دراما حياة «أبى الدرداء وأمها»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حياة مثيرة عاشها «أبوالدرداء» وزوجته «أم الدرداء»، حياة امتدت فيها الإثارة إلى واحدة من بناتهما، حضرت فى أحد المشاهد الخطيرة التى كان لـ«يزيد بن معاوية» دور البطولة فيه. 

و«أبوالدرداء» اسمه عويمر بن زيد بن قيس، وأمه محبة بنت واقد بن عمرو. وأول ما يستلفت النظر فى حياة هذا الصحابى الجليل أنه كان آخر أهل داره إسلامًا، فقد كان أخًا لعبدالله بن رواحة فى الجاهلية والإسلام، وكان الأخير قد أسلم من قبل، فى حين اختزن أبوالدرداء صنمًا فى داره يتعبّد له، وقد حدث أن جاء «ابن رواحة» لزيارة أخيه يومًا، فوجد هذا الصنم يتصدر المنزل، فأحضر مطرقة وأخذ يدق الصنم بها حتى حطمه أجزاء تناثرت فى المكان، ثم سار، ولم تستطع «أم الدرداء» منعه من ذلك، وحين عاد «أبوالدرداء» إلى المنزل، وعاين هذا المشهد، ثار وغضب، وإن هى إلا لحظات حتى استعاد هدوءه واتزانه، وبدأ عقله المفكر المتسائل فى العمل، لقد سأل نفسه: لماذا لم يدفع هذا الإله المزعوم الأذى عن نفسه؟ أحس الرجل بسخافة فعله حين تباطأ فى الاستجابة إلى دعوة النبى، صلى الله عليه وسلم، فى الدخول إلى الإسلام، فقرر «أبوالدرداء» ألا يتأخر أكثر، فهرول إلى النبى وشهد شهادة الحق. 

كان «أبوالدرداء» صاحب عقل مفكّر شغوف بالعلم والمعرفة، وربما كان السر فى تأخره عن الدخول فى الإسلام هو التفكير والتدبر، وتركيبته الشخصية التى لا تعرف الاندفاع، والدليل على ذلك تلك الأقوال التى كانت تتردد على لسانه بعد إسلامه وحملت أفكارًا عظيمة الحكمة ثرية المعانى، تؤشر إلى عمق استيعابه قيم الإسلام وأخلاقياته وتعاليمه. 

لقد كان «أبوالدرداء» مسلمًا غير عادى فى فكره وسلوكه.. يقول «ابن سعد» فى «طبقاته»: «شهد أبوالدرداء أُحدًا ونظر إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذٍ والناس منهزمون فى كل وجه فقال: (نعم الفارس عويمر)». وكان «أبوالدرداء» من علية أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأهل النية منهم، كما وصفه «صاحب الطبقات». إنه من الصحابة الأكابر الذين تبوأوا موقعًا خاصًا لدى النبى، سمح له بأن يصاحبه، صلى الله عليه وسلم، فى شتى الاتجاهات، وهو ما ساعده على رواية العديد من الأحاديث عن النبى الكريم.

أما زوجته «أم الدرداء» فقد كانت امرأة ذات حسن وجمال، وقد ازدان حسنها وجمالها بعقل متوثب إلى المعرفة، ونفس تعرف قيمة الزوج وعظمة ما يملكه من علم زانه التقوى والإيمان، فكانت تسأله فى كل شىء وعن كل شىء، رغبة فى التعلم منه. عاشت «أم الدرداء» روحًا محبة لزوجها ترى فيه رجلها الذى أهدته لها الأقدار فى الدنيا، ودعت ربها أن يكون شريكها فى العالم الآخر، حين تفضى إليه، عز وجل. إنها نموذج للزوجة التى اعتبرت زوجها مدرسة تتعلم فيها العلم وتكتسب عبرها سلوكياتها الإيمانية الرفيعة. 

كان «أبوالدرداء» عالمًا حقيقيًا، دائمًا ما يردد: «اطلبوا العلم، فإن عجزتم فأحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تكرهوهم»، ويربط ما بين العلم والعمل، ويرى ألا خير فى علم لا يتبعه عمل، ويقول: «ويل للذى يعلم ولا يعمل»، ويجد أن البشر صنفان: متعلم ومعلم، ويقول: «ألا فتعلّموا وعلّموا فإن العالم والمتعلم فى الأجر سواء، ولا خير فى الناس بعدهما».

حالة التواصلية بين «أبى الدرداء» و«أم الدرداء» قدمت نموذجًا للتفاعل بين الزوج والزوجة، فهى التى يشكو لها ويضع أمامها رأيه واستخلاصاته لأحوال العالم الذى يعيش فيه. يحكى «ابن الجوزى» صاحب كتاب «صفة الصفوة»: «عن أم الدرداء قالت: دخل علينا أبوالدرداء يومًا مغضبًا فقلت: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد، صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم يصلّون جميعًا». لقد سُئلت أم الدرداء ذات يوم عن زوجها: «ما كان أفضل عمل أبى الدرداء؟ قالت: التفكّر والاعتبار»، لقد استطاعت أن تلخص وتحدد مفتاح شخصية زوجها فى كلمتين دالتين، إذ كان الرجل يتفكّر فيما يتعلم أو يعلم أو ينصح أو يعلّم، ويعتبر به فى حياته ويتمثل القيم والأخلاقيات التى تعلمها فى سلوكياته. 

كان أبوالدرداء يقول، كما يذهب صاحب «الطبقات»: «تفكّر ساعة خير من قيام ليلة». ويقول أيضًا: «من يزداد علمًا يزداد وجعًا»، هذه العبارة الأخيرة الحكيمة تؤشر إلى التركيبة النفسية لأبى الدرداء، فمن يزداد علمًا يزداد وجعًا لأنه يشعر بحمل ما تعلّم على كاهله، فالعلم يقيم الحجة على صاحبه، ويصبح مطالبًا بأن يعمل بما علم، إذا كان شخصًا يعرف كيف يتحمل مسئولية ما تعلّم، وقد كان «أبوالدرداء» كذلك، لا يجد قيمة فى علم لا يعمل به صاحبه، ويرى أن أهم درس لا بد أن يستوعبه الإنسان المستغرق فى العلم والتعلّم أن العلم أعلى قيمة من المال، وكان دائمًا ما يردد: «إن ذا الدرهمين يوم القيامة أشد حسابًا من ذى الدرهم». 

وتظل وظيفة القضاء هى الأليق بهذه التركيبة الراقية، علمًا وسلوكًا وإنسانية، وذلك ما أدركه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الخليفة الذى عرف كيف يختار رجاله، حين اختار أبا الدرداء قاضيًا لدمشق، ليقدم تجربة فريدة من نوعها فى هذا المنصب، الذى كان يظهر على مسرح الحياة الإسلامية لأول مرة، منصب القاضى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق