الأسطورة الزائفة.. لماذا تأخر الإيرانيون فى تشييع المرشد السابق كل هذا الوقت؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صباح يوم ٢٨ فبراير، صمت لا يليق بمعركة منتظرة، يجلس «على خامنئى» مرشد الثورة الإيرانية السابق فى مقره، بصحبة أسرته، وعدد من المقربين، وابنه «مجتبى» فى مبنى مجاور له؛ ليشق الصمت انفجارات ضخمة تزلزل عمق طهران، وتعلن عن نهاية رأس النظام، وميلاد الأسطورة.

هل بالفعل اختار «على خامنئى» نهايته بهذا الشكل الدرامى المعقد؟، رجل بلغ من الكبر عتيًا، وتملّك منه المرض، وإيران بأكلمها تحت القصفين الأمريكى والإسرائيلى، فيقرر ألا يدخل المخبأ المحصن المُعد له خصيصًا، ويجلس فى مقره منتظرًا القصف الإسرائيلى، لينتهى المشهد دمويًا تحت أطنان القنابل المخترقة للتحصينات، رغم أن خامنئى كان يجلس فى سكون ينتظر نهايته التى اختارها بعناية، فى وضح النهار وأمام الجميع، دون تحصين أو ملجأ. هكذا يروّج الإيرانيون حكاية مقتل زعيمهم، ليتحول إلى أيقونة للاستشهاد، وتمنح دماؤه شرعية جديدة لنظام كان على وشك الانهيار تحت القصف الإسرائيلى- الأمريكى. 

ورغم دهشة إسرائيل أمام سهولة عملية الاغتيال، التى كان يُعد لها منذ سنوات، ورغم بعض التسريبات التى تؤكد أن خيانة خامنئى تمت من الداخل، نتيجة لاختراق مخابراتى إسرائيلى معقد. إلا أن السردية الإيرانية قررت أن تحول خامنئى من زعيم مقتول إلى رمز أسطورى معقد وممتد، وقابل للاستغلال السياسى والإعلامى لعقود مقبلة.

 

خامنئى ومجتبى عباءة واحدة لشخصين

 

ما سنرصده فى هذا المقال، ليس الجانب السياسى لما بعد اغتيال خامنئى، ولكن كيف صنع النظام الإيرانى من مقتل خامنئى رمزًا سياسيًا وعقائديًا يصعب تجاوزه أو التعامل معه بسطحية عابرة. وحتى نقرب المفهوم، علينا أن نستعيد لحظة مهمة من مسلسل «الفايكنج» الذى سرد ملحمة القائد «راغنار لوثبروك»، الذى لا يوجد إثبات تاريخى على وجوده الحقيقى، لكنه أكثر الملوك الملحميين الذين تغنت بهم الأشعار الإسكندنافية. حين قرر أن يُسلم نفسه لملك إنجلترا حتى يسلمه إلى عدوه اللدود الملك «إيلى»، ليقتله بطريقة بشعة بعد تعذيبه عن طريق إلقائه فى حفرة مليئة بالثعابين السامة، ليقول «راغنار» مقولته الشهيرة: «كيف ستئن الخنازير الصغيرة عندما تسمع كم عانى الخنزير العجوز!»، وكان يقصد أن بموته سيأتى أولاده للانتقام من ملوك أوروبا، وسيبدأ عصر جديد من توحد الفايكنج واحتلال العالم الغربى وإعادة صياغته من جديد. فموت «راغنار» كان اختياريًا ومُعدًا له بعناية فائقة، تجربة وجودية سردتها الأساطير تفوق قيمة الحياة ذاتها.

لا أقصد أن خامنئى استلهم التجربة من راغنار، ولكن النظام الإيرانى يُعيد خلق تجربة مشابهة، فيجعل من مقتل الزعيم لحظة فاصلة بين البقاء والعدم، خاصة بعد أن منح خامنئى شرعية الدم إلى ابنه «مجتبى»، الذى خرج مصابًا هو الآخر إصابة جسدية قوية، بالإضافة إلى مصيبة الفقد، مواصفات كاملة لصنع بطل ملحمى جديد يتسق مع المزاج الإيرانى فى صناعة الأبطال، فهو ابن الشهيد الذى فقد أهله ونهض بعد إصابته ليأخذ بالثأر، تكوين ملحمى بامتياز روّج له النظام بدأب وإلحاح، حتى إن اختياره جاء مكايدة لدونالد ترامب، كما صرح العديد من رموز مجلس الخبراء المنوط بهم اختيار المرشد الجديد، وليس فقط بدافعية من الحرس الثورى كما يذهب بنا التحليل أحيانًا، أو لأعلميته وفقهه كما يظن البعض، فلأول مرة يأتى الولى الفقيه، نائب الإمام الغائب، مُحملًا بمعادلة البطولة والثأر.

 

تشييع الجثمان مع قافلة السبايا

 

حتى تكتمل فكرة صناعة الأسطورة، علينا أن نرصد كيف اختار الإيرانيون توقيت تشييع خامنئى الأب بدقة شديدة، فموعد رحلة تشييع الجثمان يحمل فى دلالته العديد من الرموز القومية والمذهبية المعقدة، ولكن رصدها كان ضروريًا لفهم كيف يتم نسج أسطورة متكاملة الأركان عن شخص خامنئى حتى بعد وفاته، فحسب المعلن، رسميًا، فإن بداية مراسم تشييع الجثمان بعد ما يقارب الأربعة أشهر من مقتله، سيبدأ من طهران يوم ١٩ محرم، ولهذا دلالة مذهبية مهمة للغاية فى الذهنية الشيعية عمومًا، والإيرانية على وجه الخصوص. 

فحسب الرواية التاريخية، فإن بداية رحلة قافلة السبايا بعد معركة كربلاء واستشهاد الحسين بن على كانت يوم ١٩ محرم عام ٦١هـ، حيث تحركت تلك القافلة المنكوبة، بقيادة السيدة زينب، بنت على، وعلى بن الحسين «زين العابدين، والسجّاد» الإمام الرابع فى المذهب الشيعى، من الكوفة إلى دمشق، حيث يزيد بن معاوية؛ ليبدأ فصل جديد من مأساة كربلاء التى لا تنتهى فى الوعى الإيرانى المذهبى والشعبى. مع الوضع فى الاعتبار أن منذ بداية محرم بدأت إيران ومختلف البلاد الشيعية، بالاحتفاء بطقوس عاشوراء التى تتسم بالحزن والبكاء والندم.

فبالإضافة إلى الرمزية المتناقضة للحسين وكربلائه بين الهزيمة العسكرية والانتصار التاريخى، فإن لقافلة السبايا دلالة أكثر تعقيدًا، فتشييع جثمان خامنئى لن يكون وحيدًا، بل بصحبته بقية أفراد أسرته الذين قُتلوا معه، ابنته وزوجة ابنه «مجتبى» وحفيده وصهره، وكأن النظام الإيرانى يحاول إعادة إنتاج نفس الرحلة للعائلة المقدسة الشيعية، فى بروباجندا دعائية لصالح خامنئى وأسرته، فرسالة النظام فى ذلك المشهد تقول للمجتمع إن قافلة السبايا كانت نتاج مذبحة كربلاء وهزيمة سياسية وعسكرية بامتياز، ولكن فى التوقيت نفسه كانت السبب فى النصر العقائدى والخلود الدينى، فمهما بدا المشهد مأزومًا داخل المجتمع فإن إيران ستنهض ثانية كما حدث على يد الإمام السجّاد على بن الحسين، الذى رغم مرضه وضعفه بعد مقتل أبيه، فإنه قام من ضعفه، كمجتبى الذى نهض من بين الأنقاض، ليحمل راية والده المقدسة، فالنظام يستغل حالة الحزن العام فى طقوس عاشوراء، وبداية تمثيل وتجسيد قافلة السبايا ومأساتها فى الشوارع والحسينيات فى إيران، حتى يحمل تشييع الجثمان دلالة مقدسة لصالح الولى الفقيه الجديد.

 

السجّاد والرضا والمرشد الناجى

 

رحلة جثمان خامنئى ستستمر منذ يوم ١٩ إلى ٢٤ من شهر المحرم، حيث تبدأ الرحلة من مرقد الإمام الخمينى فى طهران، وتنتهى عند مرقد الإمام على الرضا «الإمام الثامن لدى الشيعة» فى مدينة مشهد، حيث سيدفن على خامنئى بجوار الإمام، وسوف نعود للرضا وضريحه لاحقًا.

ولكن ما يهمنا هو دلالة اختيار بداية تشييع خامنئى، فكما بدأت الرحلة يوم ١٩ بقافلة السبايا ستنتهى يوم ٢٤ من المحرم يوم استشهاد الإمام على السجّاد، فحسب الرواية الشيعية فقد تم اغتيال الإمام الرابع على يد الوليد بن عبدالملك، بواسطة سُم قاتل دس له فى المدينة المنورة، بعد ٣٥ عامًا من كربلاء، حيث تحول على السجّاد وقتها إلى أيقونة من المظلومية والثأر المؤجل، والتف حوله العامة من بلاد المسلمين، ما أقلق الوليد وقرر اغتياله بالسُم، فعلى بن الحسين هو الناجى من كربلاء القائم من تحت أنقاض خيام المعركة. 

وقرر النظام الإيرانى أن يوظف دلالة السجّاد السياسية والعقائدية لخدمة نفس فكرة التوريث المقدس التى تورط فيها النظام باختياره مجتبى خامنئى بعد مقتل والده، أى توحيد الرمز المذهبى، الشعبى عن السجاد، لخدمة الجمهورية الجديدة بقيادة الوريث، والمرشد الناجى من تحت أنقاض معركة جيش يزيد فى العصر الحديث، أمريكا وإسرائيل.

الدلالة المذهبية الأخرى هو مكان دفن الجثمان، وهو بالقرب من ضريح الإمام الرضا، ليس فقط لأن خامنئى فى الأصل من مدينة مشهد، حيث يقبع الضريح، ولكن لقداسة المكان ذاته فى العقيدة الشيعية، فالإمام الرضا هو الإمام الشيعى الوحيد الذى دُفن فى أرض إيران، بعد غدر الخليفة المأمون «العباسى» به وقتله هو أيضًا عن طريق السُم، كما تقول الروايات المذهبية.

فرمزية على الرضا وضريحه غاية فى الأهمية والقداسة فى المجتمع الإيرانى، فهو قبلة الزائرين والحجاج تبعًا للمذهب الشيعى، ما أتاح أن يتحول الضريح من مجرد مكان مقدس مدفون به أحد أئمة المذهب الكبار، إلى كيان سياسى واقتصادى معقد يُدار عن طريق «آستان قدس رضوى» وهى هيئة اقتصادية ضخمة تتبع المرشد مباشرة، ولها مؤسساتها الاقتصادية والسياسية وميزانيتها المفتوحة التى تأتى فى جانب كبير منها، من خلال النذور والزكاة والخُمس، ولا يُدير تلك المؤسسة إلا الخاصة والصفوة من آيات الله.

رحلة خامنئى الأب التى بدأت بجوار الإمام الرضا ستنتهى بالقرب من ضريحه، مسيرة ضخمة ومعقدة تبدأ من ظهران ثم مدينة قُم المقدسة، حيث الحوزة الدينية، لتنتهى فى مدينة مشهد، مرورًا بالعراق حسب بعض التصريحات الرسمية بكربلاء بحيث قد يسافر الجثمان إلى العراق ليودع الإمام الحسين فى ضريحه ثم يعود إلى مدفنه بجوار الإمام الرضا فى إيران، فالنظام يحاول أن ينسج سردية مقدسة موازية لصالح خامنئى وولده مجتبى فيستدعى التاريخ المذهبى للأئمة بداية بكربلاء ثم رحلة السبايا، وصولًا لاغتيال على الرضا ونهضة الإمام السجاد، ويُعيد ضبطها سياسيًا لخدمة الجانب المقدس فى شخص الولى الفقيه.

 

إله المطر فى عزاء خامنئى

 

الأمر يتعدى مرحلة المذهبية بعمقها السياسى إلى بُعد أكثر أهمية ورمزية، ففى مصادفة زمنية، من الصعب أن يجود الزمان بمثلها، تزامن شهر المحرم فى هذا العام، حسب التقويم الإيرانى، مع شهر «تير»، بحيث تبدأ مراسم تشييع الجثمان يوم ١٤ من شهر «تير»، وهو من الأشهر القومية المهمة فى إيران، وله دلالات شعبية غاية فى الرمزية، ففى يوم ٣ تير يبدأ عيد «التيرگان» أو يوم تير، وهذا العيد بالذات مرتبط بجوانب أسطورية وملحمية قديمة، ومن المؤكد أن هذا التزامن بين ما هو قومى وما هو مذهبى دينى لم يغب عن ذهن المخطط لهذه العزائية الضخمة، التى لن تنساها إيران لعقود مقبلة.

وحسب الأسطورة الإيرانية الزرادشتية، أنه فى هذا اليوم انتصر إله المطر «تيشتر» على شيطان الجفاف «إپوش»، الذى سيطر على البحر الكونى، وأدخل الأرض فى جفاف شديد، استدعت تدخل إله المطر ليدخل معه فى معركة ضخمة، وكان على وشك الهزيمة أمام الشيطان، ليطلب العون من أهورامزدا الإله الأكبر، الذى ينصره ويقتل شيطان الجفاف، ليعم الأرض الخير والعدل والجمال، ما حتم أن تتحول تلك القصة إلى عيد قومى فى إيران، ممتد من الفكر الزرادشتى، وما زال له حضور جيد إلى الآن داخل المجتمع الإيرانى.

فى هذا العيد يحتفل الناس عن طريق كثرة استخدام المياه فى البيوت والشوارع، ويختلف نوع الطعام المقدم فى هذا اليوم من فاكهة وعصائر مختلف ألوانها، وينطلق المجتمع للاحتفال خارج المنازل وتصدح الحدائق بالأغانى المبهجة والمتخلفة.

لكن التناقض هذا العام، أنه جاء متزامنًا مع أقصى المناسبات الدينية حزنًا وهى طقوس عاشوراء، فاستغل النظام الإيرانى تلك اللحظة التاريخية المعقدة على مستوى الوعى الشعبى، وقرر أن يُقحم مشهد تشييع جثمان خامنئى ليستولى على المشهدين الدينى والقومى، ويوظفه سياسيًا لصالح سردية توحد بين قداسة الأئمة الشهداء أمام فكرة الانتصار القومى المنتظر واستدعاء أسطورة إله المطر المنتصر بعد هزيمته أمام الشيطان، فمقتل خامنئى بهذه الكيفية لا تعكس حالة ضعف فى التأمين أو هزيمة أمام أعداء إيران، ولكن النظام يحاول أن يغازل اللا وعى الشعبى ويقدم رسالة عكسية بتوظيف القومية المنتصرة بدعم إلهى أمام سطوة الشيطان التى لم تدم طويلًا.

 

شرعية البطل المهزوم 

 

عيد «التيرگان» لا يتوقف عند الجانب الأسطورى فقط ولكن الأخطر الجانب الملحمى، الأكثر شهرة وانتشارًا فى الوعى الشعبى الإيرانى، فحسب ما تروى ملحمة الشاهنامة والروايات الشعبية عن البطل الإيرانى الأشهر «آرش كمانگیر» أو «آرش حامل السهام»، الذى ضحى بنفسه فى معركة قوية تمت بين التورانيين «الأتراك» والفرس فى العصور القديمة «العهد الأكمينى»، وكان الأتراك على وشك الانتصار حتى قرر جيش التورانيين، وباستهتار شديد، أن يختار الجيش الفارسى راميًا للسهام، عليه أن يلقى سهمًا واحدًا، وستكون حدود إيران الجديدة هى الحدود التى يصل إليها السهم، وبالفعل أطلق البطل آرش سهمه ولكنه وضع فيه كل قوته وروحه، حتى ذاب جسده وتبخر فى الهواء، وانطلق السهم حيث وصل إلى حدود نهر جيحون، بمساندة من الإله الأكبر «هرمز»، (أهوارامزدا) حسب المسمى الفارسى فى عصر الدول الوسيطة فى فارس القديمة، لتنتصر التضحية الإيرانية على المطامع التورانية، فالجيش الذى كان على وشك الهزيمة استطاع أن يُعيد وجوده من جديد، ويحقق النصر عن طريق التضحية بالبطل الأول فى إيران القديمة.

تلك الملحمة تُشكل مكونًا أصيلًا فى الوجدان الشعبى الإيرانى وتم استغلالها أكثر من مرة فى ظروف تاريخية مختلفة، خاصة منذ الحرب الإسرائيلية على إيران فى حرب الـ١٢ يومًا أو فى حرب الـ٤٠ يومًا، عن طريق الجداريات والتماثيل فى الميادين العامة، لما تحملة من رمزية وطنية ممتزجة بفكرة التضحية التى يعشقها الإيرانيون، وفكرة الهزيمة المبطنة بالنصر.

ومن الطقوس الشعبية فى هذا العيد أن يزور الناس أهالى الشهداء ويقدمون لهم الهدايا والطعام، تلك العادة التى تذوب فيها الحدود بين الاحتفالات بإله المطر الزاردشتى والبطولة القومية وبين المفاهيم الدينية والمذهبية المتعلقة بفكرة الشهداء والمضحين، نفس تلك الدلالة التى يحاول النظام استغلالها فى رحلة جثمان خامنئى، فالمجتمع الذى يمارس فى ذات الوقت طقوس عاشوراء سوف يحتفل بعيد «التيرگان»، بشقية الأسطورى والملحمى، ليتحول دون أن يدرى إلى الظهير الشعبى والسياسى لمشهد تشييع خامنئى، فالنظام يُقدم فكرة التضحية بوصفها هى الانتصار الحقيقى، ويؤسس بشكل غير مباشر على سردية تضحية الزعيم على خامنئى بنفسه وروحه، حتى تنهض الأمة الإيرانية أمام العدو الأمريكى والإسرائيلى. 

إيران تحاول أن تخلق بطلًا سياسيًا جديدًا بعد موته تستطيع توظيفه لمنح مزيد من الوجود لنظام يتعرض لأخطر منعطف فى تاريخ إيران الحديث، وكذلك يؤكد شرعية المرشد الجديد، مجتبى خامنئى، فشرعية الحرب وحدها لا تكفى للاستمرار بعد نهاية المعركة، لذا كان لا بد أن تُعيد إنتاج الفكرة معتمدةُ على رماد الآلهة والأبطال والأئمة، وعلى جثمان الأب.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق