تتصاعد حدة الإحباط الداخلي في الأوساط السياسية والشعبية داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي عقب انتهاء المواجهات العسكرية مع إيران وتوقيع التفاهمات الجديدة، حيث كشف استطلاع رأي حديث عن قناعة راسخة لدى الأغلبية الساحقة من المستوطنين بأن دولة إيران خرجت منتصرة من هذه المواجهة الإستراتيجية الواسعة، في الوقت الذي تتراجع فيه الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وإدارته السياسية للحرب التي دامت ستة أسابيع كاملة دون تحقيق الأهداف المعلنة.
أظهر الاستطلاع الذي أجرته الجامعة العبرية في القدس المحتلة بالتعاون مع معهد أجام لقياس الرأي العام وشمل عينة ضخمة بلغت نحو ثلاثة آلاف وستمائة وأربعة وستين إسرائيليا، أن اثنين وتسعين بالمئة من المشاركين يعتقدون صراحة بأن دولة إيران حققت تفوقا بالغا في هذه الجولة التي انتهت باتفاق دولي صاغته واشنطن بشكل منفرد مع طهران دون التزام بالمطالب المشروعة لتل أبيب.
ولم يقتصر هذا التقييم الصادم والمفاجئ للأوساط الأمنية على معارضي حكومة اليمين الحالية فحسب بل امتد ليشمل القواعد الشعبية الصلبة المؤيدة للائتلاف الحاكم، حيث أشار التحليل الإحصائي الدقيق إلى أن أكثر من ثلاثة وتسعين بالمئة من ناخبي معسكر اليمين الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو يتبنون الرأي ذاته، مما يوضح اتساع فجوة الثقة العميقة بين القيادة السياسية والقاعدة الشعبية التي كانت تعتبر خطابه بمثابة العقيدة الموجهة لسياسات الأمن القومي.
انهيار الثقة الإستراتيجية في وعود النصر الكامل والردع المشترك
وأوضحت البيانات التفصيلية الصادرة عن المعاهد البحثية في تل أبيب أن أكثر من اثنين وسبعين بالمئة من المستطلعين أكدوا عدم تصديقهم للرواية الرسمية، حيث يرى الجمهور أن تأكيدات رئيس الحكومة بشأن تحقيق مكاسب إستراتيجية كبرى وإزالة ما وصفه بالتهديد الوجودي هي مجرد ادعاءات لا أساس لها على أرض الواقع السيكين والميداني، خصوصا مع بقاء القدرات العسكرية للخصوم قائمة ومستمرة في تشكيل خطر حقيقي ودائم على الجبهات المختلفة.
وفيما يتعلق بتقييم الأداء الشخصي لرئيس الوزراء في إدارة هذه الأزمة الإقليمية المعقدة أفادت النتائج بأن ستة وخمسين بالمئة من المجتمع الإسرائيلي يصفون أداءه بالفاشل أو السيئ للغاية، وذلك في مقابل نسبة ضئيلة لا تتعدى ستة وعشرين بالمئة فقط ممن اعتبروا قيادته للمرحلة جيدة أو ممتازة، بينما وقفت النسبة المتبقية في المنطقة الرمادية واصفة الأداء الحكومي الإجمالي بأنه متوسط ولا يرقى لمستوى التحديات الكبرى المتصاعدة.
ويعكس هذا التراجع الحاد والمستمر في نسب التأييد تبدلا جوهريا في الخارطة السياسية والحزبية داخل إسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث هبطت نسبة الدعم لاستمرار نتنياهو في منصبه كرئيس للوزراء من أربعين بالمئة في مطلع شهر مارس الماضي إلى أقل من ثلاثين بالمئة في الوقت الحالي، مما يعزز فرضية قرب انهيار الائتلاف الحاكم والدعوة لانتخابات مبكرة تحت وطأة الغضب الشعبي المتنامي.
أهداف معلنة تبخرت أمام صمود الجبهات الإقليمية واتفاق واشنطن طهران
وأشار الاستطلاع العبري إلى قناعة جارفة لدى ثمانية وثمانين بالمئة من المشاركين بأن إسرائيل فشلت تماما في تحقيق أهداف الحرب المرفوعة أو أنها لم تنجح سوى في إدراك جزء يسير وهامشي منها، بالرغم من الوعود والخطابات الرنانة التي سبقت وتخللت العمليات العسكرية والتي ركزت على حتمية التغيير الجذري في موازين القوى وإعادة صياغة الواقع الأمني في منطقة الشرق الأوسط عبر القوة العسكرية الغاشمة والأدوات الردعية المتنوعة.
وكانت القيادة السياسية في تل أبيب بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية قد أعلنت في بداية العمليات العسكرية أن أهداف الحرب تشمل القضاء التام على البرنامج النووي الذي تطوره إيران، بالإضافة إلى تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية العابرة للمدن وإسقاط النظام السياسي الحاكم هناك، وهي تطلعات يراها الخبراء العسكريون اليوم بعيدة المنال وغير واقعية في ظل المعطيات الميدانية المتشابكة وحجم التحالفات الإقليمية.
وفي السياق ذاته عبرت نسبة تفوق اثنين وثمانين بالمئة من المستطلعة آراؤهم عن اعتقادهم بأن هذه الحرب التي استمرت لستة أسابيع متواصلة ضد إيران أدت إلى إضعاف الأمن القومي الإسرائيلي على المدى الطويل بدلا من تعزيزه، كما أبدى ستة وثمانون بالمئة موقفا سلبيا غاضبا من نتائج القتال والاتفاق الدبلوماسي اللاحق الذي توصلت إليه الإدارة الأمريكية مع طهران دون منح تل أبيب أي دور في صياغة بنوده.
غضب عارم في تل أبيب من إدارة ترامب وتهميش المطالب الإسرائيلية
ولم تتوقف حدود الغضب الشعبي عند القيادات المحلية بل امتدت لتشمل الحليف الأكبر في البيت الأبيض حيث كشف الاستطلاع عن تراجع دراماتيكي في مستويات الثقة بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ وصف تسعة وستين بالمئة من الإسرائيليين أداء الرئيس الأمريكي في إدارة الحرب وتداعياتها بأنه فاشل أو سيئ، في حين لم تتجاوز نسبة الراضين عن السياسة الأمريكية حاجز الأحد عشر بالمئة فقط في تراجع تاريخي.
ويفسر المحللون السياسيون هذا الاستياء العارم بأنه ناتج عن طبيعة الاتفاق الذي أبرمته واشنطن والذي اعتبرته النخب الإسرائيلية بمثابة طعنة في الظهر وتجاهل كامل للمخاوف الأمنية، حيث لم يراع الاتفاق المبرم مع إيران المطالب الملحة التي قدمتها الأجهزة الأمنية في تل أبيب، كما تم تغييب الدور الإسرائيلي بشكل متعمد عن كواليس المفاوضات السرية والعلنية التي انتهت بالتوصل إلى تفاهمات شاملة ورسخت النفوذ الإقليمي لطهران.
وقد تزامنت هذه النتائج مع تحذيرات أطلقتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية كشفت فيها عن مساعي حثيثة يبذلها بنيامين نتنياهو لتقويض الاتفاق الذي أبرمه ترامب بهدف الحفاظ على تماسك حكومته، حيث يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي خلق مسارات بديلة وتصعيدية لتعطيل البنود الدبلوماسية المتفق عليها دوليا، مما يهدد بإدخال العلاقات بين واشنطن وتل أبيب في نفق مظلم من الخلافات العميقة التي قد تؤثر على الدعم العسكري.
سقوط شعارات النصر الكامل وانكشاف الأكاذيب الحكومية أمام المستوطنين
وتناول الاستطلاع الموسع بالبحث والتحليل تقييم الشارع الإسرائيلي لشعار النصر الكامل الذي رفعه نتنياهو وجعل منه العنوان الأساسي لجميع المعارك العسكرية منذ اندلاع حرب غزة، حيث أظهرت النتائج الميدانية صدمة قوية لصناع القرار بعدما تبين أن اثني عشر بالمئة فقط من المجتمع يعتقدون أن حكومتهم نجحت في تحقيق معظم الغايات المدرجة تحت هذا الشعار الفضفاض الذي تهاوى أمام الحقائق السياسية.
وتشمل الغايات التي تضمنها الشعار الحكومي ولم يتحقق معظمها إسقاط حكم حركة حماس في قطاع غزة واستعادة كافة المحتجزين والمنخرطين في العمليات العسكرية، بالإضافة إلى إزالة التهديد الصاروخي والعسكري الذي يمثله حزب الله في جنوب لبنان، وهي الأهداف التي قال واحد وستين بالمئة من المستوطنين أنها لم تتحقق على الإطلاق، بينما أشار ستة وعشرون بالمئة إلى تحقيق أجزاء بسيطة وغير مؤثرة إستراتيجيا.
ويعكس هذا التقييم الشعبي القاسي حجم الشكوك المتنامية والعميقة داخل الرأي العام الإسرائيلي بشأن جدوى الحروب المستمرة والسياسات الأمنية والعسكرية الفاشلة التي تنتهجها الحكومة الحالية، حيث يرى الجمهور أن الوعود الحكومية باتت مجرد أدوات للدعاية السياسية والاستهلاك المحلي الهادف لإنقاذ مستقبل نتنياهو السياسي على حساب دماء الجنود واستقرار الاقتصاد الذي يعاني من أزمات خانقة وغير مسبوقة جراء الحصار المتعدد الجبهات.
دعم شعبي واسع لتصعيد عسكري في لبنان رغم التحذيرات الأمريكية
ورغم حالة الإحباط والانتقادات الحادة الموجهة لنتائج المواجهة العسكرية الأخيرة أظهر الاستطلاع مفارقة لافتة تمثلت في استمرار تأييد شريحة واسعة من المجتمع لتوسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله في لبنان، حيث أبدى ثمانية وأربعون بالمئة من المشاركين دعمهم الكامل لاستئناف ضربات جوية وبرية واسعة تشمل العاصمة بيروت، وذلك بهدف فرض واقع جديد وإبعاد خطر الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة عن الحدود الشمالية المتوترة.
ويأتي هذا التأييد الشعبي الكبير لخيار التصعيد العسكري في الجبهة الشمالية متجاوزا التحذيرات الصارمة والمعارضة العلنية التي أبداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي عبر في أكثر من مناسبة عن رفضه القاطع لأي خطوة قد تؤدي إلى إشعال حرب إقليمية شاملة في المنطقة، مما يشير إلى استعداد الجمهور الإسرائيلي للدخول في صدام ديبلوماسي مع الإدارة الأمريكية الجديدة في سبيل ما يعتبرونه استعادة لقوة الردع.
وفي المقابل أظهرت النتائج الإحصائية أن عشرين بالمئة فقط من المستطلعين يعارضون فكرة التصعيد في لبنان ويفضلون المسارات الدبلوماسية بينما بقيت نسبة ثلاثين بالمئة في حالة عدم حسم للموقف، مما يوضح حالة الانقسام والارتباك التي تعيشها الجبهة الداخلية الإسرائيلية في ظل غياب الرؤية الإستراتيجية الواضحة لدى القيادتين السياسية والعسكرية وتناقض المصالح بين الحلفاء الدوليين والائتلاف اليميني الحاكم في تل أبيب.













0 تعليق