يواجه الاحتلال الإسرائيلي أزمة مركبة تتفاقم مع استمرار الحروب على عدة جبهات، إذ بات يعاني من نقص حاد في القوى البشرية، بالتزامن مع أزمة تمويل غير مسبوقة، وسط تحذيرات عسكرية من انعكاسات خطيرة على جاهزية الجيش وقدرته على خوض مواجهة طويلة الأمد.
وتتصاعد الأزمة في وقت تشهد فيه إسرائيل تجاذبات سياسية حادة بشأن قانون تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم)، الذين يرفض معظمهم الخدمة العسكرية، بينما يطالب الجيش والمعارضة بتوسيع قاعدة التجنيد لتعويض النقص المتزايد في الجنود.
صراع سياسي حول تجنيد الحريديم
وقبيل الانتخابات العامة المرتقبة في أكتوبر المقبل، تضغط الأحزاب الدينية على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإقرار تشريعات تمنح طلاب المدارس الدينية إعفاءً فعليًا من الخدمة العسكرية.
وبعد تعثر تمرير قانون التجنيد، اتجه الائتلاف الحاكم إلى الدفع بمشروعين جديدين، الأول يتعلق بـ"طلاب التوراة"، والثاني يمنع ملاحقة المتهربين من الخدمة، في محاولة لإرضاء الأحزاب الدينية قبل حل الكنيست المقرر في 16 يوليو الجاري.
وينص مشروع قانون "طلاب التوراة" على اعتبار دراسة التوراة "قيمة أساسية في تراث الشعب اليهودي"، ومنح المتفرغين للدراسة الدينية الحقوق والواجبات نفسها التي يحصل عليها من يخدمون في الجيش، وهو ما يراه منتقدوه تكريسًا لإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية بصورة غير مباشرة.
أرقام تكشف اتساع ظاهرة التهرب
وبحسب صحيفة "هآرتس"، فإن الشرطة العسكرية ألقت القبض بين 16 يناير و11 يونيو 2026 على 165 مطلوبًا للخدمة العسكرية في عمليات استباقية، كان بينهم 16 فقط من الحريديم، إضافة إلى توقيف 81 آخرين خلال مواجهات عشوائية.
وأظهرت البيانات، أن النيابة العسكرية قدمت 294 لائحة اتهام ضد متهربين تجاوزوا الحد القانوني للملاحقة، بينهم 32 من الحريديم فقط.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن نحو 80 ألف رجل من اليهود المتشددين لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية، لكن معظمهم لم يبلغوا بعد مدة التخلف التي تستوجب الملاحقة الجنائية.
كما بلغ عدد المسجلين كمتخلفين عن الخدمة أو الفارين منها حتى 10 مايو نحو 92 ألفًا، فيما تشير تقديرات الجيش إلى أن قرابة 80% منهم ينتمون إلى المجتمع الحريدي.
نقص الجنود يفاقم الضغط على الاحتياط
وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن تقليص مدة الخدمة الإلزامية إلى 30 شهرًا، المقرر تطبيقه في يناير 2027، سيزيد الضغوط على الجيش في ظل استمرار النقص في الأفراد.
وأوضحت الصحيفة، أن الجيش سيضطر إلى الاعتماد على نحو 8 آلاف جندي احتياط إضافي يوميًا لتعويض النقص، الأمر الذي يضاعف الضغوط على قوات الاحتياط، ويؤثر سلبًا على العائلات وسوق العمل والاقتصاد الإسرائيلي.
ويواصل الجيش الإسرائيلي عملياته في قطاع غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، مع إبقاء احتمالات التصعيد مع إيران قائمة، وهو ما يزيد الحاجة إلى تعزيز القوات النظامية بدلًا من الاعتماد المتزايد على الاحتياط.
تحذيرات من انهيار المنظومة العسكرية
وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قد حذر خلال اجتماع لمجلس الوزراء في مارس الماضي من أن الجيش "قد ينهار على نفسه" إذا لم تتم معالجة أزمة التجنيد وتمديد الخدمة الإلزامية.
وأكد "زامير" أن الجيش يخوض عمليات متزامنة على عدة جبهات، مشيرًا إلى أن قوات الاحتياط لن تتمكن من تحمل هذا العبء لفترة طويلة، وأن الجاهزية العسكرية ستتراجع بصورة كبيرة إذا استمرت الأزمة.
أزمة مالية تعمق المأزق
وبالتوازي مع أزمة القوى البشرية، كشف نائب رئيس الأركان، اللواء تامير يدائي، عن عجز مالي يقدر بنحو 40 مليار شيكل (11.1 مليار دولار)، نتيجة الفجوة بين نفقات الجيش بعد الحرب مع إيران والميزانية التي خصصتها وزارة المالية.
وأوضح "يدائي"، في وثيقة داخلية وُزعت على القيادات العسكرية، أن الجيش اضطر بالفعل إلى تقليص برامج استعادة الجاهزية، وتأجيل صفقات التسليح طويلة الأجل، وخفض التدريبات والدورات العسكرية، وتجميد مشاريع البنية التحتية والإنفاق غير العاجل.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات بدأت تؤثر بشكل مباشر على قدرة الجيش على استخلاص دروس الحرب، ومواصلة بناء القوة العسكرية، والاستعداد لمواجهة أي صراع طويل ومتعدد الساحات.
خلاف مع وزارة المالية
في المقابل، ترى وزارة المالية أن الحل يكمن في تقليص عدد جنود الاحتياط لتخفيف الأعباء المالية، بينما يرفض الجيش هذا الطرح، مؤكدًا أن الانتشار العسكري في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية لا يسمح بإجراء تخفيضات كبيرة في حجم القوات.
ورغم اطلاع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على موقفي الجيش ووزارة المالية، فإن الخلاف لا يزال قائمًا، في وقت تواصل فيه المؤسسة العسكرية التحذير من أن استمرار أزمتي التجنيد والتمويل يهدد جاهزية الجيش، ويضع الأمن القومي الإسرائيلي أمام تحديات غير مسبوقة.
















0 تعليق