.منذ أن خطَّ الإنسان أول سطر على حجر، ونقش أول رمز على جدران المعابد، لم يكن يفعل ذلك لمجرد أن يحفظ ذكرى يوم مضى، بل كان يرسل رسالة إلى من سيأتون بعده.. لقد كنا هنا، عشنا، قاتلنا، أخطأنا، انتصرنا، وسقطنا ثم نهضنا من جديد.
إن التاريخ ليس أرشيفًا للأموات، ولا مقبرة للأحداث القديمة، بل هو الذاكرة الحية للإنسانية، والمرآة التي ترى فيها الأمم وجوهها حين تضيع ملامحها، والبوصلة التي تهتدي بها الشعوب عندما تتشابه عليها الطرق وتختلط عليها الأصوات.
ولذلك ترك الملوك والقادة والمحاربون والمصلحون آثارهم، لا حبًا في الخلود وحده، وإنما لأنهم أدركوا أن الإنسان يرحل، لكن الشاهد يبقى؛ تبقى المعابد والقلعة والوثيقة، وتبقى الكلمات المنقوشة على الحجر، وتبقى صفحات التاريخ شاهدة على لحظات المجد والانكسار، وعلى القرارات التي غيّرت مصائر الأمم.
غير أن مأساة بعض الشعوب ليست في قلة ما تملك من تاريخ، وإنما في قلة ما تقرأه منه، فكم من أمة وقفت أمام مفترق طرق ظنت أنه لم يمر به أحد قبلها، ولو أنها فتحت دفاتر الزمن لرأت أن البشرية قد سارت في طرق مشابهة، وأن الصراع بين الحق والباطل، وبين البناء والهدم، وبين الوحدة والفرقة، هو صراع قديم قِدم وجود الإنسان نفسه.
فالله سبحانه وتعالى جعل للأيام سننًا لا تتبدل، وجعل بين الأمم دولًا تتداول، فقال في كتابه الكريم: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، فما جرى على من سبقونا قد يجري علينا بصور جديدة وأسماء مختلفة، لأن الوجوه تتغير، والأزمنة تتبدل، لكن طبائع الصراع الإنساني، والاختبارات الكبرى التي تمر بها الأمم، كثيرًا ما تعود في أثواب جديدة.
وحين نقع في مستنقع التردد، ويحيط بنا ضباب الخوف، وتختلط الحقائق بالأوهام، فإن أول ما يجب أن نفعله ليس أن نستسلم لاضطراب اللحظة، بل أن نفتح صفحات التاريخ، ونسأل من سبقونا: كيف واجهوا المحن؟ كيف اتخذوا القرار حين كان لكل طريق ثمن؟
فالتاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد قوانينه، ويكرر دروسه، ويمنح كل جيل امتحانه الخاص، لذلك من الأهمية بمكان، ونحن نفتح صفحات التحليل أمام ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013م، ألا نكتفي بالنظر إليها باعتبارها حدثًا سياسيًا معاصرًا معزولًا عن سياقه، بل أن نعود خطوة إلى الوراء، وربما خطوات عديدة إلى عمق التاريخ المصري نفسه؛ وهل كانت هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها المصريون جيشهم في قلب معركة إنقاذ الدولة عندما تتعرض لاختبار وجودي؟ وهل كان تدخل الجيش المصري في لحظات الحسم استثناءً عابرًا في تاريخ البلاد، أم أنه امتداد لدور تكرر بأشكال مختلفة عبر القرون؟
وإذا استبعدنا من هذه المقارنة ثورتي الثالث والعشرين من يوليو عام 1952م والخامس والعشرين من يناير عام 2011م، باعتبارهما جزءًا من التاريخ السياسي المباشر للدولة المصرية الحديثة، فإن صفحات التاريخ الأقدم تضع أمامنا وقائع لا تقل إثارة للانتباه.
فالتاريخ المصري، منذ فجر الدولة القديمة وحتى العصر الحديث، يُسجل في أكثر من موضع أن الجيش لم يكن مجرد قوة لحماية الحدود ورد العدوان الخارجي، بل كان في كثير من اللحظات الحرجة صمام الأمان الذي تتكئ عليه الدولة حين تضطرب أمورها من الداخل، وتتسع دوائر الفوضى، ويصبح بقاء الكيان الوطني ذاته موضع اختبار، وحين كان يتدخل جيش مصر... لم يكن يصنع تاريخًا جديدًا.. بل يستدعيه!
ومن يقرأ تاريخ مصر بإنصاف يدرك أن ظهور القائد العسكري في لحظات الخطر ليس استثناءً في تاريخ هذا الوطن، بل يكاد يكون أحد قوانينه المتكررة، فعندما تضطرب الأحوال، وتضعف السلطة المدنية، وتتسع الفجوة بين الدولة ومؤسساتها، ويصبح كيان البلاد نفسه موضع تهديد، كثيرًا ما يخرج من صفوف الجيش رجال لم تطلبهم السُلطة بقدر ما استدعتهم الضرورة، وهذه الحقيقة ظلت، عبر القرون، راسخة في صفحات التاريخ المصري، وحاضرة في وجدان قطاعات واسعة من المصريين؛ إذ ارتبط الجيش في الوعي الوطني بفكرة بقاء الدولة قبل ارتباطه بفكرة السُلطة. ولذلك، كلما مرت مصر بمنعطفات حادة، يحاول أن يدخل أعداء مصر والمتآمرون عليها في تلك المساحة بين الجيش وشعبه، وكأنهم ليسوا من لُحمَة واحدة أو أن الجيش نفسه ليس من نسيج الشعب، فينشرون أن تدخل للمؤسسة العسكرية في لحظات الخطر يمثل افتئاتًا على الإرادة الشعبية، في محاولة لإفقاد الثقة بين الشعب وجيشه ليسهل إضعاف ركائز الدولة وإسقاطها في لحظات تكون فيها في أمسّ الحاجة إلى التماسك.
ومن بين تلك الصفحات البعيدة، يقدم التاريخ لنا واحدة من أكثر هذه الوقائع دلالة وعمقًا.
فبعد وفاة الملك أمنمحات الثالث من الأسرة الحادية عشر في مصر القديمة حيث ساءت أحوال المجتمع المصري الاقتصادية والسياسية وظهرت نزعة استقلال الأقاليم وأمرائها وتفككت البلاد، كان دخول الهكسوس إلى مصر أمرًا سهلًا فلم يقاومهم أحد بسبب هذه الاضطرابات، وبعد عقود طويلة، اندلعت ثورة كبيرة قادها سقنن رع الثاني (أحد ملوك الأسرة السابعة عشرة في طيبة) وكان قائدًا عسكريًا، ورغم أنه كان "ملكًا" بحكم منصبه، إلا أنه قاد الجيش فعليًا في معارك التحرير الأولى ضد الهكسوس، وكان موته.. وفاة محارب، فقد أثبتت الدراسات والأشعة المقطعية على موميائه أنه توفي إثر إصابات حربية بشعة في المعركة، حيث تعرض لضربات بالبلط والحراب في رأسه وهو يقاتل على الخطوط الأمامية دفاعًا عن أرضه، وبعده قاد ابنه الملك كامس الثورة، وكان قائدا عسكريا فذا، وقتل هو الآخر، ثم تولى القائد العسكري المبدع الملك أحمس الأول من الاسرة المصرية الثامنة عشر قيادة الثورة، وهو أول من أدخل سلاح العجلات الحربية واستخدمها بفعالية، وتمكن من طرد الهكسوس بعد 150 عامًا من الاحتلال واللحاق بفلولهم في بلاد الشام وتأسيس الأسرة الثامنة عشرة التي أسست الإمبراطورية المصرية لأول مرة.
وفي أواخر الأسرة الثامنة عشرة، شهدت البلاد خلال حقبة العمارنة تحولات عميقة ارتبطت بالملك أخناتون، الذي انصرف إلى مشروعه الديني والفلسفي الكبير، وسعى إلى تغيير عقائد المصريين وتقاليدهم الراسخة، بينما كانت أطراف الإمبراطورية المصرية التي شيدها أسلافه تتعرض للاهتزاز، وتشهد اضطرابات ومناوشات متزايدة، وبدأت الدولة التي بناها الملوك العظام أمثال تحتمس الأول وتحتمس الثالث تفقد تدريجيًا شيئًا من هيبتها ونفوذها، وكانت مصر يومها تعيش حالة من الانقسام والارتباك، واختلطت فيها الأسئلة الدينية بالسياسية، وتراجعت هيبة الدولة، وبدأ الفساد وسوء استخدام السلطة يتسللان إلى جسد الإدارة المصرية، ولم يتمكن الملك الصغير توت عنخ آمون وريث عرش أبيه أخناتون من ضبط معادلة القوة مرة أخرى، حتى مات مقتولا في ظرف غامض.
وفي خضم تلك العاصفة برز اسم القائد العسكري حور محب، ولم يكن وريثًا شرعيًا لعرش مصر بالمعنى التقليدي، ولم يظهر بوصفه صاحب مشروع شخصي للسلطة، بل ظهر أولًا بوصفه القائد الأعلى للجيش المصري، والرجل الذي أدرك أن الدولة العظيمة تسير نحو مرحلة قد تهدد وجودها ذاته إن استمرت الفوضى والانقسام.
وحين آلت إليه مقاليد الحكم أعادة بناء الدولة، وضرب بيدٍ حازمة على أيدي المفسدين والعابثين، وأصدر ما عُرف تاريخيًا بمرسوم حور محب، أحد أقدم وأهم الوثائق التشريعية الجنائية في التاريخ الإنساني، واضعًا قواعد واضحة للحد من الفساد وإساءة استخدام السلطة، وأعاد تنظيم الإدارة الحكومية، وعيّن القضاة، وأعاد الانضباط إلى أجهزة الدولة، وقسّم المسؤوليات الإدارية بصورة أكثر إحكامًا، وألغى امتيازات تراكمت في أيدي قلة من المنتفعين، وأعاد للدولة مركزيتها وهيبتها التي تآكلت خلال سنوات الاضطراب.
ولم يكتف بإصلاح الداخل، بل أعاد لمصر احترامها في الخارج، وسعى إلى استعادة ما فقدته من نفوذ ومكانة نتيجة السياسات التي سبقت عهده، ولهذا لم يذكره التاريخ بوصفه قائدًا عسكريًا فقط، بل بوصفه الرجل الذي أعاد الدولة المصرية إلى نفسها بعد واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وانقسامًا.
وليس المقصود من استدعاء هذه الوقائع التاريخية عقد مقارنة حرفية بين الأزمنة، فلكل عصر ظروفه وأدواته وتحدياته، ولكن المقصود هو الإشارة إلى حقيقة ثابتة في التاريخ المصري... أن الدولة المصرية، كلما تعرضت لاختبار وجودي هدد تماسكها ووحدتها، كان جيشها حاضرًا في المشهد، لا باعتباره مؤسسة تبحث عن دور، بل باعتباره أحد الحراس التاريخيين لفكرة الدولة ذاتها.
ولهذا فإن من ينظر إلى أحداث 30 يونيو من هذه الزاوية لا يراها واقعة منفصلة عن سياق التاريخ المصري، بل يراها امتدادًا لنمط متكرر عرفته مصر عبر آلاف السنين؛ حين يشتد الخطر، وتتسع الفوضى، ويخشى الناس على دولتهم، يتقدم الجيش إلى واجهة الأحداث، لا ليصنع تاريخًا جديدًا، بل ليستدعي تاريخًا قديمًا يعرفه المصريون جيدًا، حتى وإن نسوه لبعض الوقت.
ومن هذه البوابة يجب أن نقرأ لحظات التحول الكبرى في مصر في فترة حكم جماعة الإخوان، ومن هنا تبدأ حكاية مصر مع الثلاثين من يونيو عام 2013م، لنحلل ماذا كانت 30 يونيو؟ هل كانت مجرد احتجاجات انتهت بتغيير رئيس؟ أم كانت لحظة تاريخية شعر فيها قطاع واسع من المصريين أن الدولة نفسها تقف أمام اختبار وجود، فخرجوا ليغيروا مسارها؟
الذين عاشوا تلك الأيام يعرفون أن الإجابة لا تُختصر في بيان سياسي، ولا في توصيف قانوني واحد، فالثورات في التاريخ كانت دائمًا موضع جدل، وكثير منها لم يحصل على تعريفه النهائي إلا بعد سنوات طويلة من حدوثه، لكن من وجهة نظر ملايين المصريين الذين خرجوا في الثلاثين من يونيو، لم تكن المعركة مع شخص الرئيس الأسبق محمد مرسي وحده، ولم تكن خلافًا على قرارات حكومية أو سياسات اقتصادية، بل كانت معركة حول طبيعة الدولة المصرية، وهوية مؤسساتها، وحدود العلاقة بين تنظيم سياسي وبين وطن عمره آلاف السنين، فمصر لم تكن أمام خلاف سياسي، بل كانت أمام صراع على طبيعة الدولة.
ولكي نفهم لماذا خرج ملايين المصريين في 30 يونيو، لا يكفي أن نعود إلى أيام التظاهر الأخيرة، ولا إلى خطابات اللحظة، وإنما يجب أن نعود إلى ما كان يتردد في الشارع المصري بعد عام واحد من حكم جماعة الإخوان التي تعتبر رحم الإسلام السياسي المتطرف في تاريخ العالم العربي والإسلامي، وهو أن الأزمة كانت أزمة أداء يمكن إصلاحها في انتخابات قادمة، وأن هناك مسارًا يتشكل قد يغير طبيعة الدولة المصرية نفسها؟
هنا انقسم المصريون، بين فئة قليلة تريد أن تُخضِع الوطن لأيديولوجية الجماعة ومخططها، وهم أنصار تنظيم الإخوان وأتباعه، وفئة غالبة من جموع الشعب بكافة أطيافه شعرت بالخطر الحقيقي للتطرف واستغلال الدين في السياسة، فأنصار تنظيم جماعة الإخوان رأوا أن الرئيس الأسبق محمد مرسي جاء عبر انتخابات ديمقراطية بعد عقود من الحكم السلطوي، وأنه لم يحصل على الوقت الكاف لتنفيذ مشروعه وسط دولة تعاني أزمات اقتصادية وإدارية عميقة، كما رأوا أن معارضيه لم يمنحوا التجربة فرصة حقيقية للاستمرار.
أما الغالبية من الشعب المصري، فقد رأوا الصورة من زاوية مختلفة تمامًا، فقد اعتبروا أن المشكلة لم تكن فقط في نجاح أو فشل حكومة، وإنما في وجود مشروع سياسي ذي مرجعية تنظيمية وأيديولوجية يسعى إلى نقل ولاء الدولة من فكرة "الدولة الوطنية" إلى فكرة "الجماعة"، ومن هنا ظهر مصطلح "التمكين" الذي استخدمه المصريون لوصف مخاوفهم من توسع نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة، وظهر مصطلح "أخونة الدولة" في النقاش العام، مع الجدل حول تعيينات في بعض المواقع التنفيذية، وطريقة إدارة مؤسسات الحكم، والإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012م، الذي اعتبره جموع المصريين تركيزًا واسعًا للسلطات في يد الرئيس.
وكانت الأزمة تتجاوز السياسة اليومية إلى ما هو أعمق، فما هو الحد الفاصل بين شرعية من جاء عبر صندوق الانتخابات، ومن فشل في إدارة الحكم لأنه فَرق بين المنتمي لأيديولوجيته وغير المنتمي إليها، وبين ضرورة تحتم تصحيح المواجهة أمام هذه التفرقة؟
هذا السؤال لم يكن مصريًا فقط، فقد اعتادت السياسة الدولية الحديثة أن تجعل من الصندوق نهاية القول، غير أن التجارب التاريخية علمتنا أن الصندوق - وحده - لا يكفي دائمًا لتفسير لحظات الانكسار الكبرى في الدول، ففي بعض اللحظات، لا يكون الخلاف على قرار، بل على معنى الدولة نفسها، وهنا يتجاوز الجدل حدود السياسة إلى منطقة أشبه بالفلسفة السياسية، حيث تتصارع شرعية النص مع شرعية الواقع، وشرعية الانتخاب مع شرعية الاستمرار.
وفي الحالة المصرية، كما سجلت أحداث ثورة 30 يونيو، لم يكن الأمر مجرد إدارة حكم، بل كان تحولًا في بنية الدولة، أثار مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع حول فكرة "التمكين" و"أخونة الدولة"، أي إعادة تشكيل الجهاز الإداري والسياسي وفق ولاءات تنظيمية لا وطنية جامعة، وهكذا التف الوعي الجماهيري، لا ضد رجل، بل حول الدولة ذاتها، وبدأت قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بأن مصر تتجه إلى مواجهة مفتوحة بين مشروع كشف عن نواياه وأيديولوجيته مبكرا يتمثل في نظام الحكم الجديد، وبين القلق والغضب الشعبي العارم من هذا النظام الذي يعيد استباحة الاستبداد تحت غطاء الشرعية.
في تلك اللحظة ظهرت حركة " تمرد"، التي قدمت نفسها باعتبارها تعبيرًا مدنيًا عن رفض استمرار الرئيس الأسبق محمد مرسي في منصبه، بعد أن فضحت إدارته أنه لم يكن صاحب القرار أو المتحكم فيه، بل مكتب الإرشاد الذي يدير جماعة الإخوان، ودعت إلى جمع توقيعات لسحب الثقة منه والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، وسواء اتفق الرأي أو اختلف مع تقييم حجم تأثير حركة تمرد، فإنها نجحت في تحويل حالة الغضب المتفرقة إلى موعد سياسي محدد: الثلاثون من يونيو 2013م.
وقتها دخلت مصر واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيدًا، ففي ذلك اليوم، لم تخرج مظاهرات في مدينة أو محافظات محدودة، بل شهدت مناطق عديدة من البلاد احتجاجات حاشدة، وخرجت الجماهير في مشهد كثيف غير مسبوق في التاريخ الحديث، كان إعلانًا عن سحب الثقة الشعبية من الحكم القائم، ورأت فيه أنها لا تمارس احتجاجًا سياسيًا عابرًا، بل تستدعي فكرة الدولة ذاتها من بين شقوق الخلاف والانقسام، معلنين رفضهم لمسار سياسي قادته جماعة بعد عام واحد من وصول محمد مرسي إلى الحكم، وعندما تصل الشعوب إلى مثل هذه اللحظات، والتي لا تطيق فيها الصبر، يبدأ التفكير الجمعي في اسقاط الشرعية الانتخابية أمام شرعية الشارع، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات كلها، وكان الرفض الشعبي الثائر ضد النظام لفكرة بقاء الصندوق وحده هو الحَكم حتى موعد الانتخابات التالية هو المشهد الرئيسي، وأنه لابد لحركة شعبية واسعة أن تفرض مسارًا سياسيًا جديدًا.
كان من المؤكد أن 30 يونيو، وضعت مصر أمام هذا الموقف الكبير، وكان المشهد واضحًا ومحددًا، وان ثمة حرب أهلية قد تندلع في مصر، طرفها من جهة الشعب المصري الغاضب، ومن الجهة الأخرى أنصار جماعة الإخوان التي لم تثبت ولائها للشعب والوطن.
ومن هنا بدأ الفصل الأكثر جدلًا في القصة، بحتمية دخول القوات المسلحة إلى المشهد، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في ذلك الوقت، وما إذا كان هذا التدخل استيلاءً على السلطة أم استجابةً لواقع سياسي واجتماعي استثنائي، ومشهد شعبي غير مسبوق؟
إن التاريخ أجاب على هذه الحالة كما – ذكرت من قبل – واستدعت أيضًا ذاكرة المصريون ما حدث في مارس عام 1804م، حين جاء ''خورشيد باشا'' العثماني واليًا على مصر، وكان مكروهًا من الشعب ولم يتسم حكمه بالصلاح، مما أثار أهالي 'المحروسة،' وتزعمهم ''الشريف عمر مكرم''، ولم تهدأ الثورة إلا بفرمان عثماني' من الباب العالي بالآستانة يعزل ''خورشيد''، ويأتي الثوار في مصر بمحمد علي القائد العسكري ضمن قوات الجيش العثماني والمشهود له بالكفاءة ليكون ''واليًا على مصر''.
ثم توالى مجيء الحكام من نسل ''محمد علي باشا''، ومنهم ''الخديوي توفيق''، الذي رأى استمالة ''الإنجليز والفرنسيين'' بدلًا من محاربتهم، حتى استطاعوا التوغل بشكل أكبر في شئون الحكم وخلع قيادات الجيش، ومن ضمن هؤلاء القادة ''محمود سامي البارودي باشا'' القائد العسكري الكفء والمحبوب من الضباط والعساكر، وكان رأى الضباط ضرورة زيادة عدد الجيش وتولى ''البارودي'' للحربية،
وفي 9 سبتمبر عام 1881م، تحرك القائد العسكري أحمد عرابي، والجيش وحشد كبير من الثوار المصريين باتجاه ''قصر عابدين''، مطالبين الخديوي بتنفيذ هذه المطالب، فما كان منه إلا أن رفضها قائلًا: ''هذه البلاد ورثت حكمها عن آبائي وأجدادي، ومطالبكم ليس لكم حق فيها، وما أنتم إلا عبيد إحساننا، '' فرد ''عرابي'' بقوله الشهير: ''لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا والله لن نستعبد بعد اليوم''.... واستجاب الخديوي لمطالب أحمد عرابي، وتشكلت ''نظارة شريف باشا'' وجاء ''البارودي باشا ناظرًا للحربية''، وتشكل الدستور وصوّت عليه النواب، إلا أن التدخل الأجنبي عصف بكل هذا، فتقدم ''شريف باشا'' باستقالته، وتشكلت ''نظارة البارودي'' ليأتي ''عرابي ناظرًا للحربية''.
