أدان عدد من السياسيين الفلسطينيين تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلى، يسرائيل كاتس، حول بدء خطة جديدة لتهجير الشعب الفلسطينى من قطاع غزة، بالتزامن مع الخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار.
وقال السياسيون الفلسطينيون، لـ«الدستور»، إن إسرائيل تتعمد أن تجعل الحياة فى قطاع غزة مستحيلة، عبر منع المساعدات، وتدمير البنية التحتية، واستمرار العمليات العسكرية، لتجبر السكان على قبول التهجير.
وشددوا على أن الفلسطينيين لن يقبلوا بترك أرضهم، مشيدين بإصرار مصر على رفض كل سيناريوهات التهجير، للحفاظ على القضية الفلسطينية.
اتصالات إسرائيلية مع بعض الدول الإفريقية لاستقبال مواطنين من غزة
حذر الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس القيادى بحركة فتح، من خطورة التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الحرب الإسرائيلى، التى تحدث فيها بشكل واضح عما وصفه بـ«التهجير الطوعى» لسكان قطاع غزة، معتبرًا أن ما يجرى على الأرض يكشف عن مخطط متكامل لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع تحت وطأة الحرب والدمار.
وقال «الرقب» إن قطاع غزة يتعرض لعملية تدمير شاملة وغير مسبوقة، الأمر الذى يجعل البيئة المعيشية طاردة للسكان، فى محاولة لدفعهم نحو الهجرة القسرية تحت مسمى «التهجير الطوعى»، مشددًا على أن العامل الأبرز الذى لا يزال يحافظ على تمسك الفلسطينيين بأرضهم هو الموقف المصرى الرافض بشكل قاطع أى مخطط يستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير سكان القطاع.
وأوضح أن مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، تدرك خطورة هذا السيناريو على مستقبل القضية الفلسطينية والأمن الإقليمى، ما يفسر تمسكها برفض أى ترتيبات تتعلق بفتح مسارات تهجير خارجية عبر الأراضى المصرية، أو معبر رفح.
وأضاف أن إسرائيل تعمل، حاليًا، على نقل أعداد كبيرة من سكان غزة إلى مناطق محددة خارج ما يعرف بـ«الشريط الأصفر»، تمهيدًا للضغط عليهم لمغادرة القطاع بشكل كامل، كاشفًا عن أن هناك تحركات واتصالات مع بعض الدول الإفريقية لاستقبال فلسطينيين سيجرى إخراجهم من غزة.
ولفت إلى تصريحات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، بشأن توسيع السيطرة العسكرية داخل القطاع، مؤكدًا أن الاحتلال يسعى إلى فرض واقع جديد عبر استمرار القصف والعمليات العسكرية، بالتزامن مع إنشاء مناطق مؤقتة فى رفح وشرق خان يونس لإعادة توزيع السكان.
وذكر أن الاحتلال يجهز بنية لوجستية لعمليات النقل، تشمل مطار «رامون» وخطوط طيران لنقل الفلسطينيين بعيدًا عن الأراضى المصرية، معتبرًا أن هذه الخطط لن تنجح أمام صمود الشعب الفلسطينى ورفضه التخلى عن أرضه.
وشدد على أن المخطط الإسرائيلى سيواجه برفض فلسطينى واسع، إلى جانب إدانات عربية ودولية، معتبرًا أن محاولات نتنياهو استثمار الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية لن تحقق أهدافها، وأن الفلسطينيين سيبقون متمسكين بأرضهم مهما تصاعدت الضغوط.
الاستخبارات الإسرائيلية تُنشئ مؤسسات وهمية لتسهيل خروج سكان القطاع
قال الدكتور جهاد أبولحية، أستاذ القانون والنظم السياسية الفلسطينى، إن فكرة التهجير لم تغب عن المشهد السياسى والعسكرى الإسرائيلى تجاه قطاع غزة، وكانت جزءًا من السياسة الإسرائيلية طوال فترة حرب الإبادة، ولا تزال.
وأضاف «أبولحية» أنه على مدار الأشهر الماضية، استمرت حكومة الاحتلال الإسرائيلى فى البحث عن دول قادرة على استقبال سكان غزة، ضمن مخطط يهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه الأصليين وإحلال مستوطنين محلهم.
ولفت إلى أن هناك محاولات عملية فى هذا السياق؛ منها الحادث المتعلق بالطائرة التى هبطت فى مطار جنوب إفريقيا وعلى متنها عشرات الفلسطينيين من غزة، كما أنشأ الموساد وأجهزة أمنية إسرائيلية أخرى مؤسسات وهمية متعددة لتسهيل خروج السكان، من خلال تنسيق مباشر مع الجهات الأمنية المنخرطة فى هذه العمليات.
وأوضح: «تعتمد هذه الآلية على رحلات جوية تنطلق من مطار (رامون) داخل إسرائيل، حيث يجرى نقل الراغبين أو الذين يُدفعون عبر مسارات محددة، مقابل مبالغ مالية تصل إلى آلاف الدولارات للفرد، وتُدار بعض هذه العمليات عبر كيانات تبدو خيرية أو وهمية، لكنها مرتبطة فعليًا بجهات إسرائيلية رسمية».
وذكر أن الاحتلال يُعزز هذه الاستراتيجية من خلال إبقاء الوضع الإنسانى والمعيشى فى غزة فى غاية الصعوبة؛ عبر تدمير البنية التحتية، وتقييد المساعدات، وتكثيف العمليات العسكرية، والهدف الواضح هو جعل القطاع بيئة طاردة لسكانه، ما يُسهل تنفيذ مخطط التهجير تحت ستار «الرغبة الطوعية».
تحويل الحرب من عملية عسكرية إلى مشروع لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافى
رأت الدكتورة تمارا حداد، الكاتبة الفلسطينية، أن تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلى الأخيرة بشأن مواصلة العمل على تهجير أهالى قطاع غزة، تأتى فى توقيت بالغ الحساسية والخطورة، إذ تتزامن مع استمرار القصف الإسرائيلى المكثف على القطاع رغم الحديث المتواصل عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، وتهدئة إنسانية يُفترض أن تخفف معاناة المدنيين.
وقالت إن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن السياسة الإسرائيلية القائمة على فرض الوقائع بالقوة العسكرية، ومحاولة تحويل الحرب من مجرد عملية عسكرية إلى مشروع سياسى يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافى والجغرافى فى قطاع غزة.
وأضافت: «فى حين يتحدث كاتس عن مواصلة العمل على التهجير، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها بأن المؤسسة الإسرائيلية لا تزال ترى فى إفراغ القطاع من سكانه هدفًا استراتيجيًا، حتى وإن تعارض ذلك مع القانون الدولى والرفض الإقليمى والدولى الواسع».
وذكرت أن خطورة هذه التصريحات تكمن فى أنها تأتى بينما يعيش قطاع غزة تحت نار متواصلة من الغارات والقصف الذى يستهدف المنازل وخيام النازحين والبنية التحتية، الأمر الذى يجعل الحديث عن التهجير ليس مجرد موقف سياسى أو إعلامى، بل جزء من واقع ميدانى قائم على الضغط العسكرى والإنسانى لدفع السكان نحو النزوح القسرى.

















0 تعليق