في الساعة الثالثة ظهرًا، بينما كان الجميع يستنشقون الهواء النقي، والأطفال يلعبون في الحدائق احتفالًا بعيد الربيع، كانت ياسمين نائمة على سريرها في حزن وملل.
بكسلٍ نهضت وأغلقت جميع الستائر، فغرقت الغرفة في مستودع من الظلام. عادت إلى السرير واستلقت عليه، وانحدرت من مقلتيها دمعة حزينة تبعتها الكثير من الدموع.
فجأة سمعت صوت إشعار هاتفها. تناولت الهاتف لتجد رسالة من البريد الإلكتروني لإحدى دور النشر الشهيرة:
"تم رفض الرواية، ونرجو أن نراكِ في أعمالٍ قادمة."
تنهدت بحرارة وأغلقت الهاتف، ثم استسلمت للنوم من جديد.
هكذا كان حالها منذ أن مات والدها قبل ثلاثة أشهر. وما زالت تقيم في منزله ببورسعيد، ولم تنتقل إلى منزلها في القاهرة منذ أن علمت بخبر وفاته.
سمعت ياسمين صوت فتح الباب الخارجي، وصوت شقيقتها نادية يصدح من الخارج وهي تصيح بابنتها ليلى ذات الأعوام العشرة:
ــ ليلى، ما تلعبيش مع القطة دي، شكلها عيانة.
ثم سُمع صوتها بعد أن فتحت باب الشقة، بينما كانت ليلى تتمتم ببعض الكلمات، وقد بدا عليها الغضب.
ــ أنا قلت إيه؟!
ثم أكملت:
ــ ياسمين... يا ياسمين.
دخلت غرفة ياسمين، وأزالت الغطاء عن وجهها وقالت بحزن:
ــ هتفضلي كده كتير؟
بينما كانت ناديه تتحدث كانت ليلي تبعث في احدي الادراج القديمه
لم تتلقَّ أي رد.
ــ ياسمين يا حبيبتي، إيه رأيك تيجي عندي البيت ونسهر، ونعمل فشار، وتحكيلي عن رواياتك؟
ــ مش عايزة.
ــ أنا عارفة إنك زعلانة عشان بابا، بس دي سنة الحياة، وإحنا كلنا هنموت.
قالت ياسمين وهي ما تزال تحدق في اللاشيء:
ــ اطلعي بره، أنا مش عايزة أشوف حد.
ــ اسمعي يا حبيبتي بس...
صرخت ياسمين في فقدان شغف:
ــ أنا واحدة فاشلة! كل مرة... كل مرة كده. أنا تعبت. أنا بكتب ليه أصلًا؟ وليه بابا يموت؟ أنا تعبت بجد. ليه بيتعمل فيّا كده؟ ممكن تسيبوني لوحدي؟ أنا مش بحب أشوف الشفقة في عيون الناس. ما حدش عاش اللي أنا عشته!
صرخت نادية هي الأخرى، وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
ــ ما عِشتيش إيه؟! اللي إنتِ زعلانة عليه ده أبويا أنا كمان، لو ناسية!
ــ ممكن تسبيني دلوقتي؟
ــ ماشي... أنا غلطانة أصلًا. تعالي يا ليلى، يلا عشان نروح.
قالت ليلى بصوت خافت:
ــ حاضر.
ثم اقتربت من سرير ياسمين وقالت بشغف وعينين تبرقان:
ــ خالتي، ممكن تقوليلي الكلمة دي بتتهجى إزاي؟
وأعطتها مذكرة قديمة جدًا كانت تخص جدها.
تحول عدم الاكتراث الذي كان يملأ ياسمين إلى تركيز واستغراب عندما قرأت أولى كلمات المذكرة:
الأربعاء، مارس 1969
"لا أعلم كيف ومتى دخلت تلك الفتاة حياتي..."
