في «بهية».. جراح الأمل يرمم انكسار النساء: أسئلة ابنة فجعتها وفاة أمها وتبحث عن النجاة لكل المحاربات (حوار)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في حضرة الفقد.. وبين يدي المشرط
“ليتني كنتُ قد متُّ قبل هذا اليوم، وليتني كنتُ نسيًا منسيًا.. لقد غربت شمسي، وانطفأ نوري، وفقدتُ ملاكي الذي كان يحرسني بدعائه”.

بهذه الكلمات الحزينة للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي، أبدأ حديثي، ليس استعارةً بل واقعًا أحياه بكل جوارحي. فمنذ وقتٍ قريب، ودعتُ قطعةً من قلبي وروحي، وارتها التراب في ساعات الليل المتأخرة، وتركتها وحيدة في ظلمة المقابر، وأملي الوحيد هو رحمة الله. فقدتُ أمي على إثر إصابتها بسرطان الثدي، ذلك المرض الذي لم يمهلنا طويلًا حتى تطور وانتشر إلى العظام، ليختطف منها عافيتها ومني أماني.  إلا أنني لم أستمر نفس الشخص؛ فمع دفن أمي غادرتني نسختي الأخيرة، ونسختي الحالية التي تكتب هذه السطور هي شخصٌ آخر.

ولأن الوفاة كانت مؤخرًا، لم أقف بعد على ملامح هذه السيدة الجديدة، ولكني أؤكد أنها "غير"؛ أكثر هشاشة وأعمق حزنًا، تسير بجرحٍ سيبقى نازفًا للأبد. أصبحتُ أكثر قربًا إلى الله، وأبعد عن الدنيا المعروفة بألوانها ومغرياتها، بطموح مختلف ونظرة أعمق لما بعد الحالي. صرتُ أكثر عبوسًا، وبداخلي ألم يحتدم صراعه، يجبن أن يعبر عن نفسه أمام العالم، فيبقى بالداخل إلى أن يختلي بي ويعاملني بقسوة متناهية، ولكني أصبر لعل جزاء صبري يُحتسب لأمي في ميزان حسابها أمام الله.

ومن رحم هذا الوجع الشخصي، ومن وسط حطام "النسخة القديمة" مني، ذهبتُ للقاء الدكتور ماهر حسن، رئيس قسم الجراحة بمؤسسة "بهية". لم أذهب إليه بصفتي صحفية تبحث عن عناوين براقة، بل كابنةٍ تدرك أن وراء كل مريضة أورام، هناك "ابنة" أو "ابن" يرتعد خوفًا من أن يواجه ذلك اليتم الذي يسكنني الآن. جلستُ أمام "جراح الأمل" الذي يرمم ما أفسده المرض في أجساد النساء، سألته بقلب الابنة وعقل الصحفية.. كيف ننتصر للأمهات؟

"مشرط" في يد مقاتل (ماهر حسن الإنسان)
دكتور ماهر، يقال إن "جراح الثدي" هو مهندس يبني ما هدمه المرض.. كيف بدأت رحلتك مع هذا المشرط تحديدًا؟ ولماذا اخترت أن تمضي حياتك المهنية في "أصعب تخصص" يمس هوية المرأة وأنوثتها؟

• د. ماهر: البداية كانت من معهد الأورام القومي؛ تلك المؤسسة العريقة التي دخلتها لأول مرة مرافِقًا لإحدى قريباتي التي أصيبت بالمرض، وهناك لمستُ حجم المعاناة التي يكابدها المرضى. أما رحلتي المتخصصة في صون "هوية المرأة" فقد بدأت فعليًا عام 2015 مع انطلاق مؤسسة "بهية"؛ حيث كنت أبحث عن تخصص في جراحة الأورام يمنح المريضات أملًا حقيقيًا ونسب شفاء مرتفعة. وبالفعل، أورام الثدي هي م

ن الأورام التي يمكن تخطيها والتعافي منها تمامًا، مما يمنح السيدة فرصة كاملة لاستعادة حياتها كما كانت.

استئصال الثدي ليس مجرد إجراء طبي، بل هو بتر للروح.. كيف توازن يا دكتور بين مسؤولية إنقاذ "الحياة" وبين قرار يغير نظرة المريضة لنفسها في المرآة؟

• د. ماهر: أقول دائمًا لكل سيدة قبل الجراحة: "أنا لستُ هنا لأقوم باستئصال، بل دوري هو تخليصكِ من عدوٍ مؤذٍ يهدد مستقبلك". لكن دوري لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد للاجتهاد في عمليات "إعادة البناء" بوسائلها المختلفة، سواء عبر أجهزة السيليكون أو السدائل العضلية، لنصل معًا إلى شكل مناسب يساعدكِ على استكمال رحلة العلاج وأنتِ محتفظة بهويتكِ وأنوثتكِ بالكامل.

ما هي أصعب جملة يضطر دكتور ماهر لقولها خلف الأبواب المغلقة؟
• د. ماهر: بدون شك، أصعب جملة هي إقرار "الاستئصال  الكلي للثدي"، ولكنني في اللحظة ذاتها أطرح كل الحلول الممكنة لإعادة البناء الفوري، لنؤكد للمريضة أن هويتها الجسدية قابلة للاستعادة.

ثورة 2026 (العلم في خدمة الجمال)
نحن الآن في 2026، هل ما زال "الاستئصال الكامل" هو الخيار الوحيد؟
• د. ماهر: الحقيقة أن ثورة عمليات إعادة البناء ليست وليدة اليوم، بل بدأت منذ نحو عشرين عامًا. نحن في "بهية" نرفع شعار أن السيدة تدخل "بهية" وتخرج "بهية" (بكامل جمالها). تتوفر لدينا طرق متعددة، سواء بإعادة البناء الفوري أثناء العملية، أو المتأخر بعد سنوات من إنهاء رحلة العلاج.
العلم يتحدث عن ثورة الـ "ADCs" (مثل Enhertu).. كيف غيرت هذه "القذائف الذكية" خريطة الأمل في بهية؟
• د. ماهر: هناك تطور مذهل ويومي، خاصة في العلاجات المناعية والموجهة التي تضرب الورم مباشرة وتجنب الجسم الآثار الجانبية المرهقة. لكن يجب التنويه أن هذه العلاجات تناسب حالات محددة فقط، وليست بديلًا كاملًا عن العلاج الكيميائي في الوقت الحالي.

فك الشفرة (الجينات والذكاء الاصطناعي)
 

أين يقف "الاختبار الجيني" (Genetic Test) اليوم في بهية؟
• د. ماهر: هو ضرورة حتمية؛ فبالنسبة للمصابات يساعدنا في تحديد أدق خطة علاجية، أما للسيدات اللاتي لديهن تاريخ عائلي قوي فهو وسيلة للاطمئنان أو التدخل الاستباقي (مثل حالة أنجلينا جولي)، حيث نقوم بجراحات استئصال وقائي مع إعادة بناء فورية لتقليل المخاطر قبل حدوثها.
 

هل سيحل الروبوت والذكاء الاصطناعي محل الجراح؟ وما الذي سيعجز عنه الـ AI؟
• د. ماهر: استخدام "الروبوت" في جراحات الثدي واقع نعيشه الآن، ونستخدمه بالفعل. الـ AI يفيدنا جدًا في دقة التشخيص، لكنه سيعجز دومًا عن منح "الدعم النفسي" والاحتواء الإنساني؛ فهذه النعمة هي سر أودعه الله في البشر فقط.

مواجهة الإشاعات وفلسفة بهية
دائمًا ما نسمع عن "علاج سري" في أمريكا.. دكتور ماهر، هل نحن نهزم السرطان "بالنقاط" أم اقتربنا من "الضربة القاضية"؟
• د. ماهر: أقولها بكل ثقة: مصر توفر أحدث بروتوكولات العلاج العالمية. لا يوجد "علاج سري" في الخارج غير متوفر هنا؛ فالمبادرات الرئاسية لصحة المرأة وفرت كل سبل التشخيص والعلاج للوصول لأعلى نسب الشفاء.

"بهية" ليست مجرد مستشفى، هي حالة اجتماعية.. كيف حولتم "الانكسار" إلى "قوة"؟
• د. ماهر: لأن "بهية" هي بيت كبير وعائلة. كل محاربة تدخل إلينا هي فرد من العائلة، ومع فريق الدعم النفسي المتكامل، تتحول رحلتها من خوف من الماضي إلى انتصار في المستقبل بقوة الإرادة.

رسالة  للتاريخ
نهى: ما هي أكبر خرافة طبية تتمنى محوها من الوعي؟
• د. ماهر: خرافة أن "العينة تنشر الورم"، وهذا غير صحيح إطلاقًا. وأيضًا خرافة أن "السرطان لا علاج له". التطور الحالي جعل هذه الأقاويل في طريقها للاندثار.
دكتور ماهر، ننهي الحوار بـ "روشتة أمل" لكل سيدة تخشى الفحص الآن..
• د. ماهر: أقول لكل سيدة، لكل أم، لكل أخت: "متخافيش، الأمل دائمًا موجود". اهتمي بنفسكِ، وامنحينا الفرصة لنهتم بكِ. بالتطور الذي يحدث كل ساعة، وبفضل الله، سنعبر بكِ لبر الأمان.

اليتمُ جرحٌ لا يبرأ.. فاحموا صغاركم من مرارته

كنتُ أسمع دائمًا أن اليتم لا يعرف سنًا، ولا يعترف بأرقام الأعمار مهما كبرت، ولم أدرك حقيقة هذا القول إلا حينما هوت جدران أماني برحيل أمي. فاليتم هو الانكسار الذي يسكن الملامح، واليتم هو الشجن الذي يلون نبرات الصوت. في ختام حواري مع الدكتور ماهر حسن، وبينما كنتُ أستمع لرسالته الموجهة لكل سيدة، شعرتُ وكأن صوته يحمل طمأنينة "يد الله" في الخلاص والشفاء؛ نبراتٌ طيبة، مشفقة، وواعية تدرك أن وراء كل جسدٍ منهك عائلةً كاملة قد تنهار بفقدان ركنها الأساس.

لذا، أتوجه من هنا بقلبٍ مثقل باليتم، ورُوحٍ عرفت معنى الفجيعة، لكل سيدة وأم: أرجوكِ، لا تستهيني بالفحص الدوري، تعلمي كيف تفحصين نفسكِ وكيف تبحثين عن نجاتكِ. لا تُهملي، بل تأقلمي مع كل السيناريوهات الممكنة، وأسرعي للكشف المبكر قدر الإمكان. افعلي ذلك ليس من أجلكِ فحسب، بل من أجل أطفالكِ الذين سيبقون صغارًا في حاجتهم إليكِ مهما كبروا في السن. احميهم من "لوعة اليتم" الذي أعيشه الآن، ومن مرارة رؤية الأم وهي تصارع مرضًا قد لا يكون بتلك الشراسة التي شاهدتُها في أمي –رحمها الله– لو أننا اكتشفناه مبكرًا.

ولنا في سنة النبي ﷺ العزاء والسلوان في بر الأمهات حتى بعد رحيلهن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: «أمُّك»، قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك»، قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك»، قال: ثم مَن؟ قال: «أبوك».

وإنني اليوم، ومن باب بري بأمي، أختار أن أشارك في التوعية والتحريض الإيجابي على الكشف المبكر؛ لعل نجاة سيدة واحدة بفضل هذه الكلمات توضع في ميزان حسنات أمي، وتكون من طيب ما أفعل ومن أثرها الباقي في الدنيا. لقد علمني رحيلها أن الوجود الحقيقي للأم هو "الأمان"، وأن غيابها هو "الغربة" في أوطاننا، فلتكن قصتنا حافزًا لكل امرأة أن تختار البقاء.

59aa592378.jpg
4e2309cdcc.jpg
a6aeca82c7.jpg
6e9938a734.jpg
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق