واشنطن وطهران «تختبران» فرص «نجاح» الاتفاق في سويسرا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في تطور قد يرسم ملامح مرحلة جديدة من التهدئة في الشرق الأوسط، اختتمت الولايات المتحدة وإيران الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى في منتجع بورغنشتوك السويسري، بعد مفاوضات استمرت حتى ساعات الفجر الأولى من الاثنين وأسفرت عن اتفاق على خارطة طريق تمتد لـ60 يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول عدد من الملفات الإقليمية والأمنية المعقدة.

وأثار الإعلان عن نتائج المحادثات حالة من "التفاؤل الحذر" في الأوساط السياسية الأمريكية والدولية، لا سيما أن المباحثات تناولت قضايا شديدة الحساسية تتجاوز الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، لتشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز والحرب في لبنان، وهما ملفان شكلا خلال الأشهر الماضية بؤرتين رئيسيتين للتوتر في المنطقة.

واستمرت المباحثات الأمريكية الإيرانية نحو 18 ساعة متواصلة قبل أن يعلن الوسطاء القطريون والباكستانيون التوصل إلى تفاهمات أولية تمهد لاتفاق نهائي خلال مهلة الستين يومًا المقبلة، مع بدء فوري للمحادثات الفنية التي ستتواصل طوال الأسبوع الجاري في سويسرا.

وعقب انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات وانطلاق المحادثات التقنية بين واشنطن وطهران، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن “الكل يدرك أن إيران ستوافق على الخضوع لعمليات تفتيش شاملة للأسلحة لضمان النزاهة النووية على المدى البعيد”، في إشارة إلى تمسك الإدارة الأمريكية بآليات رقابة صارمة وطويلة الأمد ضمن أي اتفاق محتمل مع طهران.

وشهدت المحادثات مشاركة وفود سياسية واقتصادية رفيعة المستوى من الجانبين، حيث قاد نائب الرئيس الأمريكي  جيه دي فانس، إلى جانب المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، الوفد الأمريكي  المفاوض، في إطار المسار الدبلوماسي الذي تتبناه إدارة الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات الخلافية بين واشنطن وطهران.

في المقابل، ترأس رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الوفد الإيراني، بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي الذي تولى متابعة الملفات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالمفاوضات.

كما لعب الوسطاء القطريون والباكستانيون دورًا محوريا  في إدارة جلسات التفاوض وتقريب وجهات النظر بين الطرفين، لا سيما خلال فترات التوتر التي شهدتها المحادثات، حيث أسهمت الوساطة المشتركة في الحفاظ على قنوات الاتصال واستمرار المفاوضات حتى التوصل إلى خارطة الطريق المعلنة

وأفادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بأن الوفد الإيراني عاد إلى طهران بعد انتهاء الجولة الأولى من المشاورات، فيما ستواصل الفرق الفنية مناقشة التفاصيل المتعلقة بالملفات المطروحة على طاولة التفاوض.

من جهتها، رحبت وزارة الخارجية السويسرية بالتقدم الذي تحقق خلال المفاوضات، مؤكدة أن خارطة الطريق المتفق عليها توفر الظروف اللازمة لاستئناف المحادثات الفنية بشكل فوري، ومشددة على استمرار دعم برن للجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الاستقرار.

وكشف البيان المشترك للوسطاء أن الطرفين اتفقا على إنشاء آلية للتعامل مع الحرب في لبنان، بالتوازي مع تدشين قناة اتصال تهدف إلى ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، في خطوة تعكس إدراكًا  مشتركا  لحساسية هذين الملفين وانعكاساتهما على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

وجاءت هذه التفاهمات بعد فترة من التصعيد شهدت إعلان إيران إعادة إغلاق مضيق هرمز، متهمة الولايات المتحدة بعدم الالتزام بتعهداتها المتعلقة بوقف القتال في لبنان، ما أثار مخاوف من اضطرابات واسعة في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.

وتفاعلت أسواق النفط سريعًا مع أجواء المفاوضات، حيث تراجع سعر خام برنت بأكثر من دولار ليصل إلى 79.44 دولارًا للبرميل، في إشارة إلى تراجع المخاوف من أزمة محتملة في الإمدادات النفطية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد برر موافقته على مذكرة التفاهم التي مهدت للمفاوضات بأنها تهدف إلى تجنب تداعيات اقتصادية واسعة قد تنتج عن استمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

ورغم التفاهمات التي خرجت بها الجولة الأولى، شهدت المفاوضات لحظات توتر بعد تصريحات للرئيس الأمريكي حذر فيها إيران من محاولة إغلاق مضيق هرمز مجددًا، مؤكدًا أنها "لن يبقى لديها بلد" إذا أقدمت على هذه الخطوة.

كما كرر ترامب تهديده بإمكانية فرض سيطرة أمريكية على الممر المائي الاستراتيجي وفرض رسوم على حركة العبور فيه، الأمر الذي أثار اعتراض الجانب الإيراني.

وذكرت وكالة "تسنيم" الإيرانية أن الوفد الإيراني رفض العودة إلى قاعة المفاوضات عقب انتشار تلك التصريحات، قبل أن تستأنف الاتصالات بصورة غير مباشرة عبر الوسطاء القطريين والباكستانيين، ما سمح باستكمال الجولة الأولى والوصول إلى التفاهمات المعلنة.

وفي أول تعليق رسمي على نتائج المحادثات، أكد نائب الرئيس الأمريكي أن المفاوضات أحرزت "تقدمًا جيدًا للغاية" مشيرًا إلى التوصل إلى آلية لضبط وقف إطلاق النار في لبنان بين إسرائيل وحزب الله.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تثبيت تهدئة إقليمية أوسع من خلال آليات لفض الاشتباك ومنع توسع دائرة الصراع.

وفي السياق ذاته، أعلن وزير الخزانة الامريكي إصدار ترخيص مؤقت لمدة 60 يومًا يسمح بإنتاج وبيع النفط الإيراني، في خطوة تعكس استعداد واشنطن لتقديم حوافز اقتصادية مرتبطة بمسار التفاوض.

على الجانب الإيراني، قدمت القيادة الإيرانية نتائج المحادثات باعتباره مؤشرًا على نجاح دبلوماسي يعزز موقع طهران الإقليمي.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إيران تتصدر اليوم الأخبار العالمية ويذكر  اسمها "بعزة وفخر "، معتبرًا أن ما تحقق هو ثمرة الوحدة الوطنية والتكاتف الداخلي.

تكشف مخرجات محادثات بورغنشتوك عن تحول لافت في طبيعة الحوار بين واشنطن وطهران، إذ تجاوزت المفاوضات الإطار التقليدي المرتبط بالعقوبات والملف النووي لتشمل قضايا أمنية وإقليمية أكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز ومستقبل التهدئة على الجبهة اللبنانية.

وفي الوقت نفسه، فإن الاتفاق على خارطة طريق لمدة 60 يومًا لا يعني أن العقبات الرئيسية قد تم تجاوزها، بل يمثل اختبارًا لقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية وسط بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات القوى المحلية والدولية.

ويبدو أن الملف اللبناني سيكون المعيار الأبرز لقياس نجاح هذا المسار، نظرًا لارتباطه المباشر بالتوازنات الإقليمية وبالعلاقات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.

وتبرز أهمية الملف اللبناني في وقت تواصل فيه إسرائيل رفض سحب قواتها من  "المنطقة الأمنية"  في جنوب لبنان، معتبرة أن الانسحاب من “الخط الأصفر” يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه في المرحلة الحالية.

وبين المساعي اللبنانية لتثبيت وقف إطلاق النار والضغوط الدولية الرامية إلى منع تجدد المواجهات، ستشكل التطورات الميدانية على الحدود الجنوبية الاختبار الحقيقي لمدى قدرة التفاهمات التي خرجت بها مفاوضات سويسرا على الصمود.

ومع بدء العد التنازلي لمهلة الستين يومًا،تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح في إرساء أسس تسوية أوسع تخفف من حدة التوتر في المنطقة، أم أنها ستكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق