لا حُلمَ ولا وِسادة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن فى غرفتها شىءٌ يشبه الطفولة، ولم تكن تلك الغرفة تشبه غرف الأطفال التى كانت «ليلى» تراها أحيانًا من نوافذ البيوت الأخرى، غرفٌ تضحك جدرانها بالألوان، وتنام الدمى فوق أسرّتها بسلام.

هنا، لا دمية مهترئة، ولا ألوان منسية، ولا حتى صورة واحدة على الجدار. كانت الجدران عاريةً، جرداء، كأرض صحراء مرشوشة بالرمال، وكان الهواء ثقيلًا على رئتى طفلةٍ تتوق إلى المرح والغناء. وكان الصمت أصدق ما فى المكان.

وكل ما كان فى الركن الضيق من الغرفة القديمة وسادة، وسادة رمادية بالية الحواف، مبللة الأطراف، تفوح منها رائحة عمرٍ طويل من الدموع التى امتصتها حنانًا واحتواءً للطفلة، حتى بدا وكأنها كانت تبكى.

كانت «ليلى» فى العاشرة من عمرها، لكن قلبها كان أكبر من سنواتها. تحمل فى صدرها حزنًا لا يناسب طفلة، يشبه حجرًا ثقيلًا تعودت أن تمشى به وحدها فى بيتٍ منسى عند أطراف المدينة. عاشت بين جدرانه التى لا تسمع، ومدبرةٍ قاسية اليد والكلام، وأبٍ خرج يومًا ولم يعد.

لم يكن لديها ما يملكه الأطفال عادةً، لا ألعاب تتنقل بها بين العوالم، ولا كتب تهرب فيها من الواقع، ولا نافذة مشرقة تعرف منها معنى الصباح. وكانت أيامها متشابهة، تبدأ وتنتهى بالصمت.

كل ليلة، حين ينطفئ الضوء فجأة، وتُغلق الأبواب بقسوة، وتبرد الأرض تحت قدميها، تعود «ليلى» سريعًا إلى وسادتها، كما يعود الغريق إلى آخر قطعة خشب فى البحر. لا لأنها مريحة، بل لأنها الوحيدة.

كانت تجلس القرفصاء، تضم الوسادة إلى صدرها الصغير، وتبدأ فى الحديث. تحكى لها عن يومها، وعن الخوف، وعن صوت الأم حين تغضب، وعن الأب الذى لا تعرف لماذا رحل. كانت تسرُّ لها بكل شىء، تبكى عليها حتى تبتل زواياها، ثم تحتضنها بقوة، كأنها تحتضن أمًّا لم تعرفها يومًا، أو وطنًا لم ترَه إلا فى الحلم.

لم تكن الوسادة جمادًا، بل كانت ملجأً وصديقًا وذاكرة.

وحين تعبت «ليلى» من سؤال الله: «لماذا؟» كتبت السؤال على ورقة صغيرة، ووضعتها تحت الوسادة، ثم أغمضت عينيها ببراءة كاملة، مصدقةً وموقنةً أن الله سيمد يده ويقرأ رسائلها.

وفى تلك الليالى، كانت ترى أحلامًا ليست من هذا العالم، ترى بيتًا واسعًا بنوافذ تطل على الشمس دون خوف، وترى يدًا دافئة تمسك بيدها، تعلمها الحياكة والصيد والحب. وكانت تسمع أغانى هادئة لا تعرف من أين تأتى، لكنها لا توجع القلب.

وحين تستيقظ، كانت تطوى الحلم بهدوء، كما تُطوى قطعة قماش ثمينة، وتخفيه تحت الوسادة كى لا يراه أحد، وكى لا يضيع.

مرت سنوات ثقيلة، كبرت «ليلى» قليلًا، وصار الحزن أخف وزنًا، لكنه أعمق أثرًا، وتآكلت الوسادة كثيرًا، لكنها لم تشتكِ.

كانت «ليلى» تجلس فى أطراف الليل حتى الشروق، تخيط أطراف الوسادة بخيطٍ أزرق باهت، وتلصق تمزقاتها بشريط لاصق، وتداويها كما يداوى الإنسان قلبَ مَن يحب حين لا يملك غيره.

ثم جاءت ليلة لا تشبه ما سبقها.

كانت السماء تزأر فوق المدينة، والريح تضرب النوافذ بلا رحمة، والبرد يتسلل إلى العظام.

عادت «ليلى» متعبة من يومٍ طويل، خلعت حذاءها بصمت، ودخلت الغرفة، ومدت يدها تبحث عن وسادتها كما تفعل كل ليلة، فلم تجد شيئًا.

بحثت تحت السرير، وخلف الباب، وفى كل ركن تعرفه، ومر الوقت بطيئًا وثقيلًا، حتى رأت كيس القمامة بجوار الباب مفتوحًا على عجل، وفى أعلاه قطعة رمادية ممزقة الحواف، تعرفها، تعرف ملمسها ورائحتها، وكل دمعة سقطت عليها.

مدّت يدها إليها فى هدوءٍ حزين، لكن يدها ارتدت فجأة إثر ضربة قاسية من سيدة غريبة عن قلبها، قالت بحدة:

«ستُرمى تلك الوسادة اللعينة، إنها مقززة! ابتعدى، لستِ صغيرة حتى تحتفظى بتلك الأشياء الغريبة».

لم تضع الوسادة، بل أُزيلت، وكأن أحدًا قرر أن ما تحبه لا يستحق البقاء.

جلست «ليلى» على المرتبة الخشنة، ووضعت رأسها فوق القماش البارد، وانهمرت دموع كثيرة لم تجد وسادة تستقبلها.

وفى الصباح، شربت الماء بلا طعم، وجلست أمام المرآة، فرأت وجهًا لا تعرفه، وعينين خاليتين من العاطفة.

ومرت أيام طويلة، لم تعد «ليلى» تحلم. كانت تغمض عينيها، فلا تجد سوى ظلمة كاملة، لا منزل، ولا يد، ولا أحلام... فقط سرير بارد، وجسد نحيل، وقلب ملىء بأسئلة لا يُجيب عنها أحد.

وفى الليل، جلست فى زاوية الغرفة، وأخرجت ورقة من دفتر قديم كانت تخفيه منذ زمن، وكتبت:

«كنت أملك وسادةً لا بيتًا، وكنت أملك حلمًا لا حياة، وحين فقدت الوسادة، استيقظت على الفراغ».

ثم طوت الورقة، ووضعتها تحت رأسها، واستلقت.

وحين أغلقت عينيها، لم يأتِ الحلم، ولم تنزل السكينة، ولم تظهر اليد التى اعتادت أن تربت على شعرها.

تمتمت بصوتٍ خافت، متوجعة:

«والآن... لا حلمَ ولا وسادة».

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق