيم وكسر المسلمات» يمثل إضافة مهمة لمحاولات قراءة تجربة أحد أبرز روائيي مصر والعالم العربي، مؤكدًا أن إرثه الأدبي يستحق مزيدًا من الدراسات النقدية التي تقترب من عالمه المركّب، وتكشف أبعاده الفكرية والجمالية التي ما زالت تثير النقاش حتى اليوم.


















0 تعليق