تأكيدًا لما نشرته «الدستور» قبل أسبوعين، تحت عنوان «ماذا سيحدث بعد 14 يومًا في قطاع البترول؟.. اعرف التفاصيل عن سداد كافة المستحقات»، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية إنهاء ملف مستحقات الشركاء الأجانب بالكامل، ووصول المتأخرات إلى «صفر» لأول مرة منذ سنوات، بعدما كانت قد سجلت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024.
مصر تنهي مستحقات الشركاء الأجانب
ويمثل هذا التطور، وفق تقديرات خبراء ومسؤولين، نقطة فاصلة في علاقة الدولة بشركات البترول العالمية العاملة في مصر، ورسالة مباشرة إلى مجتمع الاستثمار الدولي بأن القاهرة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الوفاء بالالتزامات، واستعادة الثقة، وتحفيز الشركات على ضخ استثمارات إضافية في أنشطة الحفر والاستكشاف وتنمية الحقول.
وأعلن المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أن الدولة المصرية نجحت في تحقيق إنجاز استراتيجي مهم بإنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بشكل كامل، مؤكدًا أن وصول المستحقات إلى صفر يعكس إرادة واضحة من الدولة لدعم قطاع البترول وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج.
وأكد الوزير أن هذا الإنجاز جاء بدعم ومتابعة مستمرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبعمل حكومي منسق تحت قيادة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وبالتعاون الكامل بين مختلف الجهات المعنية، في ظل إدراك الدولة لأهمية قطاع البترول والغاز باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الوطني ومصدرًا محوريًا لتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة.
وقال بدوي إن إنهاء ملف المستحقات المتأخرة يفتح صفحة جديدة في مسيرة قطاع البترول المصري، تقوم على الثقة المتبادلة مع الشركاء الأجانب، وتسريع وتيرة الاستثمارات، ورفع معدلات البحث والاستكشاف والتنمية، بما ينعكس بصورة مباشرة على زيادة إنتاج مصر من الزيت الخام والغاز الطبيعي خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن تراكم المستحقات خلال السنوات الماضية كان أحد أبرز التحديات التي واجهت القطاع، نظرًا لتأثيره على خطط الشركات وبرامجها الاستثمارية، خاصة فيما يتعلق بحفر آبار جديدة، وتنمية الاكتشافات، وتنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالإنتاج، ومع إنهاء هذا الملف، تستعيد الشركات قدرتها على التخطيط طويل الأجل داخل السوق المصرية بثقة أكبر.
وفي تصريح خاص، قال مسؤول بارز بوزارة البترول والثروة المعدنية لجريدة الدستور إن الوصول إلى «صفر مستحقات» يمثل تحولًا حقيقيًا في مناخ الاستثمار بقطاع الطاقة، لأن المستحقات المتأخرة كانت ترتبط مباشرة بقرارات الشركات العالمية بشأن تخصيص ميزانيات الحفر والتنمية داخل مصر.
وأضاف المسؤول أن شركات البترول العالمية تتعامل مع الأسواق وفق معايير واضحة، في مقدمتها استقرار مناخ الاستثمار، وسرعة استرداد المستحقات، ووضوح آليات السداد، وقدرة الدولة المضيفة على الالتزام بتعهداتها التعاقدية، ومن ثم فإن إنهاء هذا الملف بالكامل يعزز موقف مصر التفاوضي أمام المستثمرين ويدعم قدرتها على المنافسة الإقليمية في جذب رؤوس الأموال.
وأشار المسؤول إلى أن القرار لا يمكن النظر إليه باعتباره تسوية مالية فقط، لأنه يحمل بعدًا اقتصاديًا واستثماريًا أوسع، يتمثل في إعادة تنشيط دورة الاستثمار داخل قطاع البترول والغاز، فالشركة التي تحصل على مستحقاتها في موعدها تكون أكثر استعدادًا لتوسيع أعمالها، وزيادة عدد الحفارات، والإسراع في تنفيذ خطط تنمية الحقول القائمة، والدخول في مزايدات جديدة للبحث والاستكشاف.
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت بالفعل مؤشرات إيجابية على عودة الزخم الاستثماري، مع استئناف عدد من الشركاء الأجانب برامج الحفر والتنمية بوتيرة أسرع، خاصة في مناطق الامتياز ذات الاحتمالات الواعدة، سواء في البحر المتوسط أو الصحراء الغربية أو خليج السويس أو دلتا النيل، وهي مناطق تمثل ركيزة أساسية في خريطة إنتاج الطاقة المصرية.
وتابع المسؤول أن قطاع البترول يستهدف البناء على هذا الإنجاز عبر حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل تسريع إجراءات الموافقات، وتحسين شروط الاستثمار في المناطق ذات المخاطر العالية، وتكثيف أعمال المسح السيزمي، وطرح فرص جديدة أمام الشركات، إضافة إلى دعم الشركاء الحاليين في تنفيذ برامجهم الفنية وفق جداول زمنية واضحة.
وأكد أن تنمية الحقول البحرية، خصوصًا في المياه العميقة بالبحر المتوسط، تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتقنيات متقدمة وفترات إعداد طويلة، تبدأ من التقييم الفني والهندسي، مرورًا بحفر الآبار ومد خطوط نقل الغاز، وصولًا إلى الربط على التسهيلات الإنتاجية ومحطات المعالجة، ومن هنا تبرز أهمية انتظام المستحقات في تشجيع الشركات على اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة في مثل هذه المشروعات المعقدة.
ويرى مراقبون أن إنهاء ملف مستحقات الشركات الأجنبية قد ينعكس خلال الفترة المقبلة على زيادة معدلات الإنتاج المحلي، خاصة أن تراجع الاستثمارات في الحفر والاستكشاف خلال فترات سابقة كان أحد العوامل المؤثرة على الإنتاج، ومع عودة الثقة، تصبح الفرصة أكبر أمام الشركات لضخ استثمارات جديدة لتعويض التناقص الطبيعي في الحقول القائمة وإضافة احتياطيات جديدة.
كما يكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، وحرص الدولة على تعزيز أمن الطاقة وتقليل فاتورة الاستيراد قدر الإمكان، من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة.
وأكد وزير البترول أن مصر تمتلك مقومات قوية تجعلها واحدة من أهم وجهات الاستثمار في مجال الطاقة بالمنطقة، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وبنيتها التحتية المتطورة، وتسهيلات الإسالة والتصدير، وشبكات نقل الغاز، والخبرات الفنية والبشرية التي يتمتع بها قطاع البترول المصري، إلى جانب الفرص الكبيرة في مجالات البحث والاستكشاف والإنتاج.
وأشار إلى أن رسالة مصر إلى المستثمرين واضحة، ومفادها أن الدولة تحترم تعهداتها وتلتزم بشراكاتها، وتعمل على توفير بيئة أعمال مستقرة وجاذبة، تحقق مصلحة الدولة والشركاء في الوقت نفسه، وتدعم استدامة الإنتاج وتوسيع قاعدة الاستثمارات.
وشدد الوزير على أن الوصول إلى صفر مستحقات لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تستهدف تعظيم الإنتاج، وزيادة معدلات الحفر، وتسريع تنمية الاكتشافات، ورفع كفاءة استغلال البنية التحتية القائمة، وإضافة طاقات إنتاجية جديدة تدعم الاقتصاد المصري وتلبي احتياجات السوق المحلية.
واختتم بدوي تصريحاته بتوجيه الشكر إلى شركاء الاستثمار في قطاع البترول والغاز على ثقتهم المستمرة في السوق المصرية، مؤكدًا أن هذه الثقة كانت عاملًا مهمًا في تجاوز التحديات وتحقيق هذا الإنجاز، كما وجه التحية للعاملين بقطاع البترول والثروة المعدنية على جهودهم خلال الفترة الماضية، والتي أسهمت في طي واحد من أصعب الملفات وفتح الباب أمام انطلاقة جديدة لقطاع الطاقة المصري.











0 تعليق