دراما كورة: مصطلح يجمع بين الدراما وكرة القدم، ويعبر عن قراءة اللعبة باعتبارها عملًا دراميًا حيًا، لا مجرد منافسة رياضية.
منذ انطلاق كأس العالم 2026، تتجه أنظار مليارات البشر إلى ملاعب البطولة. فمن القاهرة إلى الرياض، ومن باريس إلى لندن، ومن بوينس آيرس إلى طوكيو، لم يعد العالم يتحدث إلا بلغة واحدة... لغة كرة القدم. فمنذ صافرة البداية، فرضت البطولة نفسها بوصفها الحدث الأبرز على كوكب الأرض، وأعادت جمع الإنسانية حول نبض واحد؛ صافرة حكم، وصرخة هدف، ودمعة انتصار أو انكسار.
وإذا كان لكل بطولة كأس عالم عنوان، فإن عنوان النسخة الحالية هو الدراما. فمنذ دور المجموعات، بدأت البطولة في كتابة حكاياتها؛ مفاجآت قلبت التوقعات، وأهداف في اللحظات الأخيرة غيّرت خرائط التأهل، ومنتخبات رفضت الاستسلام حتى الرمق الأخير. ثم جاءت الأدوار الإقصائية لتبلغ الدراما ذروتها؛ باراغواي تُقصي ألمانيا بركلات الترجيح، والمغرب يُسقط هولندا بالطريقة نفسها، والبرازيل تنجو بهدف متأخر أمام اليابان، والنرويج تواصل كتابة واحدة من أجمل حكايات البطولة. وبين دموع الكبار وفرحة من كسروا كل التوقعات، بدا واضحًا أن التاريخ لا يمنح أحدًا حق الانتصار، وأن لمسة واحدة قد تصنع المجد... أو تكتب النهاية.
ولعل أعظم ما تكشفه هذه البطولة، أنها لا تقدم مباريات تُلعب فحسب، بل أعمالًا درامية تُولد على الهواء مباشرة؛ لا يكتبها مؤلف، ولا يخرجها مخرج، ولا يعرف أحد نهايتها قبل أن يطلق الحكم صافرة الختام.
وهنا يبرز سؤال ربما لم يعد ترفًا فكريًا: لماذا ننظر إلى كرة القدم باعتبارها رياضة فقط، بينما تحمل في داخلها كل عناصر العمل الدرامي؟ ففي كل مباراة بداية ووسط ونهاية، أبطال وخصوم، صراع وعقدة، تحولات ومفاجآت، ذروة وحل. هناك البطل الذي يسقط، والمغمور الذي يصنع المعجزة، والبديل الذي يغيّر التاريخ، والقرار الذي يقلب مصير أمة كروية بأكملها. إنها البنية نفسها التي تقوم عليها الرواية، والمسرحية، والفيلم، لكن فارقها الوحيد أنها تُكتب أمام أعيننا لحظة بلحظة.
ولأن كرة القدم ليست مجرد نتائج وإحصاءات، بل ذاكرة ومشاعر وحكايات، فإنها تستحق قراءة مختلفة؛ قراءة تبحث عما وراء النتيجة، وتقترب من الإنسان قبل اللاعب، ومن القصة قبل الإحصائية، ومن المعنى قبل العنوان.
من هنا جاءت فكرة «دراماكورة»... مشروع إعلامي ينطلق من رؤية تعتبر كرة القدم فنًا حيًا، وتقرأ تاريخها من منظور درامي وسينمائي، فتستعيد المباريات الخالدة بوصفها ملاحم إنسانية، وتعيد اكتشاف أبطالها وشخصياتها وصراعاتها، وتكشف كيف صنعت لحظة واحدة أمجادًا، وكيف بددت لحظة أخرى أحلامًا امتدت سنوات.
لكن «دراماكورة» لا يقدم فيلمًا وثائقيًا عن مباراة أو لاعب، ولا يعيد سرد الأحداث كما يعرفها الجمهور، بل يعيد قراءتها بمنهج جديد لم يُقدَّم من قبل. فالمباراة هنا تُحلَّل كما يُحلَّل الفيلم أو المسرحية أو الرواية؛ حيث تُقرأ الحبكة، وتُفكك الشخصيات، ويُرصد الصراع، وتُناقش الذروة، ويُعاد اكتشاف المعاني الإنسانية التي صنعت الحدث. وللمرة الأولى، يجلس صُنّاع كرة القدم إلى جوار صُنّاع الدراما والفنون؛ لاعبون ومدربون وحكام وإعلاميون، إلى جانب مخرجين، ومؤلفين، وممثلين، ونقاد، وموسيقيين، وعلماء نفس، ليقدم كل منهم قراءته للمباراة من زاوية تخصصه. فالسؤال هنا لا يكون: كيف أُحرز الهدف؟ بل لماذا بقي هذا الهدف خالدًا في الذاكرة؟ وكيف تحولت مباراة إلى أسطورة، ولاعب إلى بطل تراجيدي، وهزيمة إلى قصة يرويها التاريخ؟
لا يسعى «دراماكورة» إلى منافسة البرامج الرياضية التقليدية، ولا إلى تقديم فيلم وثائقي جديد، بل إلى تأسيس نوع تلفزيوني مختلف، يلتقي فيه الفن بالرياضة، والدراما بالتكتيك، والسينما بالمستطيل الأخضر، ليصبح الاستوديو مساحة حوار بين عالمين طالما بدوا متباعدين، بينما تجمعهما اللغة ذاتها: لغة الحكاية.
ولعل السؤال الذي ظل مطروحًا لعقود: هل كرة القدم فن؟ لم يعد بحاجة إلى إجابة نظرية. فما تقدمه لنا كأس العالم اليوم يكفي للإجابة. وإذا كانت السينما قد خلّدت قصصًا من وحي الخيال، فإن كرة القدم لا تزال، في كل يوم، تكتب أعظم قصصها من قلب الواقع.
وربما لهذا السبب، تستحق أن ننظر إليها باعتبارها... الفن الثامن. دراماكوره… مشروع إعلامي يعيد اكتشاف كرة القدم بوصفها فنًا دراميًا.















0 تعليق