غسيل زوجتى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما فتح المدرس باب سيارته، اقترب منه رجل ضخم غليظ، صوته كالجبل، خبط عدة خبطات خفيفة على نافذة السيارة، وهو يقول: 

- لو سمحت.

نزل المدرس من سيارته وهو مترقب ولا يعرف مَن هذا الرجل العملاق..

قال العملاق: 

- أريد التحدث معك.

حاول المدرس تذكُّر إن كان يعرف ذلك العملاق سابقًا، لكنه لم يستجمع أى ذكريات، قال: 

- تفضل.

- لقد تسببتَ فى مشكلة كبيرة عندى فى المنزل.

لم يردَّ المدرس، جمع كل أفكاره، ربما يكون العملاق هو والد أحد التلاميذ فى المدرسة، سأل المدرس فى حذر وترقُّب:

- أنا؟

قال العملاق:

- نعم أنت. 

نظر المدرس نحو مكتب الأمن فى المجمع السكنى الذى يسكنون فيه، تأكد أن أحد أفراد الأمن موجود واطمأن قليلًا ثم دار:

- ماذا فعلت؟ 

تابع العملاق نظرات المدرس نحو مكتب الأمن، ابتسم وقال:

- لن ينفعك عامل الأمن، ولا حتى مدير الأمن، إن لم تتوقف عما تفعله.

ابتلع المدرس ريقه فى قلق شديد، لم يعرف ماذا فعل، لقد وجَّه الرجل العملاق له تهديدًا واضحًا، ما أقلقه أكثر من اللازم أن الرجل لا يهمه عمال الأمن، وأن العملاق فهم تفكير المدرس وهدده رغم ذلك، تمالك نفسه وقال للعملاق:

- أنا لا أعرف ماذا تقصد، يبدو أنك تقصد شخصًا آخر.

رد العملاق مباغتًا:

- أنا أتابعك منذ أسابيع، الأمر متكرر، أعرف جيدًا ماذا تفعل، لقد اشتكت لى زوجتى عدة مرات..

ثم خبط بيده على سقف سيارة المدرس وقال فى حدة: 

- أقسم لو تكرر الأمر، فسوف أرتكب جريمة.

قالها ورحل، قبل أن يبتعد أشار لمكتب الأمن بيده، فذهب له العامل مسرعًا، وقف العملاق يتحدث بحسم وغضب مع العامل ثم رحل.. لم يفهم المدرس ماذا يفعل، كان كل شىء طبيعيًّا حتى نزوله من بيته، لا يعرف زوجة ذلك الرجل، هل الزوجة تشتكى بسبب ابنها فى المدرسة؟ سأل نفسه: هل ضرب تلميذًا؟ هل الأمر يتعلق بقضية شرف؟ هل يمكن أن تكون الزوجة متلاعبة؟

ذهب المدرس إلى مكتب الأمن، سأل العامل: 

- مَن هذا الرجل العملاق الذى كان يتحدث معى؟

رد عليه العامل:

- ابتعد عنه يا سيدى، إنه رجل مؤذٍ يسكن فى العمارة رقم ١٥.

لم يعطه فرد الأمن إجابة تهدئ من مخاوفه، بل زاد الشك فى رأسه.. لم يذهب للمدرسة ذلك اليوم، أغلق سيارته ورجع إلى بيته، فى الليل، وقف خلف نافذة غرفته ينظر إلى مدخل عمارة ١٥، يتابع الداخلين والخارجين.. يريد لو يكتشف ماذا حدث.. وبعد الفجر، نزل مبكرًا، جلس فى سيارته يتابع خروج الناس من عمارة رقم ١٥، أمسك هاتفه المحمول، وبدأ يصوِّر السيدات والأطفال قبل أن يتوجه للمدرسة، مشى فى المدرسة ينظر فى وجوه الأطفال ويفتح الصور على هاتفه يبحث عن ابن العملاق؛ ليعرف لو كان هناك مشكلة متعلقة بالطفل.. ولم يستطع اكتشاف ابن العملاق فى المدرسة.

فى اليوم التالى وهو يخرج من باب عمارته، وجد العملاق واقفًا ينتظره، قال له: 

- لقد حذرتك ولم تنتبه.

واقترب منه العملاق فى حذر.. قال المدرس بخوف وصوت مرتعش: 

- أنا لا أعرف ما الموضوع، أخبرنى وسأتوقف فورًا. 

نزلت الكلمات كبلسم على صدر الرجل الكبير، فاقترب من أذن المدرس وهمس فيها: 

- توقف عن نشر وتجفيف الغسيل فى الشرفة.

سكت لحظة ثم عاد يهمس له: 

- الأفضل أن تتوقف عن تجفيف الغسيل نهائيًّا سواء فى الشرفة أو داخل البيت..

ثم سأله بلهجة حاسمة:

- أين زوجتك؟ لماذا لا تُجفف هى الملابس؟ 

كانت دهشة المدرس تقف معهم كشخص يشاهد ما يحدث، قال المدرس:

- هل تمزح؟ هل ذلك برنامج خداع تليفزيونى؟

أخرج العملاق علبة سجائر مستوردة لونها بنى، أشعل سيجارة وهو يبتسم هازئًا وقال للمدرس: 

- ليس خدعة أو مزاحًا، ولكن ما رأيك هل للجار حق على جاره؟

ردَّ المدرس بلا تردد:

- أكيد.

قال العملاق وهو ينفث الدخان:

- من حقى عليك كجار أن تتوقف عن نشر الملابس فى الشرفة.

لم يفهم المدرس قصد الرجل.. كان الموقف كله عبثيًّا، قال له:

- أنت فى عمارة بعيدة عنى، لا تَسقط ملابسى عندك، ولا يسقط منها قطرات مياه عليك، والملابس تُنشر داخل الشرفة وليس خارجها، لا يؤثر حتى منظرها عليك.

ردَّ العملاق فى غضب وبصوت مرتفع:

- لكن زوجتى تشاهدك كل مرة وأنت تجفف الملابس بنفسك، لقد بدأت تطالبنى بنشر الغسيل، هل تعرف أن هذه المرة الأولى التى تطلب منى فيها زوجتى شيئًا كهذا؟ انظر لى.. هل أبدو لك شخصًا ينشر الغسيل لزوجته؟

الحقيقة أن الرجل العملاق لم يبدُ كشخص يجفف الغسيل أو يجفف أى شىء لزوجته، لم يبدُ كشخص يتلقى الأوامر أو يساعد فى المنزل، كان شخصًا مخيفًا جافًّا وضخمًا، وصوته قوى كأنك تحاور حجرًا لا إنسانًا. 

قال المدرس:

- زوجتى مريضة، أنا أساعدها عندما أستطيع، الهواء البارد يسبب لها أزمة تنفُّس، ولكن ما مشكلتك أنت؟ تلك أمور تخصنى، كل شخص حر فى بيته.

قاطعه العملاق:

- لقد نطقتَ بالحق، أنت حر داخل بيتك، لكن الشرفة خارجه وليست داخله، إياك أن تكررها مرة أخرى.. تذكَّر جيدًا، لو لمحتُ فى يدك منديلًا واحدًا فى الشرفة فسوف تضع نفسك فى ورطة.

تحرك العملاق والأرض تئن من خطواته، أشفق المدرس على الأرض التى يضغط عليها العملاق بقدمه، كان يدهس الحشائش فى الحديقة كثور هائج يحرث الأرض.. وقف المدرس مستمعًا لما يحدث، قال لنفسه: لا أصدِّق ما يحدث، يبدو أن ذلك الرجل مجنون.. لكنه فى صباح اليوم التالى فوجئ بمحضر من النيابة يستدعيه للمثول فى تحقيق رسمى تقدم به العملاق.. 

سأله مدير المدرسة:

- هل هناك مشكلة؟

ولم يعرف ماذا يقول، قال له المدير: إن المدرس سمعة، وعليه أن يتقى المشكلات، خاصة أن المدرسة ليست مكانًا لفض المنازعات.