حامل
بهدوء، أخذت ياسمين المذكرة العتيقة من ليلى. كانت مطلية بلونٍ رصاصي باهت، ومكتوبًا على غلافها بخطٍ رفيع عابث: "سعا"، بينما امتدت من آخر حرف الاف خطوطٌ متداخلة كأن صاحبها قد شرد أثناء الكتابة.
قرّبت ياسمين المذكرة من عينيها تتأمل الخط جيدًا.
لم يكن هذا خط والدها.
لكنها لم تمهل نفسها وقتًا للتفكير، إذ انتفضت على إثر صوتٍ مرتفعٍ جاء من الخارج.
ألقت المذكرة جانبًا وهرعت إلى مصدر الصوت، لتجد أختها نادية ملقاة على الأرض فاقدةً للوعي، بينما كانت ليلى الصغيرة تحاول إيقاظ أمها بقلق.
ارتبكت ياسمين، ثم أسرعت إلى المطبخ. كان الحوض ممتلئًا بالأطباق المتسخة المتراكمة. ملأت كوبًا بالماء وعادت مسرعة، ثم راحت ترش وجه نادية برفق حتى بدأت تستعيد وعيها.
فتحت نادية عينيها ببطء، فتنفست ياسمين الصعداء. وما إن همّت بمساعدتها على النهوض حتى أمسكت نادية بيدها وقالت:
ــ أنا حامل يا ياسمين... كنت عايزة أعملك مفاجأة وأقولك وإنتِ عندي وإحنا قاعدين سوا.
صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة هادئة:
ــ أنا كمان زعلانة على أبويا، وبرضو بعيط عليه كل يوم زيك. بس الفرق بيني وبينك إني مكملة حياتي. الدنيا مبتقفش يا ياسمين، عشان ليلى وأحمد وعشانك.
حدقت بها ياسمين بدهشة وقالت:
ــ إنتِ حامل؟ ومن إمتى ومقولتيليش؟
ثم أتبعت كلامها بابتسامةٍ باهتة:
ــ إيه؟ خايفة أحسدك ولا إيه؟
ضحكت نادية وقالت:
ــ أيوه، خايفة!
ثم نهضت وهي تعدل ملابسها وأردفت:
ــ المهم، أنا جبتلك أكل وحطيته في التلاجة. كلي كويس، واغسلي المواعين اللي في المطبخ، أو هاتي حد يغسلها. أنا مش فاضية ومش قادرة أقعد أكتر من كده.
أخفضت ياسمين رأسها وقالت بصوتٍ خافت:
ــ أنا مش عايزة أخرج من البيت يا نادية.
تنهدت نادية وقالت:
ــ لسه برضو يا ياسمين؟
ــ معلش... سيبيني على راحتي شوية.
ــ ماشي، زي ما تحبي.
ثم التفتت إلى ابنتها وقالت:
ــ يلا يا ليلى، قولي باي باي لخالتو.
لوّحت ليلى بيدها الصغيرة قائلة:
ــ باي باي يا خالتو.
ابتسمت ياسمين ابتسامةً ضعيفة، ثم غادرت نادية
المنزل برفقة ابنتها.
دخلت ياسمين الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد. وقفت أمام المرآة وصففت شعرها الأسود الناعم، ثم ارتدت مريلة المطبخ وقد عقدت العزم على غسل الأطباق المتراكمة.
بدأت العمل بصمت، بينما كانت أفكارها تتزاحم في رأسها. انشغلت في شرودها حتى انهمرت الدموع من عينيها دون أن تشعر.
وفجأة، انزلق كوبٌ من يدها وسقط على الأرض متحطمًا.
انحنت لتجمع شظاياه، لكن إحدى القطع الحادة جرحت يدها.
شهقت بخفة، ثم أسرعت إلى غسل الجرح بالماء. بعد ذلك ذهبت إلى غرفتها وأحضرت منديلًا وضغطت به على موضع الإصابة.
وبعد دقائق، ألقت بجسدها المرهق فوق السرير وأخذت تحدق في السقف بشرود.
ثم أنزلت نظرها إلى يدها، ولاحظت أن بقعة الدم بدأت تتسع على المنديل الأبيض.
في تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ أسفلها.
مدّت يدها السليمة وتحسسته، ثم سحبته لتكتشف أنه مذكرة والدها.
عاد الفضول يشتعل في داخلها.
اعتدلت في جلستها، ومسحت دموعها، ثم فتحت المذكرة ببطء.
وأخذت تقرأ.
العوده الي الماضي
صيف مارس 1969، يوم الأربعاء.
لا أعلم كيف ومتى دخلت تلك الفتاة حياتي، لكنني أتذكر جيدًا أنها منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها استطاعت أن تلفت انتباهي. كانت حين تضحك أشعر وكأن الحياة تشرق أمامي من جديد، وكانت عيناها تحملان بريقًا خاصًا لا يخبو أبدًا، يلمع بالحماس والبراءة.
رغم أنني أكبر منها بست سنوات، فإنني كلما رأيتها شعرت بأنني ما زلت طالبًا في الثانوية، أتذمر من حصة اللغة الفرنسية وأحلم بالهرب منها. كنت أعطيها درسًا خصوصيًا في منزلها، وكانت مثل أغلب الفتيات اللواتي أدرّس لهن؛ لا تحب الحفظ كثيرًا، لكنها كانت مختلفة بطريقة لم أستطع تفسيرها.
كنت أضبطها دائمًا وهي تهرب من المدرسة أثناء حصة الرياضة التي كانت تكرهها، فتقول لي ضاحكة:
"ليس من الضروري أن أدرس شيئًا لا أحبه، أليس كذلك يا أستاذ؟"
كانت مشاغبة وعنيدة، لكنها كانت تملك خفة ظل تجعل من الصعب الغضب منها.
لا أعرف متى أحببتها بالضبط. ربما حين كانت تأتي إلى مكان عملي حاملةً بعض الطعام وتقول لي:
"كُل أولًا، ثم درّسلي."
وربما حين كانت تجعلني أضحك من أعماق قلبي دون أن تبذل جهدًا في ذلك.
أحببت فيها عفويتها التي لا تعرف التصنع، وصدقها الذي كان يظهر في كل كلمة تقولها. أحببت شجاعتها في التعبير عن رأيها، وطريقتها في النظر إلى الحياة وكأن كل يوم يحمل مغامرة جديدة. كانت ترى الجمال في أبسط الأشياء، وكانت قادرة على أن تحول يومًا عاديًا إلى ذكرى لا تُنسى.
أحببت اهتمامها بي، وحرصها على السؤال عني، وأحببت ذلك الشعور الغريب بالراحة الذي كان يرافق وجودها. ومع مرور الوقت أدركت أنني لم أعد أنتظر موعد الدرس من أجل التدريس، بل من أجل رؤيتها هي.
وحينها فقط فهمت أنني أحببتها... مما دفعني ذالك في أن أطلب يدها قبل ان يطلبها احد غيري
ربما فتاه أخري
انتهت ياسمين من قراءة المذكرة، وقد بُتر نصفها الآخر وتآكلت صفحاتها بفعل الزمن. فكرت: إلى هذه الدرجة كان والدي يحب أمي؟ ولكن ماذا عن بقية القصة؟ بالتأكيد هي تعرف نهايتها.
تنهدت بعمق وتركت المذكرة جانبًا، ثم أخذت تتأمل سقف الغرفة. لم تفكر يومًا في الكيفية التي تعرّف بها والدها إلى والدتها التي توفيت منذ ثلاث سنوات. ولم تكن تعلم أن والدها أحب والدتها بهذا القدر، والأكثر غرابة أن والدتها لم تذكر شيئًا عن ذلك في أيام صفائها.
أمسكت هاتفها، وقد ازداد فضولها لمعرفة المزيد من حكايات والدها؛ كيف خطب والدتها، وكيف واجه الصعوبات التي يواجهها العشاق عادةً. لكن النعاس غلبها، فاستسلمت للنوم في هدوء.
في الصباح، وبعد أن انتهت أخيرًا من غسل الصحون، جلست على الأريكة متعبة. رن هاتفها، فرأت أن المتصلة هي جدتها. فتحت المكالمة وقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعيًا:
ــ عاملة إيه يا تيتة؟
جاءها صوت جدتها مفعمًا بالسرور:
ــ الحمد لله، إنتِ عاملة إيه يا حبيبتي؟
ــ أنا كويسة. إنتِ اللي بتاخدي أدويتك في معادها؟
ــ أيوه يا بنتي، باخد الدوا وكل حاجة، ما تشغليش بالك.
ــ أممم... هصدق. هتصل على محمود وأسأله عشان أطمن أكتر.
ضحكت الجدة وقالت:
ــ إنتِ زي أمك الله يرحمها، ما كانتش بتصدق حد بسهولة أبدًا.
ــ آه صحيح يا ستو، بس أنا أحسن منها. على الأقل ما كنتش بهرب من المدرسة وأنا صغيرة.
ثم ضحكت بخفة.
قالت الجدة باستغراب:
ــ مين اللي قال كده؟ أمك عمرها ما هربت من المدرسة، دي كانت ملتزمة جدًا.
ــ إزاي؟
ــ آه والله.
ــ هو مش بابا اتجوز ماما عن قصة حب؟
ضحكت الجدة وقالت:
ــ لا يا بنتي، جواز صالونات عادي. وأقولك على التقيلة؟ أمك أصلًا ما كانتش راضية بيه في الأول.
اعتدلت ياسمين في جلستها وقالت بدهشة:
ــ نعم؟
أكملت الجدة بحماس:
ــ أيوه. بصي، أبوكي كان بيحب واحدة تانية، وراح اتقدملها، لكن أهلها رفضوه. كان اسمها سعاد، على ما أفتكر. كانت بنت شقية كده، وكل الناس كانت عارفة إنه بيحبها. لكن أهلها جوزوها لواحد تاني، وسافرت معاه لدولة خليجية، مش فاكرة كانت إيه. وبعدها أبوكي اتجوز أمك. جدك ما كانش موافق في الأول، لكن أنا أقنعته. ومع الوقت أمك حبته، وهو كمان حبها، وربنا كتب لهم النصيب.
قالت ياسمين بشرود:
ــ آه... طيب.
ــ سلام بقى، شكل الأكل اتحرق.
ــ سلام.
أغلقت الخط، وشعرت أن كل الأحلام التي رسمتها عن قصة حب والديها قد تبخرت في لحظة. جلست صامتة لبعض الوقت، ثم أمسكت مذكرتها وبدأت تكتب:
"روايتي الجديدة: العودة إلى القرن التاسع عشر."
شتاء 2026، يوم الخميس.
إذا كان القدر منحنا اللقاء فلماذ لم يمنحنا البقاء؟
في معرض الكتب، كانت مريم، ذات العشرين عامًا، تتجول بين الأرفف باحثة عن كتاب جديد. وبينما هي تتفقد العناوين، لفت انتباهها كتاب يحمل اسم:"العودة إلى القرن التاسع عشر".
أمسكت الرواية وقلبتها بين يديها، ثم قرأت ما كُتب على الغلاف الخلفي:
"الحب الأول هو الأصدق دائمًا، لأننا نجرب فيه كل شيء للمرة الأولى. قد نعيش حياة أخرى مع أشخاص آخرين ونحبهم بصدق، لكننا لا ننسى الحب الأول أبدًا.
ويبقى السؤال: إذا كان القدر قد منحنا اللقاء... فلماذا لم يمنحنا البقاء؟"
النهاية.













0 تعليق