في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الصراعات تقتصر على ميادين القوة العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل فضاءات الفكر والهوية والثقافة حيث أصبحت المعارك الأكثر تأثيرًا هى تلك التي تُخاض على مستوى الوعي والسرد التاريخي، وفي هذا الإطار، تجد مصر نفسها أمام موجة من الجدل المرتبط بمحاولات إعادة قراءة تاريخها الفرعوني من زوايا مختلفة.
ويتصدر هذا الجدل تيار يُعرف باسم "الأفروسنتريك"، الذي يقدم روايات مثيرة للجدل حول أصول الحضارة المصرية القديمة، في مقابل ما يستقر عليه البحث الأكاديمي في علم المصريات ومع اتساع انتشار هذه الطروحات عبر المنصات الإعلامية والرقمية، تحولت القضية من نقاشات محدودة إلى مساحة أوسع من الاشتباك الفكري حول من يمتلك حق تفسير التاريخ، وكيفية الفصل بين البحث العلمي القائم على الأدلة الأثرية وبين القراءات الأيديولوجية أو الثقافية للماضي.
ناقوس خطر.. كيف تحولت قاعات المتحف البريطاني لمنصات لـ"الأفروسنتريك"؟
ومن بريطانيا، تواصلت "الدستور" مع عبد الرحيم أحمد عبد الكريم، من مركز إدفو بأسوان مقدم محتوى عن الآثار الذي يعيش هناك ومهتم بالآثار المصرية والذي أوضح أنه رصد بنفسه مشاهد صادمة داخل المتحف البريطاني في لندن تكشف كيف تحول قاعات الآثار المصرية إلى منصات رئيسية لبث سموم فكر "الأفروسنتريك" وتوجيه عقول الأجيال الجديدة.
وتابع أن المتحف البريطاني يضم قرابة 11 مليون قطعة أثرية من مختلف حضارات العالم، نصيب القسم المصري منها وحده يتجاوز 172 ألف قطعة أثرية فريدة موزعة على طابقين هما: الأرضي المخصص للمنحوتات الحجرية الضخمة والتماثيل الكبرى، والطابق العلوي الممتلئ بالمومياوات والقطع الصغيرة.
أضاف أنه في هذه القاعات فالمشهد السائد حاليًا هو تدفق أفواج مكثفة من السياح ذوي البشرة السمراء "الشتات الإفريقي في أوروبا وبريطانيا" والذين يأتون في مجموعات منظمة بصحبة أطفالهم، وتابع "من المؤسف والمثير للقلق أن قادة هذه المجموعات يمارسون عملية غسيل مخ ممنهجة للأطفال، حيث يقفون أمام التماثيل المصرية ويشرحون لهم قائلين بجرأة وتزييف فج "انظروا.. هؤلاء أجدادكم، هذه ملامحنا الإفريقية" ويستغلون بعض التماثيل المصنوعة من الأحجار الداكنة "كالجرانيت الأسود أو البازلت" أو تماثيل المعبودات مثل المعبودة "سخمت" "التي تظهر برأس لبؤة وجسد امرأة" ليقولوا للأطفال بجهل وتوجيه متعمد:"انظروا إلى وجهها الأسود.. هذه آلهة السعادة الإفريقية القديمة، وهذا تاريخكم الذي سُرق منكم".
أضاف أنه في إحدى المشاهدات، حاول الاقتراب من مجموعة لمناقشة قائدها علميًا وسأله صراحة عن تاريخ الأسرة الفرعونية التي يزعم انتماءه لها، فظهر ارتباكه الشديد وعجزه عن تقديم أي دليل أثري أو تاريخي مستند إلى علم المصريات ولم يكن متمكنًا من الناحية التاريخية أو الأثرية، لأنهم لا يعتمدون على علم "المصريات" الحقيقي، بل على كتيبات أيديولوجية موجهة.
وتابع أنه وعلى الرغم من عدم تمكنه، فإن أفراد المجموعة يرفضون تمامًا تقبل أي رأي علمي مغاير، ومستمرون في غرس هذا الوهم في عقول أطفالهم، لافتًا إلى أن الحقيقة الأثرية والتاريخية التي يتناساها هؤلاء هى أن مصر القديمة طردت الغزاة والمحتلين عبر العصور، والملك "مينا" موحد القطرين والملوك العظام طردوا الجماعات المعتدية وحافظوا على نقاء وخصوصية السلالة المصرية المستمرة حتى اليوم.
وأضاف أن ما يحدث في المتاحف العالمية كالمتحف البريطاني يحتاج إلى تحرك مضاد وقوي من بعثاتنا الدبلوماسية والثقافية، ومن علماء المصريات لتقديم الرواية التاريخية الصحيحة؛ لأن الصمت على هذا التعليم الممنهج للأطفال الأجانب في الخارج، يصنع جيلًا كاملًا سينشأ على عقيدة وثقافة مشوهة تزعم أن مصر الحالية ليست لأصحابها الأصليين وهى معركة وعي شرسة تتطلب أعلى درجات الحذر والمواجهة.












0 تعليق