لذلك فإن تدخل الجيش المصري في دعم الموقف الشعبي في 30 يونيو، هو أمر ثابت ومتكرر عبر القرون المتفرقة وفي الأزمان المختلفة من فصول تاريخ مصر القديم والحديث، والذين يصفون ما حدث بالانقلاب، ويستندون إلى أن رئيسًا منتخبًا أُزيح من السلطة بعد تدخل القوات المسلحة، لم يقرؤوا التاريخ جيدا، ولم يستفيدوا من دروسه المتكررة.
والشعب الثائر في 30 يونيو، أدرك أن الجيش الذي حمى ثورته ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو الرئيس المنتمي للمؤسسة العسكرية وأحد رموز حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م، لن يتردد في تكرار المشهد إذا ما أراد الشعب ذلك ضد رئيس قًسَّم الوطن إلى طوائف، وهدد استقراره، فالأولى أن يحمي الجيش قائده العسكري إذا كان مُنحازًا، لكنه لم يفعل، ووقف بجانب إرادة الشعب، لذلك تيقن الشعب أنه لم تكن هناك الشواهد التقليدية التي عرفها التاريخ عن الانقلابات العسكرية؟
فالانقلابات العسكرية التي شهدها العالم عبر التاريخ غالبًا ما كانت تبدأ بقرار صادر من داخل المؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة، حيث يتحرك الضباط لإسقاط النظام القائم، ثم يظهر قائد الانقلاب بوصفه الحاكم الجديد أو الحاكم الفعلي للدولة، وتكون خطة انتقال السلطة جزءًا من المشروع منذ البداية.
أما في قراءة 30 يونيو، فإن المسار الذي جرى في مصر كان مختلفًا، فقد تحرك الشعب أولا، وباتت المواجهة واضحة بينه وبين رئيس تدعمه جماعة متطرفة، مما جعل البلاد على شفا حرب أهلية، كما كان يدور الأمر في معظم دول المنطقة في ذلك الوقت، لذلك كان تدخل الجيش هو استدعاء لدوره التاريخي المعروف ولعقيدته الراسخة في الحفاظ على أمن واستقرار وسلامة الوطن والمواطنين، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن الجيش يتحرك للاستيلاء على السلطة، فالشعب اليوم أصبح أكثر وعيًا بعد تجربة ثورة 25 يناير، وهو الذي أنهى حكم مبارك الذي استمر ثلاثين عاما، رغم تاريخه العسكري المشهود، فلا يمكن - منطقيا - أن يفكر الجيش في الاستحواذ على السلطة في نفس تلك الحقبة المشتعلة بثورة الشعب ضد رئيس ينتمي إلى المؤسسة العسكرية.
والفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع وقتها، لم يعلن في الأيام التالية للثلاثين من يونيو، أنه المرشح القادم للرئاسة، ولم يخرج باعتباره صاحب مشروع شخصي للوصول إلى الحكم، بل إن خارطة الطريق التي أعلنت بعد الثالث من يوليو تضمنت تولي رئيس مؤقت للبلاد، ووضع ترتيبات انتقالية شملت تعديل الدستور وإجراء استحقاقات سياسية جديدة.
بل إن من النقاط التي يستند إليها في هذا التفسير أن موقع وزير الدفاع في الترتيبات الدستورية التي أعقبت ذلك مُنح وضعًا خاصًا خلال مرحلة انتقالية، باعتبار أن المؤسسة العسكرية رأت نفسها ضامنًا لاستقرار الدولة وحاميًا لما اعتبرته إرادة 30 يونيو، ولم يكن ذلك أبدا مؤشرًا منطقيا على انتقال مباشر لرئيس الجيش إلى منصب رئيس الجمهورية، بل مؤشر لبقاء وزير الدفاع - الذي تم ترقيته إلى رتبة المشير- في منصبه ممثلًا للجيش في حماية الدولة وفتح الطريق أمام أي رئيس مدني جديد ينتخبه الشعب.
ثم جاء السؤال الذي لم يكن مطروحًا في الأيام الأولى: هل يترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي للرئاسة؟
لكن ما حدث في الواقع، أن الضغط الشعبي والإعلامي والسياسي تصاعد مطالبًا المشير عبد الفتاح السيسي بالانتقال من حماية الدولة إلى قيادتها، باعتباره الشخصية التي ارتبطت في الوعي العام بقيادة القوات المسلحة إلى تكرار نفس المواقف التاريخية للجيش المصري بالوقوف في صف الشعب.
