كارثة إنسانية فى فلسطين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مأساة بل كارثة إنسانية فوق حدود الاحتمال تواجه الشعب الفلسطينى، وواقع يتجاوز فى قسوته كل ما عرفته الأزمات الإنسانية المعاصرة. إنها ليست مجرد أزمة، بل هى انهيار شامل لمنظومة الحياة، حيث يمتزج صمت الضمير العالمى مع دوى القصف والمعاناة فى غزة، بينما يئن جسد الضفة الغربية تحت وطأة تقييد الوجود وتدمير سبل العيش. 

فى غزة يغدو البقاء معجزة يومية، وتحولت المستشفيات التى ينبغى أن تكون ملاذات للشفاء إلى شواهد على عجز الإنسانية، وقد أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية والوكالات الأممية إلى أن المرافق الصحية لا تعمل بشكل طبيعى، وسط دمار واسع طال البنية التحتية، وسيارات الإسعاف والمختبرات الطبية. إن الكارثة الصحية لا تتوقف عند الجرحى والمصابين جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، بل تمتد لتغتال المرضى فى صمت؛ فمرضى السرطان لا يجدون الأدوية الضرورية، وأقسام الولادة والحضانة تكافح للبقاء فى ظل انعدام الوقود والكهرباء. لكن المشهد الأكثر رعبًا هو ذلك الذى يتشكل فى المخيمات المهترئة، حيث يفتك الاكتظاظ وسوء الصرف الصحى وغياب النظافة بأجساد الأطفال، ناشرة أوبئة جلدية ومعوية تنهش ما تبقى من مناعة السكان. إن تحذيرات الأونروا من تفشى الأمراض، إلى جانب تعذر انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، ينذران بكارثة بيئية ستلاحق الأجيال القادمة لسنوات طوال.

ولا يقل الواقع فى الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، مأساوية عن نظيرتها غزة. وهنا تمارس سياسة خنق الوجود عبر تقييد الحركة، وإلغاء تصاريح العمل، واقتحام المخيمات وتدمير منشآت المياه والصرف الصحى. إن الاستهداف الممنهج للبنية التحتية الرعوية والزراعية يهدف بشكل مباشر إلى تقويض سبل العيش، ودفع التجمعات السكانية نحو التهجير القسرى. إن الأزمة فى الضفة هى أزمة تراكمية، حيث يؤدى انكماش الاقتصاد وحرمان العمال من الوصول إلى أرزاقهم إلى تدهور حاد فى القدرة على الحصول على الخدمات الصحية الأساسية، ما يضع النظام الصحى الفلسطينى برمته على حافة الانهيار الشامل.

وحينما تصبح الكرامة الإنسانية رهينة

فى ندوة الجمعية الصحية العالمية الأخيرة بجنيف، حذر وزير الصحة الفلسطينى من أن التاريخ سيحكم على استجابة المجتمع الدولى لهذا الانهيار. إن ما يحدث هو أزمة للإنسانية ذاتها. حينما يعجز العالم عن تأمين ممر آمن لسيارة إسعاف، أو إيصال وقود لمستشفى، أو حماية طفل من لدغات الحشرات فى خيمة متهالكة، فإننا لا نتحدث فقط عن غياب الدعم، بل عن غياب الالتزام الأخلاقى والقانونى تجاه حق الإنسان فى الحياة.

إن منع إسرائيل للمساعدات، والقيود البيروقراطية التى تمنع دخول المعدات الطبية والمستشفيات الميدانية الجاهزة، يعكسان فجوة عميقة بين الخطاب الدبلوماسى العالمى والواقع الميدانى المؤلم. إن اعتماد منظمة الصحة العالمية لقرارات لصالح الأوضاع الصحية فى الأرض المحتلة هو خطوة رمزية مهمة، لكنها تظل مقصورة ما لم تترجم إلى ضغط حقيقى لرفع الحصار غير المشروط عن القطاع الصحى الفلسطينى.

كما أن معاناة الشعب الفلسطينى اليوم هى اختبار للحس الإنسانى العالمى. إن كل ساعة تمر دون حل جذرى لهذه الأزمة تزيد من عمق المأساة التى ستظل محفورة فى ذاكرة المنطقة. كما أن الحاجة ليست فقط إلى طرود غذائية أو إمدادات طبية طارئة، على أهميتها، بل الحاجة الملحة هى استعادة الحق فى الحياة، والحق فى نظام صحى سليم، والحق فى كرامة لا تتبدل بتغير المعادلات السياسية.

إن فلسطين، بأرضها وشعبها، تصرخ اليوم فى وجه العالم بأن الإنسانية ليست شعارات نطلقها فى المحافل الدولية، بل هى قدرتنا على حماية الضعيف، وإيقاف الحرب على الحياة، والاعتراف بأن الكارثة الصحية فى غزة والضفة هى جرح غائر فى جسد البشرية جمعاء، ولن يندمل هذا الجرح إلا بالعدالة التى تعيد للإنسان الفلسطينى أبسط مقومات الحياة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق