"الحبة الكاملة" وتجارة الوهم مع الخائفين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

خالد حربب

الأربعاء 27/مايو/2026 - 07:33 م 5/27/2026 7:33:38 PM

في كل عصر يظهر علينا تاجر ذكي يكتشف فجأة أن الناس لم تعد تريد الطعام، بل تريد الشعور بالتفوق وهي تأكل، وهكذا خرج علينا زمن "الحبة الكاملة"، ذلك الرغيف الذي يجري تقديمه باعتباره اكتشافا علميا مذهلا، بينما الحقيقة أنه في كثير من الأحيان مجرد خبز عادي يرتدي بدلة بنية اللون ويقبض ثمنها مضاعفا.
المشهد كله يثير الضحك أحيانا والغضب أحيانا أخرى، فالمصري الذي عاش عقودا يأكل الخبز البلدي ويشرب الشاي الثقيل ويذهب إلى عمله ماشيا، صار فجأة يطارد أرغفة مكتوبا عليها "حبوب كاملة" و"شوفان" و'دايت"، وكأن الرغيف تحول من غذاء للفقراء إلى شهادة انتماء لطبقة جديدة تخاف الكربوهيدرات كما كان الناس يخافون الجن.
الحكاية ليست في الرغيف وحده، بل في العقل الذي صار مستعدا لتصديق أي شيء يلبس عباءة العلم، يكفي أن يخرج شخص ببالطو أبيض وكلمات إنجليزية ثقيلة حتى يتحول الكلام إلى قرآن غذائي جديد، نفس الناس الذين كانوا يسخرون من الدجل الشعبي أصبحوا يرددون مصطلحات مثل “الجلوتين” و”الديتوكس” و”السكر الأبيض سم قاتل” و”القمح الحديث مؤامرة”، دون أن يعرف أغلبهم الفرق بين النصيحة الطبية الحقيقية وبين التسويق الوقح المغلف بالمصطلحات العلمية.
لقد صنع السوق من الطعام حالة نفسية، لم يعد الناس يأكلون ليشبعوا، بل ليشعروا أنهم أفضل من الآخرين، هناك من يلتقط صورة لرغيف الحبة الكاملة كما كان أجداده يلتقطون الصور بجوار أول سيارة في العائلة، الرغيف صار إكسسوارا طبقيا، وكلما زاد سعره زاد إحساس المشتري بأنه يمارس نوعا من الرقي الصحي.
والتجار بالطبع لم يفوتوا الفرصة، فهم يعرفون جيدا أن الإنسان المعاصر مستعد لدفع أموال طائلة مقابل أي شيء يشعره أنه يهرب من الموت، ولذلك اكتشفوا أن أفضل تجارة ليست بيع الطعام، بل بيع الخوف، خوف من السكر، خوف من الدقيق الأبيض، خوف من الزيت، خوف من الملح، خوف من الحياة نفسها.
خذ مثلا ذلك الرغيف البني الذي يباع بأضعاف سعر الخبز العادي، كم واحدا من المشترين يعرف فعلا تركيبته؟ وكم واحدا يعلم أن بعض المخابز تضيف مجرد ألوان أو ردة بسيطة ليبدو الخبز "صحيا"؟ وكم واحدا يسأل عن نسبة الألياف الحقيقية أو طريقة الطحن أو كمية السكر المضافة؟ لا أحد تقريبا، المهم أن الرغيف يبدو حزينا وكئيبا ومحملا بالإحساس بالعقاب الصحي، لأن الناس أصبحت مقتنعة أن الطعام الصحي يجب أن يكون بلا طعم تقريبا، وإلا فهو خيانة للمعدة وللدكتور ولصفحات الفيسبوك على الإنترنت.
والأطرف أن كثيرا من هؤلاء يلتهمون "رغيف الحبة الكاملة" مع جبن مليء بالدهون ومشروبات سكرية وحلوى "دايت" محشوة بالمواد الصناعية، ثم يشعرون أنهم صاروا في معسكر الصحة العالمية، إنها نفس العقلية التي تدخن السجائر الإلكترونية وتتصور أنها تمارس الرياضة.
أما تلك الموضة التي تتحدث عن "الطيبات" و"الأكل النظيف" و"العودة للطبيعة"، فهي في أحيان كثيرة خليط من نصف علم ونصف تجارة ونصف استعراض اجتماعي، أي ثلاثة أنصاف كاملة من التضليل، بعض المتحدثين في هذا المجال يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم أنبياء الغذاء، يهاجمون كل ما عرفه البشر طوال قرون، ثم يكتشف الناس بعد سنوات أن كثيرا من الكلام كان مبالغا فيه أو ناقصا أو مجرد اجتهادات سطحية تحولت بفعل السوشيال ميديا إلى يقين مقدس.
المشكلة ليست في فكرة الحبة الكاملة نفسها، فالحبوب الكاملة الحقيقية قد تكون مفيدة ضمن نظام غذائي متوازن، لكن الكارثة في تحويلها إلى أسطورة، وكأن الرغيف البني وحده قادر على إنقاذ الكبد والقلب والروح الوطنية أيضا، العلم الحقيقي لا يتحدث بهذه الطريقة الهستيرية، ولا يحول الطعام إلى معركة أخلاقية بين الأخيار الذين يأكلون الشوفان والأشرار الذين يحبون الخبز الأبيض،
لكن لماذا ينساق الناس وراء كل ذلك؟
لأن الإنسان الحديث يعيش حالة هلع دائمة، يريد وصفة سحرية تطيل العمر وتمنحه الإحساس بالسيطرة على جسده، ولأن وسائل التواصل الاجتماعي حولت كل شخص إلى طبيب وكل مطبخ إلى معمل أبحاث، ولأن الناس بطبيعتها تميل إلى الجديد والغريب، خاصة إذا كان مصحوبا بشعور بالتفوق على "العوام". هناك لذة خفية في أن تقول للناس أنا لا آكل مثلكم.
ثم جاءت الشركات الكبرى لتصب البنزين على النار، فبدلا من بيع الخبز باعتباره خبزا، صار المنتج يباع باعتباره فلسفة حياة، عبارات مثل "طبيعي" و"عضوي" و"حبوب كاملة" و"خال من" أصبحت سلاحا تسويقيا رهيبا، والحقيقة أن بعض هذه المنتجات لا يختلف كثيرا عن غيره إلا في شكل العبوة وسعرها وخطابها الدعائي.
وفي النهاية يبقى السؤال البسيط الذي يهرب منه الجميع لماذا عاش أجدادنا البسطاء أعمارا طويلة نسبيا وهم يأكلون الخبز البلدي والفول والسمن البلدي، بينما يعيش جيل "الديتوكس" و"الجلوتين فري" في قلق دائم وتحاليل لا تنتهي وأدوية لا تتوقف؟
الإجابة ربما تكون محرجة لأن الطعام لم يعد مجرد غذاء، بل تحول إلى سوق ضخمة للخوف والادعاء والموضة، ولأن الإنسان حين يفقد يقينه بالحياة يبحث عن خلاصه حتى في الرغيف.
وهكذا يجلس المواطن المسكين أمام قطعة خبز بنية اللون يلوكها بحزن، مقتنعا أنه يشتري الصحة، بينما التاجر وحده هو الذي يزداد عافية وامتلاء.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق