Advertisement
بالنسبة إلى النازحين، لا تُقاس التهدئة بما يقال في العواصم، ولا بما يرد في بيانات الاتفاقات، إنما بما يحصل على الطريق إلى البلدة، وعلى أطراف القرى، وفي السماء التي لم تغادرها المسيّرات بالكامل، وفي البيوت التي لا يعرف كثيرون ما إذا كانت لا تزال صالحة للسكن. من هنا، لم يكن مستغربًا أن تقابل الدعوات إلى التريث أي رغبة عارمة في العودة السريعة، لأنّ الذاكرة القريبة لا تزال مملوءة بتجارب وقف إطلاق نار لم تمنع الخروقات.
هنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للاتفاق. فوقف إطلاق النار قد يخفف الضغط العسكري، وقد يفتح بابًا سياسيًا لم يكن متاحًا قبل أيام، لكنه لا يكفي وحده لإعادة الحياة إلى الجنوب. لذلك، لا يقتصر السؤال الآن على ما إذا كانت الجبهات ستصمت، بل على ما إذا كان هذا الصمت قادرًا على إنتاج اطمئنان فعلي يسمح للناس بالعودة من دون أن يشعروا بأنهم يدخلون منطقة معلّقة بين الهدنة والخطر.
عودة لا تقرّرها البيانات
لا شكّ في أنّ معظم النازحين يريدون العودة إلى قراهم وبيوتهم فورًا. هذه حقيقة مفهومة لا تحتاج إلى شرح طويل. فالبيت، مهما تضرّر، يبقى أهون من الانتظار الطويل في مكان مؤقت، والقرية تبقى أكثر ألفة من أي مركز إيواء أو منزل مستعار أو غرفة ضاقت بأصحابها وبمن استقبلتهم الحرب. لكن الرغبة وحدها لا تصنع قرار العودة، خصوصًا إذا لم تكن الأرض قد استعادت أمانها الكامل، في ظلّ الواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل.
بهذا المعنى، لا تكفي عبارة "وقف إطلاق النار" كي تصبح الطرق سالكة نفسيًا وأمنيًا. هناك أسئلة عملية تسبق أي عودة واسعة: هل توقفت الغارات فعلًا؟ هل انتهت التحذيرات؟ هل تراجعت حركة المسيّرات؟ هل انسحبت إسرائيل من المناطق التي تتمسك بها؟ هل يستطيع الجيش اللبناني الانتشار في النقاط الحساسة؟ وهل تملك البلديات والجهات المعنية صورة واضحة عن حجم الدمار والمخاطر؟
هذه الأسئلة لا تعني التشكيك بالاتفاق، إنما تعني التعامل معه بواقعية. فالهدوء النسبي لا يساوي الأمان الكامل، وغياب القصف لساعات أو أيام لا يكفي لإقناع عائلة بالعودة إلى بيت لا تعرف وضعه، أو إلى بلدة قد تكون بعض طرقاتها ومحيطها في دائرة الخطر. ما يريده النازح عمليًا هو إجراءات ملموسة: طريق آمنة لا تحلّق فوقها مسيّرات، وبيت لم يُدمَّر أو قابل للسكن، ومحيط لا يُنذر بجولة جديدة من القتال.
الدولة أمام اختبار العودة
تزداد حساسية هذا الملف لأنّ إسرائيل تحاول، منذ اللحظة الأولى، الاحتفاظ بما تسمّيه هامش الحركة. وهذا وحده يكفي لزرع القلق. فإذا بقيت تل أبيب تتعامل مع وقف إطلاق النار كأنه لا يقيّد عملياتها، أو إذا أبقت وجودها في مناطق جنوبية تحت عنوان أمني، فإنّ العودة ستبقى منقوصة. لا يستطيع الناس أن يعودوا إلى حياة طبيعية فيما السماء مفتوحة على احتمال ضربة جديدة، أو فيما بعض القرى لا تزال واقعة تحت ضغط عسكري مباشر أو غير مباشر.
إزاء ذلك، لا تستطيع الدولة اللبنانية التعامل مع ملف العودة كأنه نتيجة تلقائية لوقف إطلاق النار. فالدولة مطالبة بأن تتحوّل من موقع المتلقّي إلى موقع الطرف الفاعل في تحويل الاتفاق إلى ترتيبات ميدانية ملموسة، تبدأ بطلب تبليغ رسمي بكل ما يتصل بلبنان، وتنتهي بآلية واضحة للانسحاب والرقابة وانتشار الجيش، لأنّ ترك الناس يقررون وحدهم بين الخوف والحاجة يفتح الباب أمام فوضى كبيرة.
كذلك، لا بد من خطة داخلية موازية. فالعودة ليست أمنية فقط. هناك بيوت مدمرة أو متضررة، وطرق تحتاج إلى فتح، ومدارس ومرافق تحتاج إلى تقييم، وبلدات فقدت جزءًا من مقومات الحياة اليومية. لذلك، لا يكفي أن ترحّب الدولة بالاتفاق، بل عليها أن تحوله إلى ملف عمل يومي يبدأ من الجنوب، وأن تدفع في الجولة المقبلة في واشنطن، إذا بقيت في موعدها، نحو تحويل العناوين المعروفة إلى جدول تنفيذ واضح.
في النهاية، لا يعود الجنوب إلى الحياة بمجرد توقف النار. يعود عندما يشعر أهله بأن الطريق إلى بيوتهم لم تعد طريقًا إلى الخطر، وعندما يصبح وقف إطلاق النار أكثر من وعد سياسي، وعندما تترافق التهدئة مع انسحاب ورقابة وحضور رسمي وخطة واضحة للناس. عندها فقط يمكن القول إن الاتفاق بدأ ينجح في لبنان، لا لأنه أوقف الحرب في النصوص، بل لأنه أعاد للنازحين حقهم في العودة من دون خوف.













0 تعليق