ثورة 30 يونيو.. سقوط الوصاية على المرأة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السؤال الأهم الذى يجب طرحه مع ذكرى ثورة 30 يونيو: ما هو الجديد سياسيًا للمرأة المصرية؟! وهو سؤال مختلف تمامًا عن السؤال التقليدى لرصد ما حصلت عليه المرأة..
الثانى يبحث فى المكاسب، بينما يبحث الأول فى التحول الحضارى. الحقوق تمنحها القوانين، ولكن القيمة والمكانة يصنعهما المجتمع، والشرعية لا يقررها النص الدستورى وحده، بل يفرضها الواقع عندما يصبح من المستحيل تجاهلها وتجنبها.

وصف المرأة المصرية فى 30 يونيو باعتبارها شريك فى التحركات الشعبية، هى قراءة مضللة عن قيمة ما حدث. المرأة لم تكن شريكًا فحسب، بل كانت أحد العوامل التى منحت تلك التحركات معناها الوطنى. حضور المرأة، إلى جانب الرجل من مختلف الأعمار والخلفيات، أضفى على المشهد طابعًا وطنيًا، تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. ولعل أكثر ما تجاهله التاريخ هو أن المرأة لم تشارك باعتبارها ممثلة لقضية المرأة، بل باعتبارها ممثلة لفكرة الوطن.
وهذه علامة فارقة.

لم تكن المرأة تطالب بحقها فى المشاركة السياسية، وإنما كانت تمارس مسؤوليتها كمواطنة. ولكن هناك زاوية أكثر جرأة يجب الالتفات إليها، وهى أن الثقافة السياسية اعتادت أن تتعامل مع المرأة باعتبارها مؤشرًا على تقدم الدولة، وكأنها نتيجة للتنمية وليست أحد أسبابها. جاءت ثورة 30 يونيو لتغير هذه المعادلة. وأثبتت أن مشاركة المرأة ليست مجرد مكافأة تمنحها الدولة عندما تتقدم، بل هى أساس قدرتها على التقدم.
أكبر إنجاز تحقق لم يكن تعيين امرأة فى منصب، ولا زيادة عدد النائبات أو القيادات التنفيذية. وإنما انتقال المرأة من حالة "الاستثناء" إلى حالة "الطبيعى". وهو تحول لا يقاس بالإحصاءات لأنه تحول فى الوعى قبل أن يكون تحولًا فى المؤسسات والسياسات. المنصب هو نتيجة قرار، بينما الاعتياد على تواجد المرأة فى المناصب الهامة لا يصنعه إلا تغيير ثقافى وسياسى معتبر.

تستطيع الدولة أن تغير قوانينها خلال أيام، ولكنها تحتاج إلى سنوات حتى تغير من الصور الذهنية التقليدية الراسخة داخل المجتمع. من الخطاء أن نختزل دور المرأة فى لحظة الحشد أو التعبئة. السياسة ليست منتج قاصر على الميادين، وإنما فى المنازل والمدارس وأماكن العمل والنقاشات اليومية. فى هذه المساحات غير المرئية، لعبت المرأة دورًا مؤثرًا باعتبارها القوة الناعمة التى لا تظهر فى الصور، لكنها تترك تأثيرًا كبيرًا فى المجتمع.

السؤال الذى يستحق الطرح: هل كانت المرأة مستفيدة من 30 يونيو، أم كانت 30 يونيو هى المستفيدة من حضور المرأة؟
يبدو السؤال صادمًا، لكنه يكشف حقيقة مهمة. المشاركة الواسعة للمرأة لم تمنحها الشرعية، لأنها لم تكن تفتقدها من الأصل، وإنما منحت هذا المشهد الوطنى العظيم بعدًا سياسيًا، ورسخت فكرة أن مستقبل الدولة لا تحدده فئة واحدة فقط، بل عبر مشاركة جميع مواطنيها.
السياسة، فى أساسها، ليست صراعًا على السلطة، بل هى ترسيخ لمساحة مشتركة يشعر فيها جميع المواطنين بأنهم أصحاب مصلحة ومسؤولية. وعندما تدخل المرأة هذه المساحة باعتبارها شريكًا، فإنها لا تغير موقعها وحده، بل تغير قواعد اللعبة السياسية كلها.

نقطة ومن أول الصبر..
القيمة التاريخية لمشاركة المرأة فى ثورة 30 يونيو لا تكمن فقط فى التطورات التى أعقبتها، بل فى أنها ساهمت فى ترسيخ فكرة أن المواطنة لا يمكن أن تجزأ أو تقسم. وأن الدولة التى تسعى إلى المستقبل لا تستطيع أن تنظر إلى نصف مجتمعها باعتباره ملفًا استثنائيًا خاصًا.
نجاح المرأة وانتصارها وتميزها فى أنها استطاعت أن تغير الطريقة التى تفكر بها، قبل أن تغير الطريقة التى تحكم بها

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق