من طهطا إلى باريس.. رفاعة الطهطاوي ورحلة العقل المصري إلى الحداثة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في تاريخ النهضة المصرية الحديثة، يظل اسم  رفاعة رافع الطهطاوي، والذي تحتفى الثقافة المصرية بمرور 153 عاما على رحيله، أذ رحل في27  مايو 1873 عن عمر يناهز 71 عاما.

يعد الطهطاوي  واحدا من أكثر الأسماء قدرة على إثارة الدهشة والتأمل؛ ليس فقط لأنه كان مترجما ومفكرا ومصلحا، بل لأنه مثل لحظة انتقال حقيقية في وعي المصريين من عصور الانغلاق إلى آفاق الحداثة والمعرفة والانفتاح على العالم.

 بدايته لم تكن استثنائية

ولعل أكثر ما يلفت النظر في سيرته أن بدايته لم تكن استثنائية بالمعنى التقليدي، فقد جاء من بيئة تشبه كثيرا من البيئات الأزهرية في ذلك العصر، لكن الظروف والتجارب والمعرفة صنعت منه شخصية مختلفة قادت مشروعا تنويريا ما تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.

 أسرته عرف عدد من أفرادها بالعلم والقضاء والإفتاء

ولد رفاعة في أسرة عريقة بمدينة طهطا، كانت تعتز بانتسابها إلى آل البيت، وتحظى بمكانة اجتماعية ودينية مرموقة، عرف عدد من أفرادها بالعلم والقضاء والإفتاء، وكانت بيوتهم مقصد الناس وأهل الحاجة.

في ذلك الزمن، كانت السلطة تمنح هذه العائلات أراضي ومحاصيل سنوية مقابل استقبال الضيوف وخدمة المجتمع، لكنها لم تكن حقوقا ثابتة، بل عطايا مرتبطة برغبة الوالي وتقلباته السياسية.

شاءت الظروف أن تتوقف هذه الامتيازات، فسقطت الأسرة في دائرة الفقر، واضطر والد رفاعة إلى مغادرة البلدة بحثا عن حياة أخرى، لكن الموت عاجله وهو في ضيق الحال، ليعود الطفل الصغير إلى طهطا ويعيش في كنف أخواله.

وهناك بدأت تتشكل ملامح الرحلة، تكفل بعض أخواله بتعليمه، فحفظ القرآن الكريم، ودرس الفقه والنحو وبعض المتون، قبل أن يرسل إلى الأزهر الشريف حيث عاش حياة المجاورين الفقراء؛ الجراية المحدودة، والطعام البسيط، وأيام طويلة من التقشف والمعاناة.

لقائه بالشيخ حسن العطار غير تفكيره وترك فيه أثرا عميقا

لكن وسط هذا العالم التقليدي ظهر العنصر الذي غير مصيره بالكامل، لقاؤه بالشيخ حسن العطار، فقد كان العطار مختلفا عن كثير من علماء عصره. واسع الأفق، مهتما بالتاريخ والأدب، ومنفتحا على علوم الدنيا، رافضا انغلاق التعليم الأزهري على الفقه والنحو والتفسير وحدها.

وقد ترك هذا الشيخ أثرا عميقا في تلميذه الشاب، ففتح أمامه أبواب التفكير الحر والاهتمام بالمعرفة الإنسانية الواسعة.

كان العطار شديد الحساسية تجاه تراجع الأدب في عصره، ساخرا من شعراء التكسب الذين حولوا القصيدة إلى وسيلة للمديح وجمع الأموال. وقد نقل أحمد أمين بعضا من وصفه القاسي لحال الشعراء الذين كانوا يغيرون أسماء الممدوحين والقوافي فقط ليبيعوا القصيدة نفسها لأكثر من شخص، حتى أصبح الشعر أقرب إلى "أوراق الدعاية" منه إلى الإبداع الحقيقي.

لحظة فاصلة.. اختياره ضمن البعثة التعليمية إلى باريس عام 1826

في هذا المناخ الفكري، تشكل وعي رفاعة الطهطاوي، وبدأ يدرك أن المعرفة ليست حفظا للنصوص فقط، بل وسيلة لفهم العالم وتغييره.

بعد تخرجه، عين واعظا للعسكر، ثم جاءت اللحظة الفاصلة في حياته اختياره ضمن البعثة التعليمية إلى باريس عام 1826، وكان في الخامسة والعشرين من عمر، .كانت تلك الرحلة نقطة التحول الكبرى التي صنعت مشروعه الفكري كله.

هناك، في العاصمة الفرنسية، لم يكن الطهطاوي مجرد طالب يراقب الغرب من بعيد، بل عقلا مفتوحا يكتشف عالما جديدا بكل تفاصيله.

وقد أدهشته أشياء كثيرة في المجتمع الفرنسي، كما يروي أحمد أمين؛ من بينها ذكاء الناس، ودقة فهمهم، واتساع اطلاعهم، وقلة الأمية بينهم، وشغفهم الدائم بالابتكار.

 

لاحظ أن كل صاحب مهنة أو فن يسعى إلى إضافة شيء جديد، أو تطوير ما وصل إليه الآخرون، وهي الروح التي كانت غائبة في مجتمعات شرقية كثيرة آنذاك.كما لفت نظره حب الفرنسيين للاستطلاع والسفر والتعرف إلى الشعوب الأخرى، ورغبتهم في فهم العالم واكتشافه.

انبهاره بحرية التعبير في المجتمع الفرنسي

وقد انبهر الطهطاوي بحرية التعبير في المجتمع الفرنسي، وقدرة الناس على إعلان آرائهم في السياسة والدين والعلم دون خوف، كما أعجب بالمؤسسات العامة التي تخدم الفقراء والمرضى، من مستشفيات وملاجئ وهيئات اجتماعية، ورأى فيها نموذجا لدور الدولة الحديثة في خدمة المجتمع.

عاد حاملا مشروعا فكريا كاملا

لم يعد رفاعة من باريس مجرد شيخ أزهري تعلم لغة جديدة، بل عاد حاملا مشروعا فكريا كاملا؛ مشروعا يؤمن بأن النهضة تبدأ بالتعليم، وأن الترجمة جسر الحضارات، وأن التقدم لا يتعارض مع الهوية، بل يمكن أن ينطلق منها.

أسس مدرسة الألسن، وأشرف على حركة ترجمة واسعة، وكتب مؤلفه الشهير تخليص الإبريز في تلخيص باريز الذي لم يكن مجرد كتاب رحلات، بل شهادة مبكرة على صدمة الحداثة وأسئلة التقدم والتخلف.

لقد كان رفاعة الطهطاوي واحدا من أوائل من طرحوا أسئلة الدولة الحديثة والتعليم المدني وحقوق الوطن والمواطنة، وهي أفكار بدت في عصره جريئة وغير مألوفة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق