الأربعاء 10/يونيو/2026 - 10:05 ص 6/10/2026 10:05:20 AM
هناك وجوهٌ صُنعت للشاشة، ووجوهٌ صُنعت لتشبه الأرض والناس؛ ووجه عبد العزيز مخيون من هذا النوع الأخير. تجاعيد جبهته، ونظرته الحادّة التي تحمل مسحةَ شجنٍ دائم، تجعله يبدو كمن يحمل تاريخًا كاملًا فوق كتفيه. هو لا يحتاج إلى مكياجٍ أو إكسسواراتٍ ليُقنعك بأنه رجلٌ مثقف، أو صعيديٌّ عنيد، أو سياسيٌّ أرهقته المعارك؛ فملامحه الصارمة تقوم بكل العمل نيابةً عنه.
في وقتٍ يعتمد فيه الكثيرون على الصراخ ولغة الجسد المبالغ فيها لجذب الانتباه، يختار عبد العزيز مخيون الطريق الأصعب: التقليل. يمكنه أن يدير مشهدًا كاملًا بنظرة عينٍ واحدة؛ نظرةٌ قد تختصر عتابًا، أو تهديدًا، أو خيبةَ أملٍ مريرة. وبروده وهدوؤه على الشاشة يمنحان الشخصيات التي يجسدها ثقلًا خاصًّا. هو لا يستعرض قدراته الإبداعية، بل يترك الشخصية تتنفس وتتحرك بتلقائية، وكأنه يراقبها مع الجمهور ولا يمثلها.
في زمنٍ باتت فيه الشهرة تُقاس بحجم الضجيج، ظلّ عبد العزيز مخيون وفيًّا لفكرة الفنان الذي يراكم حضورَه بالمعرفة والموهبة لا بالصخب. يبدو دائمًا كأنه قادمٌ من زمنٍ آخر؛ زمنٍ كانت فيه الكلمة مسؤوليةً، والثقافة جزءًا من تكوين الفنان لا زينةً تُضاف إلى صورتِه. في جلسته هدوءُ العارف، وفي صمته ما يشبه التأمل، أما صوته فيحمل تلك النبرة النادرة التي لا تحتاج إلى ارتفاعٍ كي تُسمَع، لأن ثِقَلَ التجربة يسبقها إلى الأذن والقلب.
ولذلك لا يبدو مخيون مجرد ممثلٍ يؤدي أدوارًا، بل شاهدًا على الإنسان المصري في تناقضاته وأحلامه وانكساراته، ووجهًا كلما مرّ على الشاشة بدا وكأنه يروي حكايةً أقدمَ من الحكاية نفسها.
رحل عبد العزيز مخيون، لكن الوجوه التي تشبه الأرض لا تغادر حقًّا؛ تبقى في الذاكرة كما تبقى ملامح الوطن في عيون أبنائه، حاضرةً كلما أضاءت الشاشة، أو استُعيدت حكايةٌ من حكايات الفن الجميل، أو مرّ طيفُ فنانٍ عرف كيف يترك أثره بصمت.



















0 تعليق