من بين الأمور القليلة التي يمكن أن تفرح قلب اللبنانيين في خضم ما يتعرّضون له من اعتداءات وتهديدات تأتي المبادرة السعودية لتعيد إليهم بعضًا من أمل كاد يضمحل لكثرة ما عانوه على مدى أكثر من ثلاث سنوات من حروب قد أعادت لبنان سنوات ضوئية إلى ما وراء الوراء. وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها لسيت مجرد قرار ذات طابع اقتصادي وانمائي بحت، بل في ما له من علامات واشارات سياسية وديبلوماسية ترسلها الرياض إلى العواصم المعنية بأزمة لبنان الشاملة وغير المقتصرة على ناحية واحدة فقط، بل تطال كل مفصل من مفاصل حياة اللبنانيين، وما لها علاقة مباشرة بمستقبلهم في منطقة تقف على فوهة بركان متحرّك وناشط لا يعرف أحد متى ينفس حممه في كل اتجاه.
وهذه المبادرة عدا عن كونها محرّك أساسي لتنشيط الحركة الاقتصادية اللبنانية ومحاولة جدية لإعادتها إلى سابق عهدها، ازدهارًا وثقة وتعاونًا، تؤسّس لمرحلة جديدة من العلاقة المتينة بين بيروت والرياض وتقوم على تقنيات حديثة ومتطورة في المقاربات السياسية، ولكن مع الحفاظ على ما اتسمت به هذه العلاقة بين المملكة ولبنان وبين الشعبين السعودي واللبناني من مودة واحترام ومحبة.
ويرى أكثر من مرجع اقتصادي أن من شأن هذه المبادرة، التي أتت في توقيتها الصحيح، أن تشجّع باقي دول الخليج العربي على حذو ما أقدمت عليه الرياض في تنشيط الحركة التجارية بين عواصمها والعاصمة اللبنانية، خصوصًا بعدما اطمأنت السلطات المحلية في دول الخليج العربي إلى التدابير التي اتخذتها السلطات اللبنانية للحدّ من موجة تهريب المخدرات عبر المرافئ اللبنانية إلى هذه الدول، التي تأثرت علاقتها بلبنان سلبًا.
ولا يكمن إغفال ما لتوقيت هذه المبادرة من أهمية إذ أنها تأتي في ظل ما يُتخذ من إجراءات بين الحكومتين اللبنانية والسورية من إجراءات وتدابير عبر المعابر الحدودية غير الشرعية، وما يليها من قرارات تصب في خانة إعادة النشاط الطبيعي لحركة "الترانزيت بين لبنان والدول العربية، مع ما لأهمية الانفتاح الإيجابي بين لبنان وسوريا من تأثير على الحركة التجارية التبادلية بين البلدين العربيين الأقرب إلى بعضهما البعض جغرافيًا.
غير أن قراءة المبادرة السعودية من زاوية اقتصادية بحتة تبقى قاصرة عن الإحاطة بأبعادها الحقيقية. فالمملكة، التي لطالما شكّلت العمق العربي الطبيعي للبنان، لا تقدم اليوم مجرد تسهيلات تجارية أو فرص استثمارية، بل تبعث برسالة واضحة مفادها أن لبنان لا يزال حاضرًا في أولوياتها العربية، وأنه لم يُترك لمصيره على رغم كل ما مرّ به من أزمات وانهيارات.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تأتي في مرحلة إقليمية دقيقة تشهد إعادة رسم للتوازنات والعلاقات بين دول المنطقة. فالمملكة العربية السعودية، التي لعبت خلال العقود الماضية دورًا محوريًا في دعم الاستقرار اللبناني، تبدو اليوم أكثر حرصًا على ربط أي انفتاح اقتصادي بإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز دورها وقدرتها على الإمساك بقرارها السيادي والاقتصادي والأمني.
ومن هنا، فإن المبادرة السعودية يمكن النظر إليها كجزء من رؤية أشمل تتجاوز الاعتبارات التجارية المباشرة إلى المساهمة في إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي الطبيعي بعد سنوات من التوتر والقطيعة وسوء الفهم. فكل شاحنة تعبر الحدود بصورة شرعية، وكل سلعة لبنانية تجد طريقها إلى الأسواق الخليجية، وكل مستثمر يستعيد ثقته بالسوق اللبنانية، تشكل خطوة إضافية نحو استعادة لبنان لدوره الاقتصادي والتجاري الذي لطالما تميز به.
ولا تخفي الأوساط الاقتصادية أن عودة الأسواق السعودية والخليجية إلى استقبال المنتجات اللبنانية من شأنها أن تنعكس إيجابًا على قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والخدمات، وأن توفر آلاف فرص العمل التي يحتاجها اللبنانيون في هذه المرحلة الصعبة. كما أن هذه العودة تحمل في طياتها عنصرًا معنويًا لا يقل أهمية عن المكاسب المادية، لأنها تعيد بناء الثقة المفقودة بين لبنان وأشقائه العرب.
وفي موازاة ذلك، يقرأ مراقبون في هذه الخطوة مؤشرًا إلى أن المجتمعين العربي والدولي يراقبان عن كثب مسار الإصلاحات والإجراءات التي بدأت الدولة اللبنانية باتخاذها على المستويات الأمنية والجمركية والإدارية. فكلما نجحت السلطات اللبنانية في فرض القانون وضبط الحدود ومحاربة التهريب والفساد، ازدادت فرص انفتاح الدول العربية على لبنان وتعزيز استثماراتها فيه.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الاستفادة من المبادرة السعودية، بل في القدرة على البناء عليها وتحويلها إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التعافي الوطني. فالمملكة فتحت الباب مجددًا أمام لبنان، لكن عبور هذا الباب يحتاج إلى دولة فاعلة وإدارة رشيدة ورؤية اقتصادية واضحة تستفيد من الفرص المتاحة بدل إهدارها كما حصل في محطات كثيرة من الماضي.
تبدو المبادرة السعودية اليوم أشبه برسالة ثقة سياسية واقتصادية في آن واحد. فهي تؤكد أن لبنان ما زال قادرًا على استعادة مكانته العربية إذا أحسن قراءة المتغيرات الإقليمية واستثمر في علاقاته التاريخية مع أشقائه. وهي، قبل كل شيء، دعوة للبنانيين إلى التقاط الفرصة قبل أن تضيع في متاهات الانقسامات والحسابات الضيقة، لأن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد دعم اقتصادي، بل استعادة الثقة العربية والدولية بدولته ومؤسساته ومستقبله.
Advertisement
ويرى أكثر من مرجع اقتصادي أن من شأن هذه المبادرة، التي أتت في توقيتها الصحيح، أن تشجّع باقي دول الخليج العربي على حذو ما أقدمت عليه الرياض في تنشيط الحركة التجارية بين عواصمها والعاصمة اللبنانية، خصوصًا بعدما اطمأنت السلطات المحلية في دول الخليج العربي إلى التدابير التي اتخذتها السلطات اللبنانية للحدّ من موجة تهريب المخدرات عبر المرافئ اللبنانية إلى هذه الدول، التي تأثرت علاقتها بلبنان سلبًا.
ولا يكمن إغفال ما لتوقيت هذه المبادرة من أهمية إذ أنها تأتي في ظل ما يُتخذ من إجراءات بين الحكومتين اللبنانية والسورية من إجراءات وتدابير عبر المعابر الحدودية غير الشرعية، وما يليها من قرارات تصب في خانة إعادة النشاط الطبيعي لحركة "الترانزيت بين لبنان والدول العربية، مع ما لأهمية الانفتاح الإيجابي بين لبنان وسوريا من تأثير على الحركة التجارية التبادلية بين البلدين العربيين الأقرب إلى بعضهما البعض جغرافيًا.
غير أن قراءة المبادرة السعودية من زاوية اقتصادية بحتة تبقى قاصرة عن الإحاطة بأبعادها الحقيقية. فالمملكة، التي لطالما شكّلت العمق العربي الطبيعي للبنان، لا تقدم اليوم مجرد تسهيلات تجارية أو فرص استثمارية، بل تبعث برسالة واضحة مفادها أن لبنان لا يزال حاضرًا في أولوياتها العربية، وأنه لم يُترك لمصيره على رغم كل ما مرّ به من أزمات وانهيارات.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تأتي في مرحلة إقليمية دقيقة تشهد إعادة رسم للتوازنات والعلاقات بين دول المنطقة. فالمملكة العربية السعودية، التي لعبت خلال العقود الماضية دورًا محوريًا في دعم الاستقرار اللبناني، تبدو اليوم أكثر حرصًا على ربط أي انفتاح اقتصادي بإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز دورها وقدرتها على الإمساك بقرارها السيادي والاقتصادي والأمني.
ومن هنا، فإن المبادرة السعودية يمكن النظر إليها كجزء من رؤية أشمل تتجاوز الاعتبارات التجارية المباشرة إلى المساهمة في إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي الطبيعي بعد سنوات من التوتر والقطيعة وسوء الفهم. فكل شاحنة تعبر الحدود بصورة شرعية، وكل سلعة لبنانية تجد طريقها إلى الأسواق الخليجية، وكل مستثمر يستعيد ثقته بالسوق اللبنانية، تشكل خطوة إضافية نحو استعادة لبنان لدوره الاقتصادي والتجاري الذي لطالما تميز به.
ولا تخفي الأوساط الاقتصادية أن عودة الأسواق السعودية والخليجية إلى استقبال المنتجات اللبنانية من شأنها أن تنعكس إيجابًا على قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والخدمات، وأن توفر آلاف فرص العمل التي يحتاجها اللبنانيون في هذه المرحلة الصعبة. كما أن هذه العودة تحمل في طياتها عنصرًا معنويًا لا يقل أهمية عن المكاسب المادية، لأنها تعيد بناء الثقة المفقودة بين لبنان وأشقائه العرب.
وفي موازاة ذلك، يقرأ مراقبون في هذه الخطوة مؤشرًا إلى أن المجتمعين العربي والدولي يراقبان عن كثب مسار الإصلاحات والإجراءات التي بدأت الدولة اللبنانية باتخاذها على المستويات الأمنية والجمركية والإدارية. فكلما نجحت السلطات اللبنانية في فرض القانون وضبط الحدود ومحاربة التهريب والفساد، ازدادت فرص انفتاح الدول العربية على لبنان وتعزيز استثماراتها فيه.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الاستفادة من المبادرة السعودية، بل في القدرة على البناء عليها وتحويلها إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التعافي الوطني. فالمملكة فتحت الباب مجددًا أمام لبنان، لكن عبور هذا الباب يحتاج إلى دولة فاعلة وإدارة رشيدة ورؤية اقتصادية واضحة تستفيد من الفرص المتاحة بدل إهدارها كما حصل في محطات كثيرة من الماضي.
تبدو المبادرة السعودية اليوم أشبه برسالة ثقة سياسية واقتصادية في آن واحد. فهي تؤكد أن لبنان ما زال قادرًا على استعادة مكانته العربية إذا أحسن قراءة المتغيرات الإقليمية واستثمر في علاقاته التاريخية مع أشقائه. وهي، قبل كل شيء، دعوة للبنانيين إلى التقاط الفرصة قبل أن تضيع في متاهات الانقسامات والحسابات الضيقة، لأن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد دعم اقتصادي، بل استعادة الثقة العربية والدولية بدولته ومؤسساته ومستقبله.











0 تعليق