لم تعد بعض البرامج الجامعية، مثل التعليم المفتوح وما شابهه، مجرد مسارات تعليمية بديلة، لكن تحولت عبر سنوات إلى باب واسع لبيع الشهادات وإثارة أسئلة خطيرة حول قيمة المخرجات الجامعية.
فمثلا، في برامج "التعليم المفتوح" التي كانت سبة في جبين كل الجامعات المصرية الحكومية، وسبوبة لها أيضًا، والتي أسرعت جميعها في ذلك الوقت لإدخال هذه البرامج لديها في كل الكليات النظرية مثل الحقوق والتجارة والآداب والخدمة الاجتماعية، وحتى كليات الإعلام.
وتحولت الجامعات في هذه البرامج إلى مجرد مكان لبيع الشهادات لكل الملتحقين بها من خريجي التعليم الفني والثانوية العامة بعد مرور خمس سنوات على تخرجهم، وهم الذين لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بهذه الكليات من البداية نظرًا لضعف مجموعهم المتدني عند التخرج.
وكان التعليم المفتوح هو الملاذ لهم وقتها لشراء شهادات البكالوريوس والليسانس مثلهم مثل بقية الطلاب المنتظمين.
وبعد حدوث كوارث تعليمية في منح شهادات التعليم المفتوح هذه لنوعية لا علاقة لها بالتعليم الجامعي، ونوعية لم تنتظم يومًا في أي محاضرات إلا نادرًا في محاضرات مجمعة لمن يريد منهم، بمعدل مرة في الشهر أو مرتين على الأكثر، ولم يعش أي منهم جو التعليم الجامعي ولم يتأثروا به.
وبعد حملة أخبار اليوم التي قادها كاتب هذه السطور لمدة سبع سنوات بدءًا من عام 2009، والتي كشف فيها عوار التعليم المفتوح، وأنه أصبح خطرًا على الأمن القومي بعد أن وصلت أعداد المقبولين به ضعف عدد الطلاب المنتظمين بهذه الكليات.
حيث كان يتم قبول 2400 طالب سنويًا في برامج التعليم المفتوح الخاصة بالإعلام بجامعة القاهرة، مع أن كلية الإعلام ذاتها لا تقبل سوى 400 طالب وقتها من طلاب الثانوية العامة فقط أو ما يعادلها من الشهادات العربية أو الأجنبية.
وكانت كلية مثل حقوق بنها تقبل ما يزيد عن 3500 طالب وطالبة بالتعليم المفتوح، مع أن عدد المقبولين بها من المنتظمين الحاصلين على الثانوية العامة لا يزيد عن 1500 طالب وطالبة.
لذلك ـ ولم يكن الهدف منه سوى العائد المادي فقط، سواء للكليات أو لأعضاء هيئة التدريس خاصة في توزيع الكتب والسيديهات ـ وبعد حملة أخبار اليوم، قرر المجلس الأعلى للجامعات نفسه، بحضور رؤساء الجامعات، وقف برامج التعليم المفتوح منذ عام 2016 بعد أن تحولت إلى مجرد باب خلفي لدخول الجامعات.
واستبدلها بما يسمى بالتعليم المدمج، الذي لا تعادل شهادته شهادة الليسانس أو البكالوريوس الأكاديمي، ومن وقتها بدأ يتوارى هذا النوع من التعليم بشكل كبير جدًا بجميع الجامعات، لأن الهدف من البداية كان مجرد شراء شهادة بكالوريوس أو ليسانس.
جريمة الانتساب الموجه
إلا أنه ما زال هناك عواران آخران يتم تطبيقهما حتى الآن بالجامعات المصرية، خاصة في الكليات النظرية أيضًا، وتسبب كل منهما في زيادة حجم البطالة في المجتمع بشكل خطير من خريجي هذه الكليات.
وأول هذين العوارين ما يسمى "بالانتساب الموجه"، الذي لا يشترط فيه حضور الطالب أي محاضرات، ويتم الالتحاق به لمن لم يستطيعوا الالتحاق بأي من هذه الكليات كمنتظمين نظرًا لضعف مجموعهم.
وتحول هذا النوع من التعليم، وما زال، إلى نوع من التجارة وشراء شهادات، وعائد مادي كبير للجامعات وأعضاء هيئة التدريس مقابل توزيع الكتب والسيديهات.
ولذلك تم التوسع في القبول بهذه البرامج في كل الكليات النظرية لقبول أكبر عدد من الطلاب، حتى يفوق عدد الطلاب المنتظمين بنفس الكلية، ووصل في سنة من السنوات إلى أن تبلغ نسبة المقبولين به 50% من إجمالي ما تم قبوله بأي كلية نظرية.
وتحولت العملية، وما زالت، إلى مجرد تجارة وشراء شهادات، ومنتج ضعيف جدًا من الخريجين، مما تسبب في زيادة نسبة البطالة في المجتمع بشكل كبير جدًا، وهو ما حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الفترة الأخيرة.
حيث أشار إلى كثرة خريجي الكليات النظرية بما يفوق احتياجات المجتمع بأضعاف مضاعفة، وطالب مرارًا بالتركيز على البرامج التطبيقية التي تتفق وسوق العمل.
نعم، تم تخفيض نسبة الانتساب الموجه في الفترة الأخيرة، لكنه ما زال يمثل جريمة في حق المجتمع، حيث تقوم الكليات ببيع شهادات لطلاب لم يتعلموا شيئًا مؤثرًا، بعد أن قضوا سنوات دراستهم في الكسل والسهر، ثم الذهاب في نهاية العام للامتحان.
الماجستير والدكتوراه المهنية
أما العوار الثاني، فهو ما يسمى بالماجستير والدكتوراه المهنية بالجامعات الحكومية، التي بدأت هي الأخرى تشهد توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل زيادة الطلب عليها باعتبارها مسارًا للتأهيل المهني وتحسين الفرص الوظيفية.
وقد ساهم هذا التوسع في إتاحة فرص تعليمية واسعة، إلا أن الواقع يشير إلى وجود تحديات تتعلق بدرجة الاتساق بين أهداف هذه البرامج وطبيعة مخرجاتها في بعض الحالات.
ويتمثل التحدي الأساسي في الحاجة إلى إعادة التوازن بين التوسع الكمي وضمان جودة المخرجات المهنية، بما يحافظ على القيمة العلمية والعملية للدرجات الممنوحة.
خاصة بعدما شهدت برامج الماجستير والدكتوراه المهنية توسعًا كميًا ملحوظًا، لم يعد يقتصر على تلبية احتياجات التأهيل المهني، بل أصبح أحد المسارات الرئيسية للتعليم المستمر.
وفي بعض الحالات، صاحب هذا التوسع تباين في جودة المخرجات، بما قد يؤثر على القيمة المهنية للدرجات وثقة سوق العمل.
وقد تسبب ذلك مؤخرًا في تراجع القيمة السوقية لهذه الدرجات، وضعف القدرة على التمييز بين الكفاءات، وانخفاض الأثر التطبيقي للبرامج مع استمرار التوسع دون ضبط جودة.
وقد شهدت برامج الدراسات العليا المهنية (مثل MBA وDBA) توسعًا كبيرًا عالميًا، باعتبارها أداة لتأهيل القيادات التنفيذية وربط المعرفة الأكاديمية بالتطبيق العملي.
حيث إن الماجستير المهني من المفترض أن يدرب الملتحق به عمليًا على المهارات التطبيقية، وكيفية اتخاذ القرار والإدارة الجيدة.
أما الدكتوراه المهنية، فمن المفترض أن يتدرب فيها الباحث عمليًا وتطبيقيًا على حل مشكلات حقيقية وتطوير ممارسات إدارية وإجراء بحوث تطبيقية.
إلا أن هذا التوسع، في بعض السياقات، أدى إلى انحراف هذه البرامج عن أهدافها الأساسية، وتحولها إلى مسارات للحصول على شهادات دون تحقيق التأهيل المهني الحقيقي.
وقد برزت تحديات واضحة في هذا المجال، خاصة في كليات التجارة، كما يؤكد ذلك د. أمين لطفي أستاذ المحاسبة ورئيس جامعة بني سويف الأسبق.
حيث ارتبط التوسع في هذه البرامج في بعض الحالات باعتبارات تمويلية أكثر من كونه استجابة لمتطلبات الجودة أو سوق العمل.
كما أن هذا التوسع في بعض الحالات لم يصاحبه ضبط كافٍ لمعايير الجودة، مما أدى إلى قبول أعداد كبيرة دون تحقق كافٍ من الخبرة المهنية، وضعف الارتباط الفعلي بسوق العمل.
مع اعتماد التقييم على أدوات تقليدية لا تعكس الكفاءة المهنية، وتقديم مشروعات تخرج ذات طابع نظري محدود التأثير.
كما ظهر تشابه كبير مع البرامج الأكاديمية في الشكل دون اختلاف حقيقي في المضمون، ومحدودية آليات تقييم المشروعات التطبيقية.
وقد أدى ذلك إلى تباين واضح في جودة البرامج، وتأثر القيمة المهنية لبعض الشهادات في سوق العمل، وتراجع ثقة سوق العمل في خريجي هذه البرامج.
إضافة إلى صعوبة التمييز بين البرامج ذات الجودة المرتفعة والمنخفضة، وفقدان تدريجي للقيمة التنافسية للجامعات المصرية، واتجاه المتعلمين إلى بدائل خارجية أو خاصة.
كما تحولت بعض هذه البرامج إلى مجرد شهادات تحقق عائدًا ماليًا فقط، أكثر من كونها أدوات تأهيل، مما تسبب في فقدان الثقة في MBA وDBA، نتيجة المساواة بين الطالب الجيد والضعيف.
ولذلك يؤكد د. أمين لطفي أنه إذا تُركت البرامج المهنية بدون ضبط كما يحدث الآن، ستتحول إلى مجرد "سوق للشهادات فقط".
ومن هنا أصبحنا في حاجة شديدة إلى ضرورة إصدار حزمة قرارات عاجلة من المجلس الأعلى للجامعات ووزير التعليم العالي لضبط القبول بهذه البرامج.
وأن يكون هناك حد أدنى للخبرة لكل من سيلتحق بها، وأن يتم القبول من خلال مقابلة إلزامية وتقييم مهني.
مع منع المشروعات النظرية في هذه البرامج، وإلزام الباحث بأن تكون رسالته مشروعًا تطبيقيًا مرتبطًا بجهة عمل، مع إشراك عضو خارجي من القطاع الخاص في تقييم مشروعات التخرج.
وكفانا بيع شهادات لا قيمة لها بالجامعات المصرية، إذا كنا نريد بالفعل علاج هذه العوارات، وأن تكون الشهادات ذات قيمة حقيقية ومرتبطة باحتياجات سوق العمل، بعد أن ترتقي فعليًا بمستوى الخريج.


















0 تعليق