قليل من الإهمال يُفيد.. لماذا يضعف ضبط النفس لدى أبناء اليوم؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قد نكون نحن أطفال السبعينيات آخر الأجيال التى أتيح لها أن تلعب وتتحرك بحرية فى محيط البيت، بعيدًا عن رقابة الوالدين الصارمة، مع الالتزام بالعودة فى وقت معين، وعادة ما كان مسلسل السابعة على القناة الأولى هو موعد العودة المناسب بعد اللعب مع الرفاق وزملاء المدرسة. قد تختلف مساحة حرية الخروج واللعب من منطقة لأخرى، ولكن التجمع مع الأقران وتبادل الحديث وابتكار الألعاب اليومية كان أمرًا متاحًا، مع ما يحدث نتيجته من شجار وجدال ومنافسة، ما أتاح لنا تعلم المرونة والتوافق وضبط النفس، والقدرة على حل مشاكل التواصل مع الآخرين. 

بعيدًا عن أعين الوالدين كانت تنمو شخصيتنا، وكنا نختبر حدودنا ونتلمّس المسموح والممنوع، هذه الفرصة الذهبية لم تعد متاحة لأطفالنا مع وجود الموبايل فى يد كل طفل، ومعرفة الوالدين مكان طفلهما بدقة، وعدم الخروج من باب الشقة إلا للمدرسة أو التدريب المنظم فى النادى. فأصبح الأطفال فى الألفية الجديدة خاضعين لحماية مفرطة من الوالدين.

ويبدو أننا كنا أكثر حظًا، فالباحثون يشيرون إلى أنه عندما يُفرط الآباء فى الحماية والسيطرة، يميل أطفالهم إلى إظهار مستويات أعلى من القلق والاكتئاب مع تقدمهم فى السن، ما يشير إلى أن التدخل المستمر من جانب الوالدين قد ينطوى على ثمن خفى، حيث وجدت دراسة من جامعتى ويسكونسن الأمريكية وهانونج الكورية الجنوبية أن هناك روابط بين الإفراط فى رعاية الأبناء والاكتئاب والقلق المستمر والحزن والعُزلة الاجتماعية.

أجريت الدراسة على مشاركين معظمهم فى سن العشرين تقريبًا، لذا تعكس النتائج فى الغالب الصحة النفسية للمراهقين والشباب، كما بدا الرابط متشابهًا إلى حد كبير عبر الثقافات ومستويات الدخل، ما يشير إلى أن هذه الديناميكية لا تقتصر على نوع واحد من الأسر.

لا تعنى التربية المفرطة بالضرورة التدخل المباشر، بل هى أقرب إلى «المراقبة الدائمة»، حيث يتدخل الكبار بسرعة وبشكل متكرر، حتى فى الأمور البسيطة. قد يشمل ذلك التوسط فى كل خلاف بين الأصدقاء، أو إعادة صياغة رسالة بريد إلكترونى مدرسية، أو التفاوض مع المدرب بعد استبعاد الطفل من الفريق.

وإذا تم هذا التدخل بشكل مستمر فإنه يحرم الأطفال من القدرة على المرونة أو ضبط النفس، ويجعلهم عاجزين عن إدارة مشاعرهم وتوجيه سلوكهم دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين. تظهر هذه القدرة فى لحظات الحياة اليومية، مثل تهدئة النفس بعد مشادة كلامية حادة فى محادثة جماعية، أو الحفاظ على الهدوء عند تأخر وصول الطلب وأنت متوتر بالفعل.

فضبط النفس هو «مجموعة من المهارات المكتسبة والواعية لإدارة المشاعر بحكمة». للممارسة دورٌ مهم، ونادرًا ما تكون عملية التنظيم مثالية. يتعلم الأطفال من خلال التجربة، والشعور بعدم الارتياح، واكتشاف ما يُجدى نفعًا، مع وجود الكبار بالقرب منهم، ولكن ليس بالضرورة تدخلهم.

يُعدّ ضبط النفس أمرًا بالغ الأهمية للصحة النفسية، والرفاهية العاطفية، والنجاح الأكاديمى والمهنى، والصحة البدنية. يميل الأفراد الذين يتمتعون بمهارات ضبط النفس القوية إلى الحفاظ على سلوكيات صحية، مثل ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائى متوازن، وتجنب العادات الضارة، مع قدرتهم على التعامل مع الضغوط والمصاعب بفاعلية أكبر. كما يدعم ضبط النفس المرونة، والقدرة على التكيف، والسلوك الموجه نحو تحقيق الأهداف، ما يمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة حتى عند مواجهة إغراءات أو تحديات فورية.

وقد تمتع أطفال الستينيات والسبعينيات فى مختلف أنحاء العالم باللعب الحر مع الأصدقاء والرفاق دون تدخل الآباء أو المدرب، هذه الألعاب التى كان الأطفال يمارسونها فى الشارع أو فى فسحة المدرسة أو بعد نهاية اليوم الدراسى كان لها دور مهم فى تعليم الأطفال كيفية ضبط النفس، فزيادة وقت اللعب الحر غير المنظم فى سنوات ما قبل المدرسة تنبئ بقدرة أكبر على تنظيم الذات. 

ووجد الباحثون، بقيادة ماريانا بروسونى فى جامعة كولومبيا البريطانية عام ٢٠١٥، أنه توجد روابط إيجابية بين صحة الأطفال ونموهم الاجتماعى، ويقصد بـ«اللعب المحفوف بالمخاطر»: اللعب فى الهواء الطلق الذى ينطوى على مخاطر يمكن التحكم بها، مثل تسلق الأشجار أو الأسوار، والألعاب العنيفة، أو الاستكشاف بعيدًا عن أنظار الكبار، ما يشجع الشعور بالاستقلالية والاعتماد الذاتى على النفس. 

وفى المدارس يقل التشجيع على اللعب الحر، مع زيادة الحرص على حماية الأطفال من الإصابات والخدوش الناتجة عن اللعب، ولذا تقل فرص الأطفال فى تعلم تقدير المخاطر فى العالم الحقيقى.

كما صار أطفال اليوم أقل قدرة على التجول أو التحرك بمفردهم، ويرجع جزء من هذا الوضع إلى الخوف من حركة المرور فى المدن، وعدم وجود أماكن للتجول والتحرك بحرية، وتزداد هذه الحالة فى المدن التى لا يوجد بها رصيف يسمح بالمشى أو التجول، وعدم وجود حدائق عامة فى الأحياء، وتقل هذه الظاهرة فى الريف، حيث ما زال يمكن للأطفال أن يلعبوا فى الشارع أو يتجولوا فى الحقول القريبة من البيت، وكان الذهاب للحقل أمرًا طبيعيًا وسلوكًا يوميًا. وإن كانت هذه الممارسات قلّت مع انتشار التحرش وعدم الإحساس بالأمان، وانخفاض عدد الوالدين العاملين بمجال الزراعة. 

ولا يعنى المطالبة بتخفيف قبضة الوالدين عن الأطفال تجاهلهم أو إهمالهم، فالإهمال الشديد يضر أيضًا بنموهم، وليست كل الأحياء آمنة لحرية «التجول لساعات». لكن القصد هو منح الأطفال فرصًا مناسبة لأعمارهم لاتخاذ القرارات، والتعامل مع الإحباط، وحل المشكلات الصغيرة بأنفسهم؛ حتى يكونوا مستعدين لمواجهة العالم دون حماية ماما وبابا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق