لا أحد يستطيع الجزم بما ستؤول إليه المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، لأن المشهد منذ اندلاع الحرب وحتى الوصول إلى مذكرة التفاهم المكونة من أربعة عشر بندًا لم يعرف حالة من الاستقرار السياسي.
ما إن ترتفع مؤشرات التفاؤل بإمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي، حتى تعود لغة التصعيد لتفرض نفسها من جديد، وكأن الطرفين يسيران في مسارين متوازيين، أحدهما تفاوضي والآخر عسكري، دون أن يلتقي أي منهما بالآخر.
ومن هنا، يصبح من الصعب الرهان على نجاح سريع للمفاوضات، ليس بسبب تعقيد الملفات المطروحة فحسب، وإنما لأن أزمة الثقة بين الجانبين أصبحت أعمق من أن يعالجها اتفاق سياسي أو تفاهم مؤقت.
الولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع إيران باعتبارها خصمًا استراتيجيًا، فيما يواصل الخطاب الرسمي الإيراني وصف واشنطن بـ"العدو"، لذلك، فإن أي اتفاق محتمل، مهما بلغت أهميته، سيظل محكومًا بحسابات الشك والحذر أكثر من كونه بداية لشراكة أو تقارب حقيقي.
وانطلاقًا من هذه المعادلة، تبدو التصريحات الإيجابية الصادرة عن المسؤولين مجرد جزء من إدارة المشهد السياسي، وليست بالضرورة انعكاسًا لما يدور خلف الأبواب المغلقة.
عندما وصف الرئيس الأمريكي المحادثات الفنية غير المباشرة في الدوحة بأنها "جيدة للغاية"،بدا وكأنه يبعث برسائل طمأنة للأسواق ولحلفائه، إلا أن الواقع يشير إلى أن كواليس التفاوض لا تزال تشهد خلافات حادة حول القضايا الجوهرية التي ستحدد مستقبل العلاقة بين البلدين.
ولعل أبرز ما يعكس هشاشة المسار الدبلوماسي هو سرعة تأثره بالتطورات السياسية والأمنية.قد غادر الوفد الإيراني العاصمة القطرية الدوحة عقب قرار طهران تعليق المفاوضات مؤقتًا، استعدادًا لتشييع المرشد الأعلى الراحل، آية الله علي خامنئي، الذي قتل أواخر فبراير الماضي في ضربات أمرت بها الولايات المتحدة وإسرائيل. ويؤكد هذا التطور أن مسار التفاوض لا يزال شديد الحساسية، وأن أي متغير سياسي أو أمني قادر على إعادة خلط الأوراق وتأجيل المحادثات، مهما بدت مؤشرات التقدم إيجابية.
ورغم هذا التعثر المؤقت، حرص الوسطاء على الإبقاء على مساحة من التفاؤل. فقد أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن الاجتماعات المنفصلة التي عقدها الوسطاء القطريون والباكستانيون مع الوفدين الأمريكي والإيراني أحرزت "تقدمًا إيجابيًا"، بشأن القضايا المرتبطة بمذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، استنادًا إلى مخرجات قمة سويسرا. غير أن هذا التقدم يبقى سياسيًا حتى الآن، ولم يتحول بعد إلى التزامات عملية يمكن البناء عليها.
لكن ما يحدث على الأرض يكشف صورة مختلفة تمامًا،" بينما تتحدث الدبلوماسية عن تقدم، تستمر الرسائل العسكرية في التصاعد بوتيرة لافتة. فقد حذر مقر "خاتم الأنبياء "الإيراني من استمرار تحليق الطائرات الأمريكية، المأهولة والمسيرة، فوق مضيق هرمز، مؤكدًا أن أي تجاوز للمسارات المحددة أو تجاهل للبروتوكولات الإيرانية سيقابل برد فوري وحاسم، في رسالة تؤكد أن طهران ما زالت تعتمد سياسة الردع بالتوازي مع التفاوض.
ولا يمكن فصل هذه التهديدات عن التصريحات الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإيرانية، إذ أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن بلاده أعلنت منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات أنها لا تثق بالولايات المتحدة، وأنها لا تزال تتعامل مع المرحلة باعتبارها امتدادًا لحالة الحرب، وهو ما يفسر استمرار عمليات تعزيز القدرات الدفاعية بالتزامن مع استمرار الاتصالات السياسية.
وفي المقابل، لا تبدو واشنطن بعيدة عن هذا النهج،بينما تشارك في المفاوضات، تواصل تعزيز حضورها الأمني في المنطقة، وهو ما يتجسد في قيادة القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم "لحوار أمني إقليمي. ويعكس هذا التحرك أن الولايات المتحدة، هي الأخرى، لا تفصل بين الدبلوماسية وسياسة الردع، بل تعتبرهما مسارين متكاملين لإدارة الصراع.
وفي ضوء هذه المعطيات، تكتسب المفاوضات الفنية المرتقبة أهمية استثنائية، لأنها تمثل المرحلة التي ستنتقل فيها الأطراف من تبادل المواقف السياسية إلى مناقشة التفاصيل التنفيذية، بما يشمل آليات التنفيذ والرقابة والضمانات. وعادة ما تكون هذه المرحلة هي الأصعب، لأنها تكشف حجم الفجوة الحقيقية بين ما يقال أمام وسائل الإعلام وما يمكن الاتفاق عليه داخل غرف التفاوض.
يبدو أن المفاوضات الحالية لا تدور حول صناعة سلام دائم بقدر ما تهدف إلى منع انفجار مواجهة جديدة،العقدة الأساسية لم تعد في بنود الاتفاق أو تفاصيله، وإنما في انعدام الثقة المتجذر بين الطرفين.
ولهذا، حتى إذا نجحت واشنطن وطهران في توقيع اتفاق رسمي، فإن ذلك لن يعني نهاية الصراع، بل سيكون بداية مرحلة جديدة من إدارة الخلاف، حيث سيظل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصمًا مؤقتًا، وليس شريكًا يمكن الوثوق به، لتبقى المنطقة بأكملها معلقة بين احتمالات الانفراج ومخاطر التصعيد في أي لحظة.















0 تعليق