لم يكن وصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى رئاسة الجمهورية قرارًا أُعلن في اليوم التالي للثلاثين من يونيو، ولا خطوة بدت في ظاهر الأحداث ـ جزءًا من خطة سياسية معلنة منذ البداية، فبعد عزل الرئيس محمد مرسي، تولى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور الرئاسة المؤقتة، وخلال الأشهر التالية، تصاعدت دعوات من قوى سياسية وشخصيات عامة وقطاعات من المواطنين تطالب المشير السيسي بخوض الانتخابات الرئاسية، انطلاقًا من إيمانهم أنه الشخصية الأقدر على قيادة البلاد في تلك المرحلة المضطربة، وفي المقابل، ظل المشير السيسي لفترة لا يعلن موقفًا نهائيًا، وكانت تصريحاته العلنية تدور حول مسؤولياته كوزير للدفاع، وضرورة استكمال المرحلة الانتقالية، وكان هذا التردد يعكس إدراكًا لحجم المسؤولية أكثر من كونه ترتيبًا سياسيًا محسومًا، وأن الانتقال من قيادة المؤسسة العسكرية إلى قيادة الدولة لم يكن خيارًا يسيرًا في ظل أوضاع أمنية واقتصادية وإقليمية معقدة.
لكن الإرادة الشعبية كانت هائلة، ولم يكن المشير عبد الفتاح السيسي هو من اختار طريق الرئاسة، بل كانت قطاعات واسعة من الشعب هي التي دفعته إليه، بعدما رأت فيه القائد الذي ارتبط اسمه بحماية إرادة الملايين في تلك اللحظة الفاصلة، وطالبته بتحمل مسؤولية استكمال المرحلة الانتقالية من خلال الترشح للانتخابات الرئاسية، باعتبار أن وصوله إلى رئاسة الجمهورية كان الضمانة السياسية لاستمرار المسار الذي بدأته 30 يونيو، ولحماية ما عدّوه مكتسبات الثورة ومنع عودة جماعة الإخوان إلى الحكم عبر إعادة إنتاج الظروف التي سبقت تلك الأحداث، فَقَبل فكرة أن ينتقل من موقع القائد العسكري الذي واجه أزمة وطنية إلى موقع المسؤول المدني الذي طُلب منه تحمل مسؤولية قيادة الدولة.... وهذه الحالة تكررت في التاريخ عشرات المرات.
وفي السادس والعشرين من مارس عام 2014م، أعلن المشير عبد الفتاح السيسي استقالته من منصبه وزيرًا للدفاع، وخلع الزي العسكري، وأعلن ترشحه رسميًا لرئاسة الجمهورية، قائلًا في خطابه الشهير: "لا أستطيع أن أدير ظهري لنداء جماهير غفيرة تطالبني بالترشح". ومنذ تلك اللحظة، انتقل من موقع القائد العسكري إلى موقع المرشح المدني، ليخوض أول انتخابات رئاسية في حياته.
وهناك دلائل أكيده يقبلها أي منطق عاقل تؤكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يكن يُخطط للترشح لمنصب الرئاسة، فحملته الانتخابية الأولى لم تحمل ملامح السياسي الذي أمضى سنوات يًعد نفسه للحكم، بل حملت طابع رجل انتقل إلى المجال السياسي في ظروف استثنائية، وكانت لقاءاته الإعلامية تتسم بطابع حواري أكثر من كونها عرضًا لبرنامج انتخابي تفصيلي، وتصريحاته تتسم بالتحفظ، ولم يكن هناك إعلان مبكر عن برنامج مفصل أو فريق سياسي جاهز أو حملة انتخابية طويلة تم إعدادها مسبقًا، وهو ما يُرى دليل على أن الرجل لم يكن قد دخل المشهد وهو يحمل خطة معدة سلفًا للاستيلاء على الحكم، ولو كان الهدف منذ البداية هو الوصول إلى الرئاسة لكان من المتوقع أن تظهر منذ اللحظة الأولى ملامح مشروع سياسي متكامل، وبرامج اقتصادية واجتماعية مُعدة مُسبقًا، وخطاب انتخابي تفصيلي، كما يحدث عادة في التجارب التي يسعى فيها أشخاص أو جماعات إلى انتزاع السلطة كهدف مخطط له.
ثم جاءت المرحلة التالية، وهي المرحلة التي تعكس الاختبار الحقيقي، فالانتقال من قرار سياسي في لحظة أزمة إلى إدارة دولة بحجم وتعقيد مصر ليس أمرًا يمكن حسمه بالشعارات، فعندما جلس الرئيس عبد الفتاح السيسي على مقعد الرئاسة، لم يكن الأمر أمامه، مجرد إدارة يومية لشؤون الدولة، بل تعامل مع ملفات متراكمة منها التحديات الأمنية، والأزمات الاقتصادية، ومشكلات في البنية الأساسية، وتغيرات إقليمية عاصفة، فالثورات لا تُحكم فقط بنقطة بدايتها، وإنما بما يليها، فالثورة التي تُغيّر رئيسًا ثم تعود الدولة بعدها إلى النقطة نفسها تبقى مجرد حركة احتجاج، أما إذا أعادت صياغة السياسات والاقتصاد والعلاقات الإقليمية وبنية الدولة، فهي بلا شك ثورة شعبية تاريخية جديدة.
لكن يبقى سؤال أكثر عمقًا من الآراء جميعها: كيف يمكن تصنيف ثورة 30 يونيو؟ وهل يمكن مقارنتها بثورات أخرى غيرت مصير دولها؟
فحين نحاول وضع ثورة 30 يونيو داخل خريطة الثورات في التاريخ، فيجب أن نعود إلى القاعدة التي تُقرها علوم السياسة، وهي أنه ليست كل التحولات الكبرى في الدول تشبه بعضها، ولا كل لحظات التغيير السياسي يمكن تصنيفها بالقالب نفسه، فالتاريخ لا يعرف "نسخة واحدة" من الثورات، بل يعرف أنماطًا متعددة، مثل الثورات الاجتماعية، والثورات السياسية التي أطاحت بأنظمة ملكية، وثورات التحرر الوطني، وأخرى شهدت تدخل المؤسسة العسكرية في لحظات التحول السياسي دون أن تنتمي بالكامل لنمط واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن ثورة 30 يونيو لا تشبه نموذجًا واحدًا من هذه النماذج، بل هي حالة مركبة تجمع بين أكثر من عنصر.. حركة احتجاج شعبي واسعة، وتدخل مؤسسة الدولة الأساسية ممثلة في الجيش، ثم إعادة بناء للنظام السياسي عبر دستور وانتخابات واستحقاقات لاحقة، ولهذا يُستخدم في وصفها مصطلحات مثل “ثورة استعادة الدولة" أو "ثورة تصحيح المسار"، لا باعتبارها مصطلحات قانونية دقيقة، بل باعتبارها توصيفًا سياسيًا يُعبر عن فكرة أن الدولة لم تُهدم ثم تُبنى من جديد، بل أعيد ضبط اتجاهها داخل نفس الكيان المؤسسي، لذلك فهي ثورة تصحيح جديدة للمسار الذي طالب به الشعب في ثورة 25 يناير عام 2011م.
لكن ما يميز ثورة 30 يونيو في الذاكرة السياسية المصرية، هو أنها لم تكن مجرد لحظة إسقاط أو تغيير حكم، بل كانت لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين ثلاثة عناصر: الشعب، والدولة، والمؤسسة العسكرية، ففي اللحظات الثورية الكلاسيكية، غالبًا ما يكون الجيش جزءًا من النظام القديم أو طرفًا محايدًا أو أداة لإسقاط النظام، لكن في الحالة المصرية، كان الجيش ممثلًا في قيادته طرفًا يتعامل مع ضغط شعبي واسع، ومع مؤسسات دولة قائمة، ومع حالة استقطاب سياسي غير مسبوقة، وهنا يظهر الفارق الأساسي، أن 30 يونيو لم تُقدم نفسها كثورة ضد الدولة، بل كثورة داخل الدولة تهدف إلى تعديل مسارها.
ولهذا السبب، لم يكن ما حدث "تفكيكًا للنظام السياسي"، بل إعادة ترتيب له، وهو ما انعكس لاحقًا في استمرار مؤسسات الدولة، مع تغييرات في الدستور، وإعادة تنظيم للسلطة التنفيذية، وإعادة صياغة الأولويات الاقتصادية والتنموية، لكن مهما اختلفت التسميات، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هو أن البلاد كانت تتحرك بسرعة نحو لحظة انفجار سياسي شامل، وأن ثورة 30 يونيو كانت نقطة فاصلة أدت إلى تغيرات عميقة في بنية الدولة، سواء في شكل النظام السياسي، أو في إدارة الاقتصاد، أو في طبيعة دور الدولة الإقليمي.
تظل هناك حقيقة لا يمكن إغفالها، فالرئيس عبد الفتاح السيسي لم يتخذ قرارًا سياسيًا عاديًا في صيف عام 2013م، بل اتخذ قرارًا كان يدرك أنه قد يكلفه مستقبله، وربما حياته، فهو لم يكن، يواجه خصمًا سياسيًا تقليديًا، وإنما تنظيمًا عابرًا للحدود له امتداداته الفكرية والتنظيمية، وكانت مواقف قوى دولية مؤثرة آنذاك تُظهر اختلافًا واضحًا مع المسار الذي انتهت إليه الأحداث في مصر، فلا يمكن تجاهل موقف الولايات المتحدة الأمريكية وقتها، ولا الإتحاد الأوروبي، وكلها مواقف كانت تدعم حكم الإخوان وترفض في البداية عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لكن الرئيس السيسي بحكم خبرته الطويلة في المؤسسة العسكرية وعمله السابق في أجهزة الاستخبارات، كان أكثر إدراكًا من غيره لحجم المخاطر التي كانت تحيط بالدولة المصرية.
ومن هذا المنطلق، توصف هذه اللحظة باعتبارها لحظة رجل آثر تحمّل المسؤولية رغم ما أحاط بها من مخاطر، مستندًا إلى التفويض والقبول الشعبي الواسع، ومقتنعًا بأن الحفاظ على الدولة يستوجب قبول أثمان باهظة قد يدفعها القائد قبل غيره، ثم لم تنتهِ هذه المواجهة بانتهاء المرحلة الانتقالية؛ فخلال السنوات التالية تعرض الرئيس السيسي، ومعه عدد من معاونيه وأفراد أسرته، لحملات إعلامية وسياسية حادة قادتها جهات معارضة، كان من بينها منصات إعلامية مرتبطة أو متعاطفة مع جماعة الإخوان، وبدا أن الهدف من تلك الحملات كان تقويض الثقة الشعبية في قيادته وإضعاف الالتفاف حول مؤسسات الدولة،
ثم يأتي السؤال الذي يتجاوز الوصف السياسي إلى المجال الأخلاقي والتاريخي: ماذا قدم الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصر بعد توليه السلطة عقب ثورة التصحيح الجديدة في 30 يونيو؟
إن التاريخ لا يقيس القادة بما يقولون، بل يقيسهم أكثر بما يتركونه من أثر، ولم تكن السنوات التي أعقبت توليه الرئاسة مجرد سنوات حكم، بل كانت مرحلة لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس جديدة، بعد فترة اتسمت باضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية، فقد اتجهت الدولة، في عهده، إلى تنفيذ مشروعات واسعة في البنية التحتية، شملت إنشاء شبكة جديدة من الطرق والكباري، ومدن عمرانية، وتوسيع الموانئ، وتطوير قطاع الطاقة، وإطلاق مشروعات قومية مثل تنمية منطقة قناة السويس، إلى جانب برامج لإصلاح الاقتصاد واستعادة الاستقرار المالي، رغم ما صاحب بعضها من أعباء اجتماعية وتحديات معيشية.
كما شهدت تلك المرحلة إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وتطوير قدرات القوات المسلحة والشرطة، وتكثيف جهود مكافحة الجماعات المسلحة والقضاء على الإرهاب، مع تبني سياسة خارجية سعت إلى تنويع الشراكات الإقليمية والدولية وتعزيز دور مصر في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، بالإضافة إلى استعادة وضع مصر على الساحة الدولية، وهذا واضح وضوح الشمس من تقدير زعماء ورؤساء وملوك دول العالم لشخصية الرئيس وانجازاته ودور مصر وقرارها الحاسم في الأوضاع الدولية الساخنة.
ويهمني في النهاية وبمناسبة احتفالنا بذكرى ثورة 30 يونيو هذه الأيام، أن أكرر مسئولية الشعب المصري في حقبة ما بعد الثورات، فأخطر ما تواجهه الأمم بعد لحظات التحول الكبرى هو الاعتقاد بأن المهمة قد انتهت، بينما الحقيقة أن البداية الحقيقية لأي تغيير هي ما بعد لحظة التغيير نفسها، فلقد سقطت دول وثورات في التاريخ ليس لأنها لم تنتصر، بل لأنها لم تعرف ماذا تفعل بعد الانتصار.
فالثورة ليست لحظة غضب، بل مشروع طويل لإعادة بناء الدولة، وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من التجارب التاريخية الكبرى، فهو أن إسقاط نظام سياسي أسهل كثيرًا من بناء نظام جديد مستقر وعادل وقادر على الاستمرار.
وهنا يأتي دور الشعب بعد 30 يونيو، فواجب الشعب لا ينتهي عند تأييد لحظة التغيير، بل واجبه أن يفهم أن بناء الدول ليس فعلًا لحظيًا، بل تراكم طويل من التعليم والإنتاج والعدالة والاستقرار، وأن يحافظ على الدولة من التآكل الداخلي، لأن أخطر ما يهدد الأمم ليس عدوًا خارجيًا، بل انقسامها على نفسها، ولأن انهيار المؤسسات يعني انهيار فكرة الدولة نفسها، وأن يشارك في البناء الاقتصادي، لأن الدولة لا تُحمى فقط بالأمن، بل بالإنتاج والعمل والمعرفة، وأن يرفض الاستقطاب الحاد الذي يقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، لأن الانقسام هو المدخل التاريخي لتآكل الدول من الداخل، والأمم لا تموت حين تسقط في الشوارع، بل تموت حين تفقد قدرتها على البناء بعد أن تهدأ الشوارع.
إن اختيار الشعب للقائد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم يكن فقط اختيار لقيادة في مرحلة معقدة، بل كان اعتراف بزعامة تاريخية، وقيادة تحويلية في مسار أمة عمرها بدأ منذ فجر التاريخ، وإعادة لكتابة حكاية ملحمية جديدة من حكايات الشعب المصري في لحظات المصير، فهناك لحظات في عمر الدول لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدرتها على إعادة تشكيل معنى الدولة نفسها، وهذا المعنى هو ما ناضل القائد من أجله وهو يحمل كفنه على يديه!
لم يكن الرئيس عبد الفتاح السيسي يومها يغامر بمنصب، بل كان يغامر بحياته. ولولا التضحية الكبيرة التي قدمها الرئيس السيسي في 30 يونيو، لوجد اليوم أكثر من مائة وعشرين مليون مصري أنفسهم في مسار تاريخي مختلف، تحت حكم جماعة لم تكن مشروع حكم عابر، بل مشروعًا لتغيير هوية الدولة المصرية نفسها. ولهذا فإن الثلاثين من يونيو، ثورة لا يُنظر إليها باعتبارها يومًا تغير فيه رئيس، بل يومًا أُنقذت فيه دولة، ولم يكن نهاية قصة، بل كان بداية فصل طويل من إعادة تعريف الدولة المصرية لنفسها…
أما أنا، فلا أكتب بصفتي مؤرخًا ولا سياسيًا، بل بصفتي مواطنًا مصريًا، سيبقى في وجدانه أن رجلًا قَبِل أن يكون في مرمى الخطر حتى يقف الشعب بعيدا عنه، وحمل كفنه على يديه ليحيا وطن كامل ونعيش نحن ابناءه في أمن وسلام.
وإن كان لي أن أقول كلمة أخيرة في ذكرى ثورة 30 يونيو، فهي شكرا للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي خاطر بحياته لتبقى مصر ونبقى نحن.















0 تعليق