مرفأ لبنان وخبرته مقابل معابر سوريا.. هل يلتقط لبنان فرصة " طريق دمشق التجاري"؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لا يبدو الاتفاق على إطلاق مجلس أعمال لبناني ـ سوري خطوة اقتصادية عابرة. فالقرار يأتي بعد تنسيق سوري – لبناني، حيث جرى البحث في ملفات متداخلة تبدأ من ضبط الحدود ومنع التهريب، ولا تنتهي عند المعابر، الشاحنات، الرسوم، الترانزيت، الفحوص المخبرية، المواصفات الفنية، الربط الكهربائي، ونقل الغاز عبر سوريا إلى لبنان. فأهمية المجلس لا تأتي من اسمه، بل من الملفات الموضوعة على طاولته، إذ إنّ لبنان لا يحتاج إلى إطار جديد للعلاقات العامة، بل إلى آلية تنفيذية تعالج كلفة التصدير البري، وتخفّف التعقيدات على الحدود، وتعيد وصل المنتج اللبناني بأسواق العراق والأردن والخليج عبر الأراضي السورية. في المقابل، تحتاج سوريا إلى مرفأ لبنان وخبرته التجارية والخدماتية، وإلى قنوات قطاع خاص قادرة على مواكبة مرحلة إعادة ترتيب الاقتصاد السوري بعد سنوات من الانقطاع والقيود.

Advertisement

 
 
لكن الاختبار الفعلي بدأ قبل ولادة المجلس. ففي شباط الماضي، تكدّست شاحنات لبنانية عند معبر المصنع بعد قرار سوري بمنع دخول الشاحنات غير السورية، قبل التوصل إلى اتفاق مؤقت أعاد الحركة موقتا وفق آلية انتقالية، ما كشف هشاشة العلاقة التجارية عندما تُدار بقرارات مفاجئة لا بقواعد ثابتة. ويقول مصدر اقتصادي متابع للملف لـ"لبنان24" إن "القيمة الحقيقية للمجلس لن تكون في جمع رجال الأعمال حول الطاولة، بل في قدرته على خفض الكلفة اليومية للتجارة". ويضيف أن "كل ساعة انتظار على الحدود، وكل ازدواج في الفحوص، وكل رسم غير واضح، يتحول إلى ضريبة إضافية على المنتج اللبناني والسوري معاً". وبرأيه، فإن "المجلس إذا لم يربط اجتماعاته بقرارات عملية، مثل توحيد الفحوص المخبرية، تحديد سقف زمني للتخليص الجمركي، تنظيم عبور الشاحنات، وضبط المعابر غير الشرعية، فلن يكون أكثر من نسخة جديدة عن أطر سابقة لم تغيّر كثيراً في الواقع".
 
الأرقام تعطي النقاش حجمه الحقيقي. فالتبادل التجاري الرسمي بين لبنان وسوريا ليس ضخماً قياساً بالإمكانات، إذ تشير تقديرات إلى أنه تجاوز نحو 230 مليون دولار في عام 2024، بينها حوالى 133 مليون دولار واردات لبنانية من سوريا وأكثر من 100 مليون دولار صادرات لبنانية إلى السوق السورية. لكن الرقم الأهم غير المعلن بالكامل يبقى في التجارة غير المنظمة والتهريب وحركة الترانزيت، وهي المساحة التي يمكن أن تربح منها الدولة أو تخسرها بحسب طريقة الإدارة والرقابة.
 
من هنا، تنقسم القراءة الاقتصادية إلى ثلاثة اتجاهات.
 
الأول يرى في المجلس فرصة يجب التقاطها سريعاً، لأن لبنان لا يستطيع إنعاش صادراته وهو مقطوع عملياً عن طريقه البري الطبيعي. وهذا الرأي يعتبر أن تنظيم العلاقة مع سوريا أفضل من تركها تحت رحمة القرارات الأمنية والحدودية المتقطعة.
 
الاتجاه الثاني أكثر حذراً. فهو لا يرفض التعاون، لكنه يخشى أن يتحول المجلس إلى مساحة نفوذ محصورة بعدد محدود من رجال الأعمال، أو إلى غطاء لعلاقات غير شفافة، خصوصاً إذا لم تُحمَ الصناعة اللبنانية من الإغراق، ولم تُضبط البضائع المخالفة للمواصفات والمنشأ، ولم تُقفل منافذ التهريب التي تنافس التجارة الشرعية.
 
أما الاتجاه الثالث، وهو الأكثر واقعية، فيربط النجاح بجدول عمل واضح. فالمطلوب ليس صوراً واجتماعات، بل مؤشرات قابلة للقياس، أهمها:" كم ستنخفض كلفة الترانزيت؟ كم سيتراجع وقت انتظار الشاحنات؟ هل ستكون هناك منصة موحدة للفحوص والمواصفات؟ هل تُعالج الرسوم بآلية معلنة؟ وهل تُدار المعابر الرسمية بطريقة تجعل التجارة الشرعية أرخص وأسرع من التهريب؟".
 

بهذا المعنى، قد يكون مجلس الأعمال اللبناني ـ السوري فرصة لإخراج العلاقة الاقتصادية من الشعارات إلى المصالح. فالبلدان محكومان بالجغرافيا، لكن الجغرافيا وحدها لا تبني اقتصاداً سليماً. ما يبنيه هو القانون، الشفافية، وضبط الحدود، وربط القطاع الخاص بقرارات تنفيذية لا بوعود عامة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق