من مقابر طيبة إلى قاع المحيط الأطلسي.. هل تسببت «المومياء المشؤومة» في غرق السفينة تايتانيك؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«يؤكد البعض أن السفينة الشهيرة تايتانيك كانت بها مومياء داخل صندوق مُهربة إلى أمريكا، وهي السبب الرئيسي في غرق السفينة».. بهذه الكلمات يعيد كتاب "الآثار المصرية.. قضايا ومضبوطات" للدكتور يوسف حامد خليفة، مدير إدارة المضبوطات الأثرية والمسروقات بالمجلس الأعلى للآثار، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في الصفحة رقم 23 منه، أسطورة المومياء التي أغرقت السفينة تايتانيك في قاع المحيط الأطلسي، لتعود إلى الحياة مرة ثانية رغم غرقها في 10 أبريل عام 1912، ورغم اكتشاف حطامها في 1 سبتمبر 1985.

 

75add0c22e.jpg

 

ما ذكره د. يوسف خليفة قد نُشر في الثاني عشر من مايو 1912، أي بعد أقل من شهر على غرق السفينة تايتانيك، في صحيفة "واشنطن بوست" تحت عنوان: "شبح التيتانيك.. لعنة المومياء تلاحق الرجل الذي كتب تاريخها"، حيث استهل كاتب المقال تقريره بطرح هذا السؤال: «هل كانت الروح الانتقامية لكاهنة مصرية توفيت في مدينة "طيبة" المقدسة قبل ميلاد المسيح بـ 1600 عام، حاضرة على متن التيتانيك، لتلاحق بحقد أزلي لا يموت أولئك الذين انتهكوا حرمة قبرها ودنسوا ذكراها؟».

هل كانت مصر تمنع تهريب الآثار إلى الخارج عام 1912؟

يمكن القول إن عام 1912 كان عامًا مفصليًا في تاريخ حماية التراث المصري؛ ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تشهد نشاطًا مكثفًا للبعثات الأجنبية واستمرار تهريب الآثار إلى الخارج، صدر القانون رقم 14 لسنة 1912 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني لتنظيم الحفائر والاتجار في الآثار، وهو القانون الثالث ضمن سلسلة التشريعات الخاصة بحماية الآثار ومعاقبة سرقتها، بعد مرسوم محمد علي عام 1835، الذي يُعد أول تشريع مصري لحماية الآثار ومنع تصديرها دون إذن حكومي، وصدور لوائح 1869 و1874 لتنظيم أعمال الحفائر واعتبار الآثار غير المكتشفة ملكًا للحكومة المصرية.

 أما القانون رقم 14 لسنة 1912، فرغم صدوره، إلا أنه لم يمنع نهائيًا خروج الآثار من مصر، وهو ما استمر حتى صدور قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 الذي أغلق الباب قانونيًا أمام تصدير الآثار المصرية.

 

آر إم إس تايتانيك تغادر بلفاست واثنين من القاطرات توجهها 2 أبريل 1912(في الواقع كان هناك خمسة القاطرات المستخدمة)

 

ما كشفه المتحف البريطاني عن "المومياء المشؤومة"؟

بحسب ما ورد على موقع المتحف البريطاني من بيانات حول ما يُعرف بـ"المومياء المشؤومة" (The Unlucky Mummy)، فهي في الحقيقة ليست مومياء كاملة، بل غطاء تابوت داخلي (Mummy Board أو Inner Coffin Lid) لامرأة مصرية مجهولة الهوية، محفوظ في المتحف البريطاني.

وجاء في بيانات القطعة الأثرية أن الاسم الشائع هو: The Unlucky Mummy (المومياء المشؤومة)، ورقم التسجيل بالمتحف البريطاني EA 22542، ونوع الأثر غطاء تابوت داخلي لامرأة محنطة، وليس مومياء كاملة، ويعود تاريخه إلى نحو 950–900 قبل الميلاد، أي أواخر الأسرة الحادية والعشرين أو بداية الأسرة الثانية والعشرين.

 

المومياء الموجودة في المتحف البريطاني
المومياء الموجودة في المتحف البريطاني

أما مكان اكتشافها المرجح فهو طيبة (الأقصر الحالية)، وهي مصنوعة من الخشب المغطى بطبقة من الجص الملون، ويبلغ طولها نحو 168.5 سم، والعرض 38 سم تقريبًا. ولا يُعرف اسم صاحبة التابوت على وجه اليقين، لأن النصوص الهيروغليفية الموجودة عليه قصيرة جدًا وتضم صيغًا دينية فقط، ولا تذكر اسم المتوفاة، ويرجح علماء المصريات أنها كانت سيدة ذات مكانة اجتماعية ودينية رفيعة في طيبة.

"الدستور" تواصلت مع د. يوسف حامد خليفة"، وحول مصدر ما ورد في كتابه، أكد أنه سمع المعلومة من البعض دون مصدر محدد، وأنه سيعيد البحث مرة أخرى، وأنه في حال توصله إلى معلومة في هذه القضية سيتواصل معنا مجددًا.

 

تحميل كتاب الآثار المصرية قضايا ومضبوطات ل د يوسف حامد خليفة pdf - مكتبة نور

 

مؤلفات تكشف أبعادًا أخرى حول الواقعة؟

بحسب ما ورد في موقع المتحف البريطاني، واستنادًا إلى العديد من المراجع، منها: كتاب "أطلس المدافن واللوحات الجنائزية" (PM I)، الجزء الثاني: الصفحات 827-828، ونيفنسكي "توابيت الأسرة الحادية والعشرين"، الصفحة 151 (260) مع المراجع السابقة، ون. سترودويك "روائع مصر القديمة"، لندن 2006، الصفحات 242-243، ورد: "لعل الشهرة الأوسع لهذه القطعة الأثرية تعود إلى ذلك التاريخ الفولكلوري الغريب المنسوب إليها؛ إذ اكتسبت في الوعي الشعبي لقب 'المومياء المنحوسة'، واقترن اسمها بسمعة طاردة للحظ تجلب المصائب. ورغم أنه لا يوجد أي أساس من الصحة لهذه القصص، إلا أن قوة الشائعات وتجددها بين الحين والآخر كانت تتسبب في تدفق سيل جارف من الاستفسارات على المتحف".

وتقول الرواية المتداولة إن أحد أربعة مسافرين إنجليز شباب اشترى "غطاء المومياء" أثناء رحلة إلى مصر خلال ستينيات أو سبعينيات القرن التاسع عشر، ولاحقًا لقي اثنان منهم حتفهما أو أُصيبا بجروح خطيرة في حوادث إطلاق نار، بينما مات الآخران في فقر مدقع بعد فترة وجيزة. ثم انتقلت ملكية الغطاء إلى شقيقة أحدهم، وما إن دخل بيتها حتى تتابعت المصائب على قاطنيه. 

ويُزعم أيضًا أن العرّافة "هيلينا بلافاتسكي" استشعرت طاقة شريرة في المنزل، تبين أنها مصدرها غطاء المومياء، فنصحت بالتخلص منه، وبناءً على ذلك أُهديت القطعة إلى المتحف البريطاني. أما القصة الأكثر غرابة فهي أنها كانت على متن سفينة "تيتانيك" في رحلتها الأولى والأخيرة عام 1912، وأن وجودها تسبب في اصطدام السفينة بجبل جليدي وغرقها.

وغني عن القول إنه لا توجد أي حقيقة في هذه الادعاءات؛ فالقطعة الأثرية لم تغادر المتحف البريطاني قط، باستثناء خروج مؤقت للمشاركة في معرض عام 1990. وبذلك لا يمثل هذا الغطاء مجرد قطعة أثرية استثنائية من العالم القديم، بل يجسد أيضًا نموذجًا صارخًا لكيفية انبعاث حياة موازية وحديثة للآثار المصرية في المخيلة المعاصرة.

الأهمية الأثرية والخصائص الفنية

وبحسب المؤلفات سابقة الذكر، كانت أغطية المومياوات (أو اللوحات الخشبية الفوقية) تُوضع مباشرة فوق المومياء، والتي تستقر بدورها داخل تابوت خشبي أو اثنين مزينين بأسلوب زخرفي مماثل تمامًا. ويُقال إن المومياء الأصلية التي يخصها هذا الغطاء قد تُركت في مصر. ولا توجد نقوش على الغطاء تحدد هوية المتوفى، ويُعزى ذلك غالبًا إلى أن هذه المهمة كانت موكلة للتوابيت الخارجية.

صُنعت هذه اللوحة من الخشب وكُسيت بطبقة من الجبس (الملاط) لتكون بمثابة أرضية للرسم، مع تشكيل العديد من العناصر الزخرفية ونحتها بارزة داخل الجبس لإعطائه مظهر النقش البارز (الريليف). وقد نُفذت الزخارف بعناية فائقة وبألوان شملت الأحمر والأزرق والأخضر بدرجتيه الفاتحة والداكنة، أما اللون الأصفر المهيمن على المظهر العام للقطعة فيعود إما لاستخدام أرضية صفراء في البداية أو بسبب طبقة "الورنيش" التي طليت بها القطعة بعد إنتاجها، والتي تحول لونها تدريجيًا إلى الأصفر بفعل الزمن.

وعند كتفي الغطاء يمتد طوق ملون ضخم، تتدلى تحته سلسلة من المشاهد المعقدة، تضم صورًا لقرود البابون وهي تتعبد للشمس، وتجسيدات للإله "أوزيريس"، والعديد من الآلهة الحامية، بما في ذلك اسم الملك "أمنحتب الأول"، الذي كان يُعبد كإله محلي في طيبة (الأقصر حاليًا).

لم تكن وظيفة التابوت تقتصر على كونه مجرد حاوية لحفظ الجسد، بل كان يُنظر إليه كـ"كون مصغر" (Microcosm) يضع المتوفى في سياق البيئة الأشمل للمجرة والكون نفسه؛ ومن هنا تبرز بقوة الرموز الشمسية والأوزيرية الضرورية لمساعدة المتوفى على البعث والولادة من جديد. وتُعد زخارف الأسرة الحادية والعشرين النموذج الأكثر تعقيدًا وفخامة لتجسيد هذا المفهوم الفلسفي القديم.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق