قال الدكتور سيد عبدالبارى، رئيس القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، إن ثورة ٣٠ يونيو أعادت ضبط المشهد الدينى فى مصر، بعدما تعمدت جماعة الإخوان منذ نشأتها إثارة الجدل حول الهوية الدينية والتراثية لمصر، مع استهداف أن تكون بديلًا عن الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية، ليس فى مصر وحدها، وإنما فى العالمين العربى والإسلامى.
وأوضح «عبدالبارى»، خلال حديثه لـ«الدستور»، أن وزارة الأوقاف نجحت على مدار السنوات الماضية فى اقتلاع جذور الجماعة من داخلها عبر حزمة من الإجراءات التنظيمية والضوابط الإدارية الصارمة، مؤكدًا أن مواجهة الأفكار المتطرفة مستمرة، وتعتمد على الفكر والتعاون بين المؤسسات المعنية لضبط الخطاب الدينى وحماية المساجد والمنابر من محاولات التغلغل والاختراق.
■ مع اقتراب ذكرى ثورة ٣٠ يونيو.. ما تقييمك لأوضاع المؤسسات الدينية والأوقاف والمساجد التاريخية خلال فترة حكم الإخوان؟
- فترة حكم جماعة الإخوان اتسمت بحالة من الجدل حول قضايا الهوية الدينية والتراثية، خاصة فيما يتعلق ببعض المزارات التاريخية المرتبطة بآل البيت، رضى الله عنهم، وقد أثارت بعض الأطروحات الفكرية مخاوف لدى المهتمين بالتراث الإسلامى المصـرى من إمكانية التأثير على الخصوصية الدينية والثقافية التى تميز المجتمع المصـرى، والذى عُرف عبر تاريخه الطويل باحترامه لآل البيت ومزاراتهم ومكانتهم فى وجدان المصريين.
وجماعة الإخوان الإرهابية نشأت فى ظروف وملابسات غامضة، وكان الهدف منها أن تكون بديلًا عن المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف.
وقد أدرك عدد من العلماء هذا الخطر منذ البداية، خاصة أن قيادة الدعوة والفتوى أُسندت منذ بداية نشأة الجماعة إلى أفراد لم يتأهلوا علميًا ولم يدرسوا العلوم الشرعية بشكل كافٍ.
والجماعة سعت منذ نشأتها إلى الإمساك بزمام الدعوة الدينية فى مصر، ثم فى العالمين العربى والإسلامى، مستندة إلى «منهج ميكيافيللى» وأدوات وأفكار تتطور تدريجيًا، مع استخدام أساليب متعددة للتأثير، سواءً عبر محاولة إدخال أفكارها إلى داخل المؤسسات الدينية الرسمية أو من خلال السيطرة على بعض المساجد بطرق غير مباشرة، وصولًا إلى التمكن التدريجى من مفاصل التأثير الدعوى.
وقد عملت الجماعة الإرهابية أولًا على إدخال أفكارها إلى الأزهريين، ثم وصلت إلى المساجد لا من باب الدعوة الصريحة، بل من أبواب أخرى وطرق مختلفة، ونجحت فى استقطاب عدد من شباب الأزهر الشريف ومن شباب وزارة الأوقاف فى تلك الأوقات المبكرة، لعدم وضوح الرؤية لدى هؤلاء الشباب، وسار الأمر على ذلك حتى سبعينيات القرن الماضى، إلى أن جاءت السلفية وتغلغلت هى الأخرى.
■ ما الهدف الأساسى الذى سعت إليه الجماعة من اختراق المؤسسات الدينية؟
- الإخوان، كما استغلت الأزهر، استغلت الفكرة السلفية، فأصبح هناك «سلفيون إخوان» أو «إخوان متسلفون»، وهم يحملون الفكرة السلفية من حيث العقائد والمشارب، لكنهم يتبعون الإخوان من حيث التنظيم.
وبعدها بدأت الجماعة فى تجديد وسائل اقتحام عقول الشباب، سواءً عن طريق المساجد أو عن طريق الإعلام، مع التركيز على العمل على الأرض وفى المناسبات والشئون الاجتماعية، واستطاعت وقتها أن تتغلغل فى الأزهر الشريف، وفى مساجد وزارة الأوقاف، وفى الجمعيات الاجتماعية والدينية، خاصة عبر مكاتب تحفيظ القرآن الكريم. وكما قلت، فقد سعت الجماعة منذ نشأتها إلى الإمساك بزمام الدعوة والدين فى مصر، ثم فى العالمين العربى والإسلامى، بل وعلى مستوى العالم، وقد تطورت هذه الأهداف مع الوقت حتى وصلت إلى مرحلة «اختمار» الفكرة ونضجها، بحيث أصبح الهدف هو التأثير فى مسار المؤسسات الدينية الرسمية، حتى وصل الأمر إلى وجود تأثير فى بعض المواقع القيادية داخل وزارة الأوقاف، بما يعكس اتساع دائرة النفوذ والتأثير فى بعض المراحل. وقد شهدت المساجد فى مراحل لاحقة حالة من الاضطراب الفكرى والتباين الواضح بين الأئمة، فقد تأثر بعضهم بأفكار وتنظيمات معينة، بينما كان آخرون بعيدين عن القضايا العامة أو يعانون من ضعف فى التكوين العلمى، ما انعكس على الخطاب الدينى على المنابر.
■ كيف تغيّر الأمر بعد ثورة ٣٠ يونيو؟
- بعد ثورة ٣٠ يونيو بدأت مرحلة إعادة ضبط للمشهد الدينى داخل المساجد، وتبعتها إجراءات تنظيمية وإدارية مشددة لضبط العمل الدعوى، شملت المتابعة الدقيقة للأئمة وتفعيل المحاسبة وتطوير أدوات الرقابة، بما فى ذلك متابعة المحتوى الإلكترونى، باعتباره امتدادًا للمنبر.
وبعدها تمت عملية مواجهة واقتلاع جذور جماعة الإخوان الإرهابية من داخل وزارة الأوقاف، عبر حزمة من الإجراءات التنظيمية والإدارية الصارمة، التى قادها وزير الأوقاف السابق الدكتور محمد مختار جمعة، وتميزت هذه المرحلة بالحسم والسرعة فى التعامل مع أى مؤشرات فكرية أو تنظيمية، حتى وإن كانت على مستوى التلميح أو الإشارة، وليس فقط التصريح المباشر.
وشملت الإجراءات إحالة المخالفات إلى الشئون القانونية ولجان القيم والنيابة الإدارية، مع تفعيل المتابعة الدقيقة للأئمة من خلال التفتيش على خطبة الجمعة، ثم تم تطوير المنظومة لاحقًا إلى مستوى «الحوكمة» والمتابعة الشاملة فى ظل التحول الرقمى، عبر إنشاء منظومة إلكترونية لمتابعة الأئمة وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى، باعتبار أن صفحة الإمام أصبحت امتدادًا لمنبره، ما عزز الرقابة والمسئولية على الخطاب الدينى فى كل فضاءاته.
وجاءت هذه الجهود ضمن تعاون مؤسسى بين وزارة الأوقاف والأزهر والأجهزة المعنية، ما أسهم فى تجفيف منابع التأثير الفكرى، مع التأكيد أن المواجهة مع الأفكار المتطرفة ليست مؤقتة، بل مستمرة، لأنها أفكار قابلة للتجدد بأشكال مختلفة، ما يجعل التعامل معها عملية مستمرة، تعتمد على الفكر والمؤسسات والإجراءات التنظيمية لضبط الخطاب الدينى وحمايته.
■ ماذا عن أوضاع مساجد آل البيت؟
- قبل عام ٢٠١٣، كانت بعض مساجد آل البيت فى حاجة إلى برامج تطوير وترميم شاملة للحفاظ على قيمتها الدينية والتاريخية، خاصة مع تزايد أعداد الزائرين واحتياج المرافق والخدمات إلى التحديث، كما تطلبت بعض المساجد التاريخية تدخلات متخصصة لصون عناصرها المعمارية والزخرفية، بما يتناسب مع مكانتها فى وجدان المصريين والعالم الإسلامى.
