لم يكن تحذير وزير الثقافة غسان سلامة من تعرّض مواقع أثرية في الجنوب لـ"خطر جدي" مجرد موقف عابر في سياق الحرب. فحين تُذكر صور وقلعة الشقيف في بيان سياسي أو تصريح رسمي، لا يعود الأمر مرتبطاً فقط بمبنى حجري أو موقع سياحي، بل بذاكرة بلد كاملة تقف من جديد أمام امتحان البقاء. فالقذائف التي سقطت قرب آثار صور، وسقوط قلعة شقيف أرنون وفق الإعلان الإسرائيلي، يفتحان سؤالاً أوسع من حدود الضربة العسكرية: هل دخل التراث اللبناني مرحلة جديدة من الخطر، لا تقل قسوة عن مراحل الحروب السابقة، لكنها أكثر تعقيداً بسبب طبيعة العمليات الإسرائيلية واتساع رقعة الاستهداف؟
Advertisement
الخطر على آثار لبنان ليس جديداً. فالجنوب تحديداً عرف، على مدى عقود، كلفة الحروب والاحتلال والقصف والتحصينات العسكرية. كثير من المواقع الأثرية هناك لم تكن خارج الصراع، بل وجدت نفسها أحياناً في قلب الجغرافيا العسكرية، لقربها من التلال والممرات والبلدات الحدودية. وقلعة الشقيف مثال واضح على ذلك، موقع تاريخي استراتيجي، لكنه بسبب موقعه نفسه تحوّل مراراً إلى نقطة حساسة في النزاعات، وتعرّض لأضرار واحتاج إلى سنوات من الترميم والحماية، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة مع إعلان إسرائيل سقوطه.
أما صور، فهي ليست مدينة عادية في الذاكرة اللبنانية والمتوسطية. هي مدينة التاريخ الفينيقي والروماني والبحري، وواحدة من أبرز المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي. لذلك، فإن أي قصف قريب من محيطها الأثري لا يُقرأ كحادث ميداني فقط، بل كتهديد مباشر لموقع يخص لبنان والعالم في آن واحد. لكن التهديد الجديد يختلف عن التهديد القديم في طبيعته. في السابق، كان الخطر يأتي غالباً من الاحتلال المباشر، أو من الاستخدام العسكري للمواقع، أو من الإهمال، أو من التوسع العمراني العشوائي، أو من ضعف التمويل المخصص للترميم والحراسة. اليوم، يضاف إلى كل ذلك نمط جديد من الحرب: غارات جوية سريعة، مسيّرات، قصف مدفعي، أوامر إخلاء واسعة، وحديث إسرائيلي عن توسيع العمليات خارج ما يسمى "الخط الأصفر". هذا يعني أن المواقع الأثرية لم تعد مهددة فقط بضربة مباشرة، بل أيضاً بما يحيط بها من اهتزازات الانفجارات، إلى الشظايا، الحرائق، تدمير الطرق المؤدية إليها، منع فرق الكشف والترميم من الوصول، وتحوّل المناطق القريبة منها إلى مساحات عسكرية مفتوحة. وفي علم حماية التراث، لا يحتاج الموقع الأثري دائماً إلى إصابة مباشرة كي يتضرر. أحياناً تكفي ضربة قريبة لإضعاف بنية حجرية قديمة، أو لتفكيك طبقات أثرية، أو لتسريع انهيارات كانت مؤجلة.
الأخطر أن هذا يحدث في بلد لا يملك ترف الحماية الكاملة لتراثه. فلبنان الخارج من انهيار مالي طويل، والمثقل بأزمات المؤسسات والبلديات والبنى التحتية، يواجه صعوبة أصلاً في صيانة مواقعه الأثرية في الظروف الطبيعية. فكيف إذا جاءت الحرب لتضع هذه المواقع تحت النار، وتمنع فرق الاختصاص من الوصول، وتدفع السكان إلى النزوح، وتحوّل الجنوب إلى منطقة عالية الخطورة؟
من هنا، تبدو صرخة وزارة الثقافة محاولة لوضع التراث ضمن معادلة الحماية الدولية، لا ضمن الهامش الثقافي للحرب. فالمواقع الأثرية ليست تفصيلاً بعد وقف النار، بل جزء من النقاش حول معنى الحرب نفسها. واللافت أن الجنوب، الذي يدفع اليوم الثمن الأكبر من التصعيد، هو نفسه خزان لتراث متنوع: قلاع، مدافن، طرق قديمة، مواقع دينية، وطبقات تاريخية متراكمة من الفينيقيين إلى الرومان إلى العصور الوسطى. لذلك، فإن الحديث عن حماية هذه المواقع لا يجب أن يبقى محصوراً في صور والشقيف، رغم رمزيتهما الكبيرة، بل يجب أن يفتح ملفاً أوسع حول كل التراث الجنوبي المعرّض للضرر المباشر أو غير المباشر.
في المقابل، لا يمكن فصل هذه المخاوف عن السياق العسكري الحالي. فالحديث الإسرائيلي عن تكثيف العمليات وتوسيع نطاق الضربات يعني عملياً أن مناطق أثرية كثيرة قد تصبح قريبة من دائرة الخطر، حتى لو لم تكن هدفاً معلناً. وهذا ما يجعل التحرك اللبناني مطلوباً على أكثر من مستوى.













0 تعليق