أدخل توقيع "اتفاق الإطار" برعاية أميركية في السادس والعشرين من حزيران الجاري الدولة اللبنانية في كباش سيادي يُعدّ الأعنف مع طهران. فبينما تسعى الدولة إلى انتزاع قرارها الوطني وتثبيت شرعيتها كمرجعية وحيدة أمام المجتمع الدولي استناداً إلى القرارات الدولية، تُصرّ إيران على إبقاء السقف التفاوضي اللبناني مرتبطاً بحساباتها الجيوسياسية ومساراتها الخاصة مع واشنطن، في محاولة لفرض معادلة "تلازم المسارات" كأمر واقع يمنع لبنان من امتلاك قرار مستقل في السلم والحرب.
وتجلّت أبعاد هذا الإصرار الإيراني عبر مسارين متوازيين؛ أولهما مأسسة الربط التفاوضي وتوظيف الساحة اللبنانية كورقة ضغط ضمن مسارات التفاوض الدولية بهدف انتزاع مكاسب استراتيجية. ويظهر ذلك، منذ نيسان 2026 في خلال مفاوضات إسلام آباد، حين لوّحت طهران بعدم الانخراط في أي محادثات استراتيجية قبل التزام واشنطن وقف الحرب على جبهة لبنان. وتطور هذا التوجه لاحقاً في المسار السويسري، حيث أُدرجت الساحة اللبنانية وبنية حزب الله العسكرية كبند مباشر في مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية لإنهاء الحرب، بما يعكس اعتبار طهران أن موقعها التفاوضي مع واشنطن وتل أبيب مرتبط عضوياً بالجبهة اللبنانية.
أما المسار الثاني، فتمثل في الضغط السياسي والإعلامي المباشر لتكريس هذه المعادلة عبر القنوات الرسمية الإيرانية. وفي هذا السياق، كان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، قد ابلغ الرئيس نبيه بري أن إنهاء الحرب وصون السيادة يندرجان ضمن البند الأول من المذكرة الإيرانية الأميركية، بالتوازي مع مواقف الخارجية الإيرانية والحرس الثوري التي شددت على وحدة الجبهات وعدم التخلي عن حزب الله. وترافق ذلك مع نشاط إعلامي مكثف للسفارة الإيرانية في بيروت عبر منصة إكس، تضمّن رسائل وتصاميم ذات أبعاد سياسية ورمزية تربط لبنان بالمجال الإيراني، في محاولة لترسيخ امتداد سياسي وجغرافي يتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الدول.
ولم يكن لهذا الاندفاع الإيراني في مصادرة السقف التفاوضي اللبناني أن يتمدّد لولا استناده إلى ركائز داخلية وفّرها الانقسام اللبناني القائم، والتي تقودها قوى الممانعة وفي مقدمتها "الثنائي الشيعي"، الذي شكّل العائق الأساسي أمام رفض اتفاق الإطار بوصفه تنازلاً سيادياً، وطالب بالعودة إلى المظلة التفاوضية الإيرانية. وهو موقف تقاطع مع تحذيرات رئيس البرلمان نبيه بري من الفتنة الداخلية ورفض حركة أمل للاتفاق، بما يعكس أن الحضور الإيراني هو امتداد لشرخ قائم في الهوية السياسية وخيارات الدولة اللبنانية.
وفي مواجهة هذه الاندفاعة الإيرانية والغطاء المحلي الذي تستند إليه، تحاول الدولة اللبنانية تثبيت خياراتها الشرعية وفكّ الارتباط السياسي مع طهران عبر سلسلة إجراءات تنفيذية وسياسية. وقد بدأ هذا المسار بردّ دبلوماسي حازم، تمثل في تحذير علني وجّهه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيران داعياً إلى وقف التدخل في الشأن اللبناني، بالتوازي مع تشديد الحكومة على رفض تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض إقليمية. كما شملت الإجراءات خطوات مباشرة طالت التمثيل الدبلوماسي الإيراني، من خلال تسليم مذكرة رفض خطية، وسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني واعتباره غير مرغوب فيه، إلى جانب استدعاء السفير اللبناني من طهران.
وامتد هذا المسار إلى المقاربة الأمنية، إذ أقرت الحكومة إجراءات تستهدف إنهاء أي غطاء لوجستي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع تشديد الرقابة في مطار رفيق الحريري الدولي للحد من تدفق الكوادر المرتبطة بطهران. ولم يقتصر الكباش بين بيروت وطهران على المستويات الدبلوماسية والأمنية، بل انسحب أيضاً على البعد الرمزي والسيادي، وبرز ذلك في ملف يافطات طريق المطار، حيث اتخذت وزارة الداخلية قراراً بإزالة الشعارات والصور ذات الطابع الإيراني واستبدالها بلوحات تحمل رسائل تؤكد الهوية الوطنية تحت شعار "لبنان أولاً".
لكنّ هذا الاشتباك لا يبدو مرشحاً للحسم السريع، إذ إن قدرة الدولة على تثبيت معادلة السيادة تُقاس بقدرتها على تحويل هذه القرارات إلى مسار مستدام يفرض احتكار الدولة للقرار الأمني والسياسي ويمنع إعادة إنتاج أي مرجعية موازية. وفي المقابل، تبدو طهران أمام اختبار الحفاظ على نفوذها التقليدي في لبنان في ظل المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية المتصاعدة.
وبين هذين المسارين، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما تثبيت انتقال تدريجي نحو دولة تُمسك وحدها بقرار الحرب والسلم، أو بقاء الساحة اللبنانية مفتوحة على منطق توازن النفوذ وتداخل الأجندات الإقليمية.
Advertisement
أما المسار الثاني، فتمثل في الضغط السياسي والإعلامي المباشر لتكريس هذه المعادلة عبر القنوات الرسمية الإيرانية. وفي هذا السياق، كان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، قد ابلغ الرئيس نبيه بري أن إنهاء الحرب وصون السيادة يندرجان ضمن البند الأول من المذكرة الإيرانية الأميركية، بالتوازي مع مواقف الخارجية الإيرانية والحرس الثوري التي شددت على وحدة الجبهات وعدم التخلي عن حزب الله. وترافق ذلك مع نشاط إعلامي مكثف للسفارة الإيرانية في بيروت عبر منصة إكس، تضمّن رسائل وتصاميم ذات أبعاد سياسية ورمزية تربط لبنان بالمجال الإيراني، في محاولة لترسيخ امتداد سياسي وجغرافي يتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الدول.
ولم يكن لهذا الاندفاع الإيراني في مصادرة السقف التفاوضي اللبناني أن يتمدّد لولا استناده إلى ركائز داخلية وفّرها الانقسام اللبناني القائم، والتي تقودها قوى الممانعة وفي مقدمتها "الثنائي الشيعي"، الذي شكّل العائق الأساسي أمام رفض اتفاق الإطار بوصفه تنازلاً سيادياً، وطالب بالعودة إلى المظلة التفاوضية الإيرانية. وهو موقف تقاطع مع تحذيرات رئيس البرلمان نبيه بري من الفتنة الداخلية ورفض حركة أمل للاتفاق، بما يعكس أن الحضور الإيراني هو امتداد لشرخ قائم في الهوية السياسية وخيارات الدولة اللبنانية.
وفي مواجهة هذه الاندفاعة الإيرانية والغطاء المحلي الذي تستند إليه، تحاول الدولة اللبنانية تثبيت خياراتها الشرعية وفكّ الارتباط السياسي مع طهران عبر سلسلة إجراءات تنفيذية وسياسية. وقد بدأ هذا المسار بردّ دبلوماسي حازم، تمثل في تحذير علني وجّهه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيران داعياً إلى وقف التدخل في الشأن اللبناني، بالتوازي مع تشديد الحكومة على رفض تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض إقليمية. كما شملت الإجراءات خطوات مباشرة طالت التمثيل الدبلوماسي الإيراني، من خلال تسليم مذكرة رفض خطية، وسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني واعتباره غير مرغوب فيه، إلى جانب استدعاء السفير اللبناني من طهران.
وامتد هذا المسار إلى المقاربة الأمنية، إذ أقرت الحكومة إجراءات تستهدف إنهاء أي غطاء لوجستي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع تشديد الرقابة في مطار رفيق الحريري الدولي للحد من تدفق الكوادر المرتبطة بطهران. ولم يقتصر الكباش بين بيروت وطهران على المستويات الدبلوماسية والأمنية، بل انسحب أيضاً على البعد الرمزي والسيادي، وبرز ذلك في ملف يافطات طريق المطار، حيث اتخذت وزارة الداخلية قراراً بإزالة الشعارات والصور ذات الطابع الإيراني واستبدالها بلوحات تحمل رسائل تؤكد الهوية الوطنية تحت شعار "لبنان أولاً".
لكنّ هذا الاشتباك لا يبدو مرشحاً للحسم السريع، إذ إن قدرة الدولة على تثبيت معادلة السيادة تُقاس بقدرتها على تحويل هذه القرارات إلى مسار مستدام يفرض احتكار الدولة للقرار الأمني والسياسي ويمنع إعادة إنتاج أي مرجعية موازية. وفي المقابل، تبدو طهران أمام اختبار الحفاظ على نفوذها التقليدي في لبنان في ظل المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية المتصاعدة.
وبين هذين المسارين، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما تثبيت انتقال تدريجي نحو دولة تُمسك وحدها بقرار الحرب والسلم، أو بقاء الساحة اللبنانية مفتوحة على منطق توازن النفوذ وتداخل الأجندات الإقليمية.







0 تعليق