في الوقت الذي يواجه فيه العالم أسئلة كبرى حول العدالة والهوية والفساد والحروب، يواصل المسرح المصري تأكيد دوره بوصفه مرآة للمجتمع ومنصة لطرح القضايا الإنسانية الأكثر إلحاحا.
ومن خلال عروض تحمل رؤى فكرية وجمالية متنوعة، تشهد الدورة الثامنة والأربعون للمهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية حضورًا لافتًا لفرق المحافظات التي تقدم أعمالاً تجمع بين قوة الفكرة وجدية المعالجة، لتؤكد أن مسرح الأقاليم لا يزال أحد أهم روافد الحركة المسرحية المصرية.
وتقام فعاليات المهرجان برعاية د.جيهان زكي، وزيرة الثقافة وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة هشام عطوة، من خلال الإدارة المركزية للشئون الفنية والإدارة العامة للمسرح، بمشاركة فرق تمثل مختلف المحافظات، بينما تستمر العروض مجانا للجمهور حتى 6 يوليو، ويقام حفل الختام وإعلان النتائج يوم 7 يوليو على مسرح السامر.
وشهدت أيام المهرجان عددا من العروض التي تنوعت موضوعاتها بين قضايا الفساد، والعدالة، والحروب، والتهجير، والتمسك بالوطن، في تأكيد على قدرة المسرح على ملامسة هموم الإنسان في كل زمان ومكان.
ومن أبرز العروض، قدمت فرقة قصر ثقافة غزل المحلة مسرحية "أطفال المتاريس"، المأخوذة عن رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو، بإعداد سعيد حجاج وإخراج عبد الرحمن سالم، حيث أعادت تقديم واحدة من أشهر الروايات العالمية برؤية مسرحية جديدة، تستعرض رحلة جان فالجان الذي يقضي 19 عاما في السجن بسبب سرقة رغيف خبز، قبل أن يخوض رحلة طويلة بحثا عن الخلاص والإنسانية، في مواجهة مجتمع يرفض منحه فرصة جديدة للحياة.
وأكد مخرج العرض أن الوصول إلى المهرجان الختامي يمثل تتويجا لجهود الفرقة، فيما أوضح أبطال العمل أن شخصياتهم حملت أبعادا إنسانية عميقة، أبرزها شخصية "فانتين" التي تجسد التضحية من أجل الابنة، و"كوزيت" التي تنتقل من القهر إلى الأمل، بينما قدم المفتش "جافير" نموذجا للصراع بين القانون والرحمة.
وفي قصر ثقافة روض الفرج، قدمت فرقة القاهرة المسرحية عرض المفتش العام عن النص العالمي لنيكولاي جوجول، في معالجة درامية جديدة كتبها حسام موسى وأخرجها إبراهيم المهدي، ليعيد تقديم واحدة من أشهر المسرحيات الساخرة التي تكشف فساد السلطة والمحسوبية والخوف من المحاسبة.
واعتمد العرض على قالب كوميدي غنائي، مزج بين الأغاني والاستعراضات والإيقاع السريع، ليقدم رسالة واضحة حول استمرار مظاهر الفساد الإداري والبيروقراطية، وهي القضايا التي أكد مؤلف العرض أنها لا ترتبط بزمن بعينه، وإنما تتكرر في كل المجتمعات.
وأشاد النقاد خلال الندوة التطبيقية بأداء فريق العمل، وبنجاح المعالجة الغنائية في تبسيط الأفكار والوصول إلى الجمهور دون الإخلال بالقيمة الفنية للنص الأصلي.
أما على مسرح السامر، فقدمت فرقة هواة المنصورة عرض "البر الثاني"، تأليف طه زغلول وإخراج محمد فرج، الذي طرح رؤية فلسفية حول علاقة الإنسان بأرضه، من خلال حكاية مجموعة من البشر يعيشون فوق جبل ويحلمون بالوصول إلى "البر الثاني"، الذي لم يروه قط، لكنه يتحول مع الوقت إلى حلم جماعي تدعمه الشائعات والوعود.
وأوضح مخرج العرض أن العمل يناقش فكرتين أساسيتين؛ الأولى صناعة الوهم وكيف يمكن توجيه الشعوب عبر أفكار زائفة، والثانية قضية التهجير والارتباط بالأرض، مؤكدا أن الإنسان قد يتحمل قسوة الحياة في وطنه، لكنه يظل أكثر تمسكا به من أي مكان آخر، كما أثنى النقاد على الرؤية الفكرية للعمل، وما قدمه من معالجة بصرية وحركية عززت فكرة الانتماء والهوية.
وتتواصل فعاليات المهرجان اليوم الخميس بعرضين جديدين؛ الأول بعنوان "مش علي بابا" لفرقة قصر ثقافة دمنهور، تأليف سامح عثمان وإخراج أحمد القسطاوي، ويقدم على مسرح قصر ثقافة روض الفرج، حيث يناقش في إطار فانتازي ساخر عددا من المشكلات الاجتماعية وتحولات العلاقات بين الطبقات المختلفة.
فيما تستضيف خشبة مسرح السامر عرض "الآن يغنون ثانية" لفرقة دمياط الجديدة، عن نص الكاتب السويسري ماكس فريش، إعداد وإخراج عمرو الزغبي، والذي يتناول مأساة الإنسان في زمن الحروب، من خلال رحلة الجندي "كارل" الذي يجد نفسه مضطرا للمشاركة في جرائم الحرب، قبل أن يفقد إنسانيته تحت وطأة العنف والخوف.
ويشارك في تحكيم الدورة الثامنة والأربعين للمهرجان كل من الدكتور طارق مهران، والدكتور وحيد السعدني، والمخرج أحمد البنهاوي، والناقد جرجس شكري، والفنان محمد يونس، بينما تصاحب العروض ندوات نقدية يومية بمشاركة نخبة من المسرحيين والمتخصصين، إلى جانب إصدار نشرة يومية توثق فعاليات المهرجان.
ويؤكد تنوع العروض المشاركة هذا العام أن مسرح الأقاليم أصبح أكثر قدرة على تقديم قضايا المجتمع بلغة فنية معاصرة، تجمع بين التراث والنصوص العالمية والرؤى الجديدة، وتبرهن أن الإبداع الحقيقي لا يرتبط بالمركز وحده، إنما يولد أيضا من المحافظات التي تواصل رفد المسرح المصري بمواهب وأفكار تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع.









0 تعليق