وقد مثلت ثورة ٣٠ يونيو نقطة تحول مهمة فى هذا الملف، بعد أن أدرجت الدولة المصرية مساجد آل البيت ضمن رؤية متكاملة للحفاظ على التراث الدينى والحضارى المصرى، وانتقل الاهتمام من أعمال الصيانة المحدودة إلى مشروعات تطوير شاملة تضمنت الترميم المعمارى، وتحديث البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتطوير الساحات والمناطق المحيطة بالمساجد بما يليق بقيمتها الروحية والتاريخية.
وأيضًا شهدت السنوات الماضية تنفيذ مشروعات كبرى لتطوير عدد من أهم مساجد آل البيت، وفى مقدمتها مسجد الإمام الحسين، ومسجد السيدة زينب، ومسجد السيدة نفيسة، رضى الله عنهم جميعًا، وتميزت هذه المشروعات بالاعتماد على دراسات أثرية وهندسية متخصصة، واستخدام أحدث أساليب الترميم مع الحفاظ الكامل على الطابع التاريخى والأثرى للمساجد.
وشملت الأعمال ترميم العناصر المعمارية والزخرفية، وتطوير أنظمة الإضاءة والصوتيات، وتحسين الساحات والمداخل والخدمات المقدمة للزائرين، بالتنسيق بين الجهات المعنية بالآثار والأوقاف والجهات الهندسية المختصة، بما يضمن الحفاظ على الهوية التاريخية لكل مسجد وإبراز قيمته الدينية والحضارية.
وأسهم تطوير مساجد آل البيت فى تعزيز السياحة الدينية والثقافية وإبراز مكانة مصر، باعتبارها من أهم الحواضن التاريخية لتراث آل البيت فى العالم الإسلامى، كما ساعد تطوير المناطق المحيطة وتحسين الخدمات والبنية التحتية على زيادة جاذبية هذه المزارات للزائرين من داخل مصر وخارجها، وإدراجها ضمن مسارات السياحة الدينية والثقافية.
ولم تقتصر نتائج هذه المشروعات على الجانب العمرانى، بل حملت رسالة حضارية تؤكد حرص الدولة المصرية على صون تراثها الدينى والتاريخى، بما يعزز من قوتها الناعمة ويبرز دورها التاريخى فى الحفاظ على الموروث الإسلامى.
وهذه التجربة عكست فلسفة الجمهورية الجديدة، القائمة على الجمع بين الحفاظ على التراث وتطويره فى الوقت نفسه، وقد حرصت الدولة على صون القيمة التاريخية والأثرية للمساجد، مع الارتقاء بالخدمات والمرافق المحيطة بها، بما يمكنها من أداء رسالتها الدينية والثقافية والحضارية بصورة أفضل.
كما تجسد هذه الجهود رؤية شاملة، تعتبر التراث الدينى جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية وأحد روافد القوة الناعمة المصرية، ولذلك امتدت أعمال التطوير إلى تحسين المشهد الحضارى للمناطق المحيطة وتعزيز السياحة الدينية والثقافية وربط الماضى العريق بالحاضر والمستقبل.
فى تقديرك.. ما الرسائل التى تعكسها تجربة ضبط الخطاب الدينى بعد الثورة على الإخوان؟
- تكشف هذه التجربة عن إدراك الدولة أهمية الأمن الفكرى، باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الوطنى، ومن ثم جاء الاهتمام بضبط المنابر وتجديد الخطاب الدينى بالتوازى مع تطوير المساجد، خاصة أن المسجد ليس فقط مكانًا للعبادة، بل مؤسسة لبناء الوعى وترسيخ القيم والانتماء الوطنى. وكذلك أبرزت أن الحفاظ على التراث الدينى يمثل جزءًا لا يتجزأ من حماية الهوية المصرية وصون تاريخها الحضارى.















0 تعليق