أمام وكيل النيابة، جلس المدرس وبدأت التحقيقات..

قال وكيل النيابة: 

- جارك يشتكى أنك تتسبب له فى مضايقات من شرفة منزلك، ما قولك؟

قال المدرس:

- لم أفعل شيئًا، إنه يريد منى أن أتوقف عن نشر الغسيل فى شرفة بيتى، يدَّعى أن ذلك يتسبب فى المشاكل بينه وبين زوجته.

ضحك وكيل النيابة وقال: 

- لكنه يشتكى بغير ذلك، يقول إنك تتتبَّع زوجته من شرفة منزلك، حكاية الغسيل تلك أول مرة أسمعها، هل تنشر الغسيل فعلًا بدلًا من زوجتك؟ 

- نعم، زوجتى مريضة وأنا أساعدها.

- هل تفعل ذلك باستمرار؟

- أغلب فصل الشتاء أنا من ينشر الغسيل؛ لأن الهواء البارد يسبب لها حساسية.

سكت وكيل النيابة قليلًا ثم قال:

- وفى الصيف مَن منكما ينشر الغسيل؟ 

- وهل هناك مشكلة قانونية فى نشر الغسيل؟ حضرتك كل الناس تفعل فى بيوتها الأمور اليومية. 

قال وكيل النيابة:

- صدقنى أنا متعاطف معك.

ثم نظر لكاتب الجلسة وقال: 

- لا تُسجِّل موضوع التعاطف.

ورجع للمدرس وقال: 

- ولكن أنت متزوج، الوضع مختلف، لو كنت أعزب يصبح من الطبيعى أن تجفف ملابسك بنفسك، لكنك متزوج، لماذا لا تجفف زوجتك الغسيل؟

لم يجد المدرس ما يخبر به وكيل النيابة، لم يفهم ما هى تهمته، سكت قليلًا، ثم سأل وكيل النيابة:

- هل تهمتى الآن أنى أجفف ملابسى؟ 

قال وكيل النيابة: 

- لا بل تهمتك هى التعدى على خصوصية الجار، من فضلك سلِّم هاتفك المحمول للقسم الفنى بالنيابة قبل أن ترحل.

نظر لكاتب الجلسة وسأله:

- هل سجَّلت كل ما سبق؟

وقبل أن يجيب أكمل كلامه: 

- اكتب عندك أيضًا: وأقرَّ المدعو بمواظبته على تجفيف ملابسه لفترات طويلة داخل الشرفة المطلة على عمارة رقم ١٥، وأمرنا نحن وكيل النائب العام باستدعاء ناظر المدرسة التى يعمل بها، وفرد الأمن؛ لاتخاذ أقوالهما. 

سأل المدرس:

- ما علاقة هاتفى المحمول بالموضوع؟ 

قال وكيل النائب العام وهو يقوم ويرتدى الجاكت: 

- جارك اشتكى أنك تُصوِّر زوجته بهاتفك، وقدَّم دليلًا على ذلك. 

بعد الفحص الفنى وسماع أقوال الناظر والزملاء وفرد الأمن، تبين وجود صور لسكان عمارة ١٥ من السيدات والأطفال على هاتف المتهم، وجاء فى أقوال الزملاء أن المتهم سأل عن عدة صور لتلاميذ كانت على هاتفه، وبحث عنهم فى فصول المدرسة.. قال فرد الأمن: 

- إن المتهم كان يجلس فى سيارته ممسكًا بهاتفه المحمول لفترة طويلة.. وجاءت فى كاميرات المراقبة صور له وهو جالس فى سيارته ممسكًا بهاتفه يصور الأطفال فى عمارة ١٥.

من تفاصيل القضية تبين أن المتهم مذنب، أما باقى الجيران فى عمارة ١٥، فلما عرفوا بوجود صور لزوجاتهم وأبنائهم على هاتفه فقد اشتكوا ضده فى القضية نفسها.. زملاؤه فى المدرسة اعتزلوه، وتم إيقافه عن العمل، أما الجيران فكانوا يتجنبونه هو وزوجته. 

لقد انتهت حياة الرجل فى شهر واحد، ورغم أنه خرج بكفالة، فإن القضية لم تُحسم بعدُ، فى أى لحظة ربما يُسجن لعدة سنوات.. نزل من بيته فى جوف الليل، صعد إلى عمارة ١٥ إلى شقة الرجل العملاق، رنَّ جرس الباب عدة مرات، حتى فتح العملاق الباب، اندهش من جرأة المدرس، قال له: 

- ماذا تريد؟

صرخ المدرس فى غضب: 

- تنازَل عن القضية وإلا أنا من سيرتكب الجريمة هذه المرة.

كان الرجل يهدد بصدق، عندما انتهت حياته لم يجد ما يفعله غير الانتقام.. ارتبك العملاق من تهديد الرجل الصادق، قال فى لهجة هادئة:

- أعترف أنى تماديت، سأذهب للنيابة غدًا.

لكن محامى الرجل العملاق قال له:

- لو تنازلتَ عن القضية الآن، فسوف تُتهم بالبلاغ الكاذب، ربما تُحبس أنت.

واتفق العملاق مع المحامى على استمرار القضية، مع تخفيف حدة الهجوم على المتهم.

لم ينشر المدرس الغسيل فى شرفته مرة أخرى، فى الليل كان يسمع صوت صدْر زوجته يئن من الهواء البارد، وكان يُشفق عليها، أراد أن يرحل عن الحى ولم تُسعفه مدخراته فى البحث عن مكان جديد يسكن فيه، جاءت تحريات المباحث أن المدرس صوَّر كل الصور على هاتفه بعد تاريخ لقائه بالرجل الضخم أول مرة.

اكتفت المحكمة بغرامة بتهمة إزعاج الجيران.. لم يلتقِ المدرس والعملاق مرة أخرى، كان العملاق مشغولًا بمرض زوجته المفاجئ.. وكان المدرس مشغولًا بالبحث عن عمل جديد بعد أن لفظته المدرسة، باع سيارته وبدأ فى التجارة.. كانت تجارته تزدهر، اشترى لزوجته مجففًا أوتوماتيكيًا يعمل بالكهرباء.. لم يسمع صوت صدرها الذى يزمجر فى الشتاء بعد ذلك، لم يدخل الشرفة كثيرًا، فكان لا يزال متهمًا فى عيون الجيران، بعض التهم لا يسقط بالبراءة، تلك التهم التى تترك وصمة.. لذلك انشغل أكثر بعمله الذى تنامى، اشترى بيتًا جديدًا كبيرًا ليبتعد عن هذا الحى الذى يَصِمُه..

انتقل المدرس لبيته الجديد، لكنه احتفظ بشقته القديمة، كان يعود إليها كل فترة كنوع من الحنين البائس لمكان قديم خرج منه مقهورًا. فى إحدى المرات، عندما وقف خلف نافذة بيته القديم، لمح جاره العملاق يجفف غسيله فى الشرفة.. عرف أن زوجة العملاق اشتد عليها المرض، أصبح العملاق مضطرًّا لمسـاعدتها.

عندما رآه العملاق ينظر إليه عرف أنه هالك.. من ليلتها اعتاد المدرس العودة للبيت القديم؛ رغبةً فى الانتقام، كان يقف فى الشرفة وينظر للعملاق بنظرات مهدِّدة، بينما يجفف الرجل العملاق الملابس وينظر للمدرس بنظرات متوسلة بالرحمة.. قبل أن يتوجه المدرس للنيابة للشكوى ضد العملاق الذى يجفف ملابسه فى شرفة منزله، كان المدرس متأكدًا من أن بعـض التهم لا يسقط بالبراءة، لكنه من صميم قلبه تمنى لزوجة العملاق الشفاء.

من المجموعة القصصية «خطأ فى الإجراءات» 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق