شبح الجولان يخيّم على الجنوب و"الحزب" يراهن على عودة التدخل العسكري الإيراني "للجم إسرائيل"

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تجاوزت التطورات العسكرية في جنوب لبنان، من حيث حجم التدمير والتداعيات الاستراتيجية، ما شهدته المنطقة خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحروب 1993 و1996 و2006، لتتحول إلى خطر وجودي يهدد مستقبل الجنوب وواقعه الديموغرافي والأمني. وفي الوقت نفسه، لم تعد المواجهة محصورة بالساحة اللبنانية، بل باتت جزءاً من مشهد إقليمي أوسع يتصل بمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران وبالمفاوضات الدائرة بينهما عبر قنوات متعددة.

Advertisement

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوسعها، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، تشبه إلى حد ما ما فعلته في هضبة الجولان بعد احتلالها عام 1967. فمنذ ذلك الحين، عملت إسرائيل على فصل الجولان عن محيطه السوري، ما جعل أي انسحاب منه أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
وتستند هذه المخاوف إلى قراءة تاريخية تشير إلى أن الحركة الصهيونية طرحت عام 1919 مشاريع لتوسيع حدود «الوطن القومي اليهودي» باتجاه مناطق تشمل نهر الليطاني وجبل الشيخ. ورغم أن تلك المشاريع لم تتحقق آنذاك، فإن استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الجنوب اللبناني، مقروناً بسياسة التدمير والتهجير والإنذارات المتكررة، يدفع بعض القوى اللبنانية إلى الاعتقاد بأن إسرائيل تعمل على تكريس واقع أمني طويل الأمد على حدودها الشمالية.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات الأمنية المرتقبة في واشنطن بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل محاطة بقدر كبير من التشاؤم. فالتجارب السابقة لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، كما أن الأولوية الإسرائيلية لا تبدو منصبة على وقف شامل لإطلاق النار بقدر ما تتركز على ترتيبات أمنية دائمة تتعلق بالسلاح، وطبيعة الوجود العسكري في جنوب لبنان، وحرية الحركة التي تسعى تل أبيب إلى تثبيتها. لذلك، يرى مراقبون أن الرهان على اختراق سياسي سريع يبقى محدوداً ما دامت الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية تتقدم على سواها.
ويتعزز هذا الانطباع مع استمرار الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله. فهناك من يرى أن واشنطن تنظر إلى هذه العمليات باعتبارها عاملاً يساهم في إضعاف أبرز حلفاء إيران في المنطقة، وهو ما يفسر هامش الحركة الواسع الذي تتمتع به إسرائيل في الجنوب اللبناني. ومن هذا المنطلق، تبدو العمليات العسكرية جزءاً من عملية تراكم أوراق ضغط سوف تستخدم في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، ولا سيما في ظل المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية.
وتربط أوساط سياسية لبنانية بين المسارين اللبناني والإيراني، معتبرة أن ما يجري في الجنوب لا يمكن فصله عن مسار التفاوض بين طهران وواشنطن. فكل تقدم أو تعثر في هذا المسار ينعكس مباشرة على مستوى التصعيد أو التهدئة في لبنان.
في المقابل، لا يزال "الثنائي الشيعي" يتمسك برهان أساسي مفاده أن التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة سيشمل الملف اللبناني، أو على الأقل سيفتح الباب أمام تسوية تخفف الضغوط العسكرية والسياسية القائمة. ويستند هذا الرهان إلى قناعة بأن طهران لا تزال تمتلك أوراق تأثير إقليمية تجعل تجاهل مصالحها أمراً صعباً في أي اتفاق مستقبلي.
وتتحدث أوساط قريبة من "حزب الله"عن مرحلة دقيقة قد تكون حاسمة خلال الأيام المقبلة. ووفق هذه القراءة، فإن استمرار إسرائيل في سياسة التدمير والتوسع قد يدفع إيران إلى إعادة النظر في حدود تدخلها والعودة الى الخيار العسكري ضد إسرائيل، بما يهدد بإسقاط أي تفاهمات غير معلنة بينها وبين الولايات المتحدة. كما تشير هذه الأوساط إلى أن الضغوط والرسائل التحذيرية الإيرانية ساهمت خلال الأسبوع الماضي في منع توسع الضربات الإسرائيلية نحو بيروت، حفاظاً على الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لاستمرار المسار التفاوضي. وتضيف أن واشنطن التي لم تمنح تل أبيب ضوءاً أخضر لضرب بيروت بفعل الضغوط الايرانية، عملت على تأخير إبرام الاتفاق مع طهران لإتاحة مزيد من الوقت أمام إسرائيل لتحقيق إنجازات ميدانية، وهو ما يفسر مستوى التصعيد واتساع رقعته في الجنوب، فضلاً عن القوة التدميرية المستخدمة لتأمين غطاء ناري لأي تقدم محتمل، فثمة رغبة أميركية في منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مزيداً من الوقت لتوسيع مكاسبه الميدانية وفرض وقائع جديدة قبل الوصول إلى أي تسوية إقليمية شاملة.

في المحصلة، تبدو الساحة اللبنانية رهينة توازن معقد بين الميدان والدبلوماسية. فإسرائيل تسعى إلى تكريس معادلة أمنية جديدة في الجنوب، فيما تراهن قوى لبنانية، وفي مقدمتها "الثنائي الشيعي"، على أن أي تسوية إقليمية مقبلة ستضع حدوداً لهذا المسار. وبين هذين الرهانين، يبقى مستقبل الجنوب مرتبطاً إلى حد كبير بمآلات التفاهمات الأميركية – الإيرانية، وبقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق التسويات السياسية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق