«القصص».. حين لا يُهزم المصريون حتى في عزّ انكسارهم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لا أحب أن أكتب عن فيلمٍ خرجتُ منه كما دخلتُ إليه. والحق أنني لم أخرج من فيلم «القصص» كما دخلت. خرجت وفي داخلي شيء قديم يتحرك؛ ذاكرة شخصية لا تخصني وحدي، وخوف مصري عميق من أن يفوتنا القطار، ومن أن نمضي العمر ونحن نحاول أن ننجو من هزائم لا نعلنها لأحد. خرجت وأنا أفكر في أن بعض الأفلام لا تُشاهَد فقط، وإنما تُستعاد من داخلنا، كأنها كانت مختبئة في ركن من الذاكرة، تنتظر ضوءًا بعينه، أو جملة عابرة، أو وجه ممثل يصدق في لحظة، فيفتح بابًا كاملًا على ما كنا نظنه انتهى.

«القصص» ليس مجرد فيلم عن عائلة، ولا عن حكاية حب، ولا عن زمن مضى. هو، في تقديري، فيلم عن الإنسان حين يُوضَع أمام ضعفِه، ثم يُطلب منه أن يواصل الحياة كأن شيئًا لم يحدث. عن المصري الذي تعلّم، عبر عقود طويلة من التحولات والهزائم والخيبات الصغيرة والكبيرة، أن يخبئ انكساره في النكتة، وأن يحوّل الخوف إلى حركة، والارتباك إلى موسيقى، والهزيمة إلى احتمال جديد للنجاة. لهذا بدا الفيلم، رغم خصوصية حكايته، أقرب إلى سيرة اجتماعية لمصر الحديثة؛ مصر التي عاشت ما بعد الحرب، وتبدلات الطبقة والبيت والشارع والحلم، مصر التي كبرت وهي تحمل بداخلها جرحًا عامًا، وتُربي أبناءها في الوقت نفسه على أن الحياة لا تنتظر أحدًا.

أجمل ما في الفيلم أنه لا يرفع صوته. لا يضغط على مشاعرنا بقسوة، ولا يشرح لنا ما ينبغي أن نشعر به. يترك التفاصيل تعمل وحدها: الكادر، الإضاءة، الألوان، الموسيقى، صمت الشخصيات، وطريقة عبورها من زمن إلى آخر. الزمن هنا ليس خلفية للأحداث، وإنما شخصية كاملة. نحن لا نرى سنوات تمر فحسب، لكن نرى مصر وهي تتغير في البيوت والملابس واللغة والإيقاع الاجتماعي، في طموح الناس، في خوفهم من المستقبل، في علاقتهم بالحب، بالهجرة، بالفن، بالعائلة، وبفكرة النجاح نفسها.

الفيلم يلمس مناطق ضعفنا في مراحل الحياة المختلفة: ضعف الطفولة أمام أسئلة أكبر منها، وضعف الشباب أمام الحلم حين يصطدم بواقع قاسٍ، وضعف الأهل أمام أبنائهم حين لا يستطيعون حمايتهم من العالم، وضعف الإنسان أمام توقه لأن يكون شيئًا آخر غير ما فرضته عليه الظروف. وهنا تحديدًا تكمن إنسانية «القصص»؛ أنه لا يعامل الضعف بوصفه عيبًا، وإنما بوصفه جزءًا من تكويننا. كل شخصية في الفيلم تحمل هشاشتها الخاصة، وكل شخصية تبدو، في مستوى ما، رمزًا لشريحة من الحياة الاجتماعية المصرية، وفي الوقت نفسه فردًا شديد الخصوصية، له خوفه وجرحه ورغبته وحلمه المؤجل.

بناء الشخصيات في الفيلم شديد الوعي. لا توجد شخصية جاءت لتملأ فراغًا دراميًا أو لتؤدي وظيفة جاهزة. كل شخصية تحمل طبقة نفسية واجتماعية، وكل ظهور لها يضيف شيئًا إلى صورة أكبر: صورة البيت المصري وهو يتبدل، والرجل المصري وهو يحاول أن يثبت صلابته رغم ارتباكه، والمرأة المصرية وهي تحمل ما لا يُقال، والأبناء وهم يرثون أحلامًا ليست كلها أحلامهم، ويقاومون مصائر لم يختاروها بالكامل. هنا تظهر قيمة الكتابة القوية؛ كتابة تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى، لا بالشعارات الكبيرة التي تستهلكه.

ومن خلال هذه الكتابة، يظهر أيضًا أن لدينا فنانين قادرين على القراءة العميقة المثقفة الواعية للشخصية. لا أقصد فقط جودة الأداء بمعناه المباشر، وإنما أقصد ذلك النوع من التمثيل الذي يكشف أن الممثل لم يحفظ الدور، بل فهمه، عاش تاريخه غير المكتوب، وقرأ ما بين السطور. نيللي كريم في حضورها الإنساني والداخلي تؤكد مرة أخرى قدرتها على حمل الصمت كما تحمل الجملة. أحمد كمال يمنح الشخصية ثقلًا وخبرة ووجعًا مكتومًا لا يحتاج إلى مبالغة. صبري فواز، خالد مختار، كريم قاسم، عمرو عابد، شريف دسوقي، ناجي شحاته، وكل من ظهروا في هذا العالم، صنعوا معًا نسيجًا تمثيليًا صادقًا لا يقوم على النجومية الفردية وحدها، وإنما على الإيمان بأن الفيلم أكبر من أي دور منفرد.

أما أمير المصري، فكان بالنسبة لي مفاجأة كبيرة، رغم أنني لم أكن بعيدة عن رحلته. تابعت أعماله الأجنبية لأنني أحب دائمًا أن أشجع أبناء مصر الذين عاشوا بالخارج وحاولوا أن يصنعوا لأنفسهم مكانًا في عالم صعب، منذ بداياته مع محمد هنيدي، ثم تجاربه التالية، وعودته من جديد إلى مساحات أخرى خارج مصر، ثم رجوعه إلى السينما المصرية في «القصص». أمير المصري هنا ليس فقط ممثلًا يؤدي دورًا؛ هو في حد ذاته «قصة». في ملامحه شيء من الاغتراب والعودة، من الحلم والخوف، من الشاب الذي يحمل داخله أكثر من بلد وأكثر من ذاكرة. صدقته. أحببت ملامحه وتعبيراته. شعرت أنه يمثل بكل لمحة فيه، بعينيه قبل صوته، وبسكونه قبل حركته. هناك ممثلون يقولون الجملة جيدًا، وهناك ممثلون يجعلونك تصدق ما قبل الجملة وما بعدها، وأمير في هذا الفيلم كان من هذا النوع.

ولا يمكن الحديث عن «القصص» دون التوقف عند فاليري باشنر،الممثلة النمساوية، التي جاء اختيارها موفقًا إلى حد بعيد. وجودها لم يكن مجرد حضور أجنبي داخل حكاية مصرية، وإنما كان جزءًا من معنى الفيلم نفسه: فكرة اللقاء بين عالمين، بين ذاكرة مصرية وذاكرة أوروبية، بين حب يتجاوز اللغة وبين واقع يفرض على الحب امتحاناته. الكاستينج هنا لم يكن اختيار وجوه جميلة أو مناسبة شكليًا، وإنما كان اختيار طاقة درامية قادرة على خلق التوتر والدفء في الوقت نفسه. وما زاد هذا الخط الإنساني صدقًا هو حضور الممثل الذي أدى دور والدها؛ -والذي أغفل اسمه وجنسيته للأسف- فقد نقل لي، ببساطة شديدة ودون افتعال، إحساس الأب فعلًا: الأب الذي يخاف على ابنته، ويحاول أن يحميها بطريقته، حتى وهو لا يستطيع أن يمنعها من أن تختار مصيرها. في ملامحه، ونظراته، وطريقة صمته، كان هناك ذلك القلق الأبوي النبيل الذي لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يصل. وجوده أعطى علاقة إليزابيث بعائلتها عمقًا إضافيًا، وجعل الجانب النمساوي من الحكاية أكثر إنسانية ودفئًا، وليس مجرد خلفية مقابلة للعالم المصري.

الموسيقى كذلك كانت بطلًا خفيًا طوال الفيلم. لم تأتِ لتغطي على المشاعر، بل لتفتحها. اختيارات موسيقية لها تاريخ داخلنا، واعية، تعرف متى تتقدم ومتى تنسحب، متى تمنح المشهد دفئًا، ومتى تترك الصمت يقوم بدوره. في أفلام كثيرة تتحول الموسيقى إلى إشارة مباشرة تخبرنا: ابكوا الآن، تأثروا الآن. أما هنا، فالموسيقى لا تأمرنا بالشعور، لكنها ترافقنا إليه. وهذا فارق مهم بين التوظيف السهل للعاطفة، وبين بناء إحساس سينمائي محترم.

أعرف أنني لم أدخل هنا في التفاصيل النقدية الفنية كما ينبغي: لم أتوقف طويلًا عند كل كادر، ولا عند هندسة الضوء واللون، ولا عند انتقالات الزمن، ولا عند العلاقة بين المكان والذاكرة، ولا عند ما تخفيه بعض المشاهد من طبقات اجتماعية ونفسية. لم أفعل ذلك عن قصد، لأنني أريد أن أترك مساحة لمن لم يشاهد الفيلم بعد أن يدخل إليه بلا وصاية كاملة. أريدكم أن تعيشوا تجربتكم الخاصة معه، أن تتركوا الشخصيات تقترب منكم بطريقتها، وأن تكتشفوا بأنفسكم أين يلمسكم الفيلم، وفي أي لحظة بالضبط ستشعرون أنه لا يحكي عنهم فقط، بل عنكم أيضًا. سأكتب لاحقًا مقالًا فنيًا تفصيليًا عن الفيلم، عن عناصره البصرية والدرامية وما بين سطوره، لأن في هذا العمل ما يستحق قراءة ثانية وثالثة.

لكن اليوم، وبالتزامن مع فرحة مصر بفوزها التاريخي في كأس العالم، شعرت أن هذا هو الوقت المناسب للكتابة عن «القصص». لأن في الفيلم شيئًا يشبه معنى هذا الفوز. ليست المسألة كرة قدم فقط، وليست المسألة سينما فقط. المسألة أعمق: كيف يمكن لأمة، أو لفرد، أن يتأخر كثيرًا، ويتعثر كثيرًا، ويُكسَر كثيرًا، ثم يكتشف في لحظة ما أن النجاح لم يغلق بابه بعد؟ كيف يمكن للمصري، في عز إحباطه وخوفه من المستقبل والعالم الذي يجري حوله بسرعة قاسية، أن يجد داخله سببًا جديدًا للمحاولة؟

هذا، في رأيي، هو مرمى هدف «القصص». أن يقول لنا إننا، كمصريين، في عز هزيمتنا لا نُهزم بالكامل. ننكسر، نعم. نتأخر، نعم. نخاف، ونرتبك، ونفقد الثقة أحيانًا. لكننا نملك قدرة عجيبة على العودة، على صناعة معنى من الخسارة، وعلى تحويل الألم إلى حكاية، والحكاية إلى نجاة.

ادخلوا الفيلم. لا تبحثوا فقط عن القصة، لكن عن أنفسكم داخلها. انبسطوا، تأثروا، واتركوا له فرصة أن يلمس تلك المساحات الصغيرة التي نخفيها عادة خلف القوة والانشغال والضحك. وانتظروا مقالي القادم عن «القصص» بكل تفاصيله الفنية، لأن هذا الفيلم، في تقديري، لا يكفيه انطباع واحد، ولا مشاهدة واحدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق