لبنان.. فجوة بين الاتفاق المُعلن والواقع الميدانى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى خضم التحولات المتسارعة التى تشهدها المنطقة، ومع تداخل جبهات الصراع من إيران إلى لبنان، نجحت الولايات المتحدة فى انتزاع إعلان جديد لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بعد جولة محادثات استمرت يومين فى واشنطن.
إلا أن هذا الاتفاق، الذى روج له باعتباره خطوة نحو التهدئة والاستقرار، وجد نفسه منذ اللحظة الأولى محاصرًا بعوامل تهدد استمراره، بين استمرار العمليات العسكرية على الأرض، والانقسام السياسى داخل إسرائيل، ورفض قوى لبنانية مؤثرة لمسار التفاوض وشروطه، يبدو أن الطريق إلى التهدئة لا يزال مليئًا بالعقبات.
فى هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة عن توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عقب اجتماع ثلاثى رفيع المستوى برعاية أمريكية، فى محاولة لاحتواء التصعيد المتواصل على الجبهة اللبنانية. وبحسب البيان المشترك، فإن الاتفاق يرتكز على وقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله، مع إبعاد عناصره عن منطقة جنوب نهر الليطانى، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لإعادة ترتيب الوضع الأمنى فى المنطقة الحدودية.
ولتحقيق هذا الهدف، تضمن الاتفاق إنشاء ما أطلق عليه «المناطق التجريبية» فى جنوب لبنان، حيث تتولى القوات المسلحة اللبنانية المسئولية الأمنية الكاملة، مع ضمان عدم وجود أى نشاط عسكرى لحزب الله داخل هذه المناطق.
وفى المقابل، تنسحب القوات الإسرائيلية من المواقع التى تسيطر عليها ضمن هذه النطاقات، فى إطار ترتيبات متبادلة تهدف إلى خفض التوتر ومنع العودة إلى المواجهة العسكرية. 
كما اتفق الطرفان على مواصلة المفاوضات المباشرة خلال المرحلة المقبلة لمعالجة الملفات العالقة وبناء إجراءات الثقة تمهيدًا لاتفاق أوسع.
غير أن التفاؤل الذى رافق الإعلان الأمريكى لم يصمد طويلًا أمام الوقائع الميدانية. بعد ساعات فقط من الإعلان عن الاتفاق، عادت التطورات على الأرض لتطرح تساؤلات جدية حول إمكانية تنفيذه، إذ واصلت إسرائيل شن غارات جوية على مناطق فى جنوب لبنان والبقاع، فيما أكد وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس أن العمليات العسكرية ستستمر فى الوقت الراهن، وهو ما ألقى بظلال من الشك على جدية الالتزام الإسرائيلى ببنود التهدئة.
ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، بل أعلن الجيش الإسرائيلى عن استمرار نشاطه العسكرى فى جنوب لبنان، محذرًا السكان من العودة إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الليطانى. 
كما شهدت الأجواء اللبنانية تحليقًا مكثفًا للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت والضاحية الجنوبية، بالتزامن مع سلسلة استهدافات طالت مناطق عدة فى النبطية ومحيطها.
فى المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ عمليات استهدفت تجمعات وقوات إسرائيلية فى عدد من المحاور الجنوبية، ما يعكس استمرار حالة الاشتباك الميدانى رغم الإعلان السياسى عن وقف إطلاق النار.
من هنا، يتضح أن التحدى الأكبر أمام الاتفاق لا يكمن فقط فى بنوده، بل فى حجم التباينات السياسية التى تحيط به، سواء داخل إسرائيل أو لبنان. فى الداخل الإسرائيلى، كشف الاتفاق عن انقسام واضح بين أركان الحكومة بشأن جدواه وتداعياته.
فى الوقت الذى اعتبر فيه وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير أن الاتفاق يمثل «خطأً جسيمًا»، مطالبًا بعرضه على المجلس الوزارى الأمنى المصغر للتصويت، رأى وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه يشكل «إنجازًا كبيرًا» يعكس الواقع الجديد الذى فرضته إسرائيل ميدانيًا، وقد يفتح الباب مستقبلًا أمام ترتيبات سياسية أوسع مع الدولة اللبنانية.

ويعكس هذا الانقسام صراعًا داخل المؤسسة الإسرائيلية بين تيار يعتقد أن الوقت مناسب لترجمة المكاسب العسكرية إلى تفاهمات سياسية وأمنية، وتيار آخر يرى أن أى تهدئة فى هذه المرحلة قد تفسر على أنها تراجع أمام خصوم إسرائيل، خصوصًا فى ظل استمرار التوتر الإقليمى المرتبط بإيران وحلفائها.
وعلى الجانب اللبنانى، لا تبدو الصورة أكثر توافقًا. بينما أبدت الدولة اللبنانية انفتاحًا على المسار التفاوضى، جاءت مواقف حزب الله لتؤكد وجود فجوة كبيرة فى النظرة إلى الاتفاق.
فقد شدد الأمين العام للحزب على أن نتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل مرفوضة من شرائح واسعة من اللبنانيين، مؤكدًا أن المقاومة ستواصل مواجهة الاحتلال، رافضًا أى محاولة للربط بين وجودها العسكرى، وبين وقف العدوان أو الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى اللبنانية.
فى المقابل، أبدى الرئيس اللبنانى دعمًا واضحًا للمسار الذى ترعاه واشنطن، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستتولى تحديد آلية تنفيذ وقف إطلاق النار، وأن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سيكون الضامن المباشر لهذا الاتفاق.
كما أشار إلى أن لبنان اقترح إقامة مناطق تجريبية للتهدئة فى زوطر الغربية، وزوطر الشرقية، ومحيط قلعة الشقيف، فى محاولة لاختبار فرص نجاح الترتيبات الأمنية الجديدة على الأرض.

ومع تصاعد الجدل حول مستقبل الاتفاق، يبرز سؤال يتعلق بالخلفيات الإقليمية التى دفعت واشنطن إلى التحرك بهذا الزخم. الكثير من المؤشرات توحى بأن هذا الاتفاق لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع المرتبط بإيران، خاصة فى ظل المساعى الأمريكية لاحتواء تداعيات المواجهة الإقليمية ومنع انتقالها إلى ساحات جديدة.
وفى هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار بمعزل عن الحسابات الإقليمية الأوسع، إذ تبدو واشنطن حريصة على تحييد الساحة اللبنانية عن أى مواجهة محتملة مع إيران، بما يمنع تحول جنوب لبنان إلى جبهة مفتوحة قد تعقد أولوياتها الاستراتيجية فى المنطقة وتهدد مساعيها لاحتواء التوتر المتصاعد.
إلا أن هذه المقاربة الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع الرؤية الإسرائيلية. بينما تسعى واشنطن إلى تثبيت التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية، خصوصًا فى ما يتعلق بالملف الإيرانى، وهو ما يفسر جانبًا من الضغوط الإسرائيلية المستمرة على الإدارة الأمريكية بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية وآليات تنفيذها.
وتزداد هذه القراءة وضوحًا فى ضوء تصريحات نتنياهو الأخيرة، التى أكد فيها أن القوات الإسرائيلية والأمريكية لا تزال فى حالة جاهزية كاملة للتعامل مع أى تطورات مرتبطة بإيران عند الحاجة.
وهى تصريحات تعكس أن الهدوء المطلوب على الجبهة اللبنانية لا يعنى بالنسبة لتل أبيب تراجع المخاوف الأمنية، بل يمثل جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات استعدادًا لأى سيناريو إقليمى محتمل.
وفى المقابل، لا تبدو طهران مستعدة للتعامل مع الملف اللبنانى باعتباره قضية منفصلة عن المشهد الإقليمى الأشمل. إيران تربط بصورة واضحة بين أى تهدئة دائمة فى لبنان وبين طبيعة التفاهمات التى قد تتوصل إليها مع الولايات المتحدة، معتبرة أن الساحة اللبنانية تمثل إحدى أوراقها الاستراتيجية الأساسية فى المنطقة.

ولذلك، فإن أى محاولة لفصل المسارين اللبنانى والإيرانى تواجه تعقيدات سياسية وأمنية، انعكست خلال الفترة الأخيرة فى تعثر بعض قنوات الاتصال غير المباشرة بين الأطراف المعنية.
وأمام هذا التشابك بين الحسابات المحلية والإقليمية، يصبح مصير الاتفاق مرتبطًا بجملة من الاختبارات الصعبة. أولها قدرة الجيش اللبنانى على فرض سيطرة فعلية داخل المناطق المشمولة بالاتفاق وترجمة التعهدات الأمنية إلى واقع ميدانى ملموس. وثانيها مدى التزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية والانسحاب من المواقع التى تسيطر عليها، بما يعكس جدية الانخراط فى مسار التهدئة.

أما الاختبار الثالث، والأكثر حساسية، يتعلق بموقف حزب الله ومدى استعداده للتعامل مع ترتيبات أمنية جديدة فى الجنوب اللبنانى، فى ظل تمسكه بخطابه الرافض لربط سلاحه أو دوره الميدانى بأى تفاهمات سياسية أو أمنية.

وعليه، لا يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار قد تجاوز حتى الآن حدود التفاهم السياسى النظرى، إذ لا تزال الوقائع على الأرض تكشف عن فجوة واضحة بين النصوص المعلنة والواقع الميدانى.استمرار العمليات العسكرية، والانقسام الإسرائيلى حول جدوى الاتفاق، والتحفظات اللبنانية والإيرانية على بعض بنوده، كلها مؤشرات على أن الطريق نحو تثبيت التهدئة لا يزال طويلًا ومعقدًا.
وربما تكمن المفارقة الأبرز فى أن الاتفاق الذى صُمم لمنع اندلاع مواجهة أوسع، قد يتحول هو نفسه إلى ساحة اختبار للصراع الإقليمى الدائر خلف الكواليس. مصيره لن يتحدد فقط فى قرى الجنوب اللبنانى أو غرف التفاوض فى واشنطن، بل أيضًا فى طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، وفى حسابات نتنياهو السياسية والعسكرية، وفى قدرة الأطراف كافة على التوفيق بين مصالحها المتعارضة. وحتى تتضح ملامح هذه المعادلة المعقدة، سيبقى الاتفاق معلقًا بين احتمالين، إما أن ينجح فى فتح نافذة نادرة نحو استقرار طال انتظاره، أو أن يكون مجرد استراحة مؤقتة تفرضها الظروف السياسية، قبل أن تعود التناقضات نفسها لتفرض واقعًا مختلفًا على الأرض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق