أعربت وزارة الخارجية الإيرانية عن تضامنها الكامل مع سلطنة عُمان في مواجهة التهديدات الأمريكية الأخيرة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب، حيث جاء هذا الموقف الرسمي على لسان المتحدث باسم الوزارة إسماعيل بقائي، الذي أكد رفض طهران التام للضغوط الممارسة على مسقط، وذلك في ظل تصاعد حدة التوتر العسكري والسياسي في منطقة الخليج العربي، عقب تلويح واشنطن باستخدام القوة العسكرية الصارمة ضد الأراضي العمانية، إذا لم تتنازل عن صيغة الإدارة المشتركة للممر المائي الحيوي وتخضع للمطالب الدولية.
وحسب تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن استهداف قاعدة جوية تستخدمها القوات الأمريكية في المنطقة، رداً على الهجمات الجوية التي شنتها مقاتلات أمريكية على مواقع عسكرية في محيط مدينة بندر عباس الساحلية، حيث أوضح البيان العسكري الإيراني أن الصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت بدقة مصدر الهجوم، في حين أعلنت دولة الكويت عن تصدي دفاعاتها الجوية لتهديدات صاروخية، مما يعكس اتساع رقعة المواجهة العسكرية المباشرة وتأثيرها على أمن دول الجوار.
وفي السياق ذاته، أكدت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات جوية جديدة وصفتها بالدفاعية لحماية قواتها المتمركزة في المنطقة، مشيرة إلى إسقاط أربع طائرات مسيرة إيرانية كانت تستعد لتنفيذ هجمات وشيكة في محيط مضيق هرمز الاستراتيجي، بينما أوضحت واشنطن أن الموقع المستهدف في بندر عباس كان يجهز لإطلاق طائرة مسيرة خامسة، مما جعل التحرك العسكري ضرورة لحفظ الأمن، وسط سماع دوي انفجارات عنيفة هزت المناطق الشرقية للمدينة الساحلية الإيرانية.
واعتبر الحرس الثوري الإيراني أن قصف القاعدة الأمريكية يمثل إنذاراً جاداً وحاسماً لردع ما وصفه بالعدوان المستمر من قبل القوات الغازية، مهدداً بنبرة شديدة بتنفيذ عمليات عسكرية أوسع وأكثر تدميراً في حال تكرار الهجمات الأمريكية، مما يضع التهديدات الموجهة إلى عُمان في سياق صراع إقليمي محتدم، يهدد بتقويض اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه مؤخراً بعد مفاوضات شاقة استهدفت إنهاء حرب دامت ثلاثة أشهر متواصلة.
تهديدات ترامب العسكرية تثير القلق حول مستقبل السيادة في سلطنة عُمان
وجاءت هذه التطورات الميدانية المتلاحقة بعد نفي قاطع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتقارير الإعلامية الإيرانية، والتي تحدثت عن وجود مسودة اتفاق غير رسمي يمنح سلطنة عُمان بالتعاون مع طهران حق الإدارة المشتركة لحركة الملاحة التجارية، حيث شدد ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء على رفضه التام لسيطرة أي دولة على هذا الممر المائي الدولي، موجهاً تحذيراً شديد اللهجة للمسؤولين في مسقط بضرورة الالتزام بالقوانين الدولية وتجنب الانحياز للجانب الإيراني.
وقال الرئيس الأمريكي في تصريحات علنية أمام وسائل الإعلام إن مضيق هرمز يمثل مياهاً دولية لا يمكن لأي طرف فرض سيادته الكاملة عليها، موجهاً تهديداً مباشراً وصادماً بقصف عُمان عسكرياً إذا لم تتصرف وفق الرؤية الأمريكية المحددة لكافة دول المنطقة، ورغم إشارته السابقة إلى تقدم المفاوضات الدبلوماسية مع طهران بشأن اتفاق سلام شامل، إلا أنه عاد ليعبر عن عدم رضاه عن المقترحات الإيرانية، واصفاً مسودة الاتفاق المسربة بأنها مختلقة بالكامل.
من جانبها، سارعت وزارة الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات اقتصادية مشددة على ما يسمى بهيئة مضيق الخليج الفارسي، وهي الكيان الذي أسسته طهران مؤخراً لإدارة الممر المائي وتحصيل رسوم المرور من السفن التجارية، حيث أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن محاولات ابتزاز التجارة البحرية العالمية تعكس حاجة النظام الإيراني الماسة للسيولة المالية، محذراً الشركات والناقلات الدولية من دفع أي رسوم لهذه الهيئة لتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية القاسية.
وأشارت الإجراءات الأمريكية الصارمة إلى نجاح واشنطن في حرمان الحكومة الإيرانية من مليارات الدولارات من الإيرادات الحيوية، والتي تستخدمها عادة في تمويل برامج تسليحها المتطورة ودعم الفصائل الحليفة لها في الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية متزايدة، بسبب إطلاق القوات الإيرانية النار على أربع سفن تجارية حاولت عبور المضيق دون تنسيق أمني مسبق، مما أجبر تلك السفن على التراجع وتغيير مسارها الملاحي.
أزمة الملاحة الدولية في مضيق هرمز تلقي بظلالها على أمن عُمان
وفي المقابل، أظهرت بيانات الشحن البحري الصادرة عن مجموعة بورصات لندن وكبلر تحرك ناقلتين عملاقتين للنفط بالإضافة إلى ناقلة للغاز الطبيعي المسال عبر المضيق بعد إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، حيث توجهت هذه السفن نحو الأسواق الآسيوية وتحديداً إلى الهند والصين، ورغم خروج عدد من الناقلات من منطقة الخليج خلال الشهر الجاري، إلا أن حركة نقل الطاقة العالمية لا تزال تعاني من قيود شديدة وضغوط أمنية غير مسبوقة.
ودافعت القيادة المركزية الأمريكية عن هجماتها الأخيرة في جنوب إيران معتبرة إياها خطوة مدروسة وبحت دفاعية، حيث تهدف واشنطن من خلال هذه العمليات الميدانية إلى الحفاظ على استمرارية وقف إطلاق النار وحماية خطوط الملاحة الدولية، مشيرة إلى أن الضربات السابقة استهدفت منصات صواريخ وقوارب إيرانية كانت تحاول زرع ألغام بحرية في الممر المائي، حيث تقطعت السبل بآلاف الناقلات التجارية نتيجة الصراع العسكري المستمر منذ عدة أشهر.
ودانت الحكومة الإيرانية بشدة الهجمات الأمريكية الأخيرة واصفة إياها بالانتهاك الصارخ والجسيم لاتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، حيث تعهدت طهران بالرد على أي عمل عدائي يستهدف أراضيها أو منشآتها العسكرية، وكان الحرس الثوري قد أعلن في وقت سابق عن إسقاط طائرة مسيرة أمريكية واستهداف مقاتلة حربية اخترقت الأجواء الإيرانية، مما يعكس صعوبة السيطرة على التصعيد الميداني مع استمرار التهديدات المباشرة الموجهة إلى عُمان.
وفي غضون ذلك، جدد الرئيس ترامب ضغوطه السياسية والاقتصادية مؤكداً أن إيران لا تملك أي خيارات بديلة سوى القبول بالشروط الأمريكية، نظراً للوضع الصعب والمأزق الكبير الذي تواجهه طهران في المفاوضات الجارية، كما شدد على أن استراتيجيته العسكرية الصارمة لن تتأثر بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في تشرين الثاني، ملوحاً بإمكانية العودة لتنفيذ حملة قصف واسعة النطاق لإنهاء الملف بشكل كامل إذا تطلب الأمر ذلك.
مستقبل الوساطة في المنطقة والخيارات الدبلوماسية المتاحة أمام عُمان
وتأتي هذه المواجهات العسكرية المفتوحة في إطار الحرب الشاملة التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، والتي امتدت ساحتها لتشمل الجبهة اللبنانية حيث تخوض إسرائيل مواجهات عنيفة ضد حزب الله المدعوم من طهران، ومع استمرار التهديدات الأمريكية بشن عمليات قصف مدمرة، تزداد التساؤلات حول طبيعة الدور الدبلوماسي المستقبلي والخيارات المتاحة أمام عُمان، التي تبذل جهوداً حثيثة للوساطة وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران لإنهاء الأزمة الحالية.
وتسعى الأطراف الإقليمية والدولية لتفادي سيناريو الإغلاق الكامل لمضيق هرمز لما له من تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، حيث تسببت الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر في قفزات قياسية بأسعار الطاقة العالمية وعطلت سلاسل الإمداد الحيوية، مما يجعل الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة عبر عُمان أمراً بالغ الأهمية لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنتائجها المدمرة على أمن واستقرار كافة الدول.
وفي ظل غياب أي تأكيدات حول قرب التوصل لاتفاق نهائي وشيك، وتحذير طهران من التسرع في صياغة البنود، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من كسر العظم بين القوتين، حيث تصر واشنطن على فرض إملاءاتها وشروطها الأمنية الكاملة، بينما ترفض إيران تقديم تنازلات جوهرية تمس نفوذها البحري، مما يضع سيادة وعلاقات عُمان المتوازنة تحت اختبار حقيقي وصعب للغاية في مواجهة العواصف السياسية والعسكرية المحيطة بها.
















0 